عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
     أدهشني إستهلال د. إحسان فقيري، لمقالها الموسوم: "رد على الأستاذ مهدي إسماعيل" وزعمها بأنها لم تعرف غرضي من المقال، ووصم دعوتي لتكريم نٌُقُد وصحبه "لحفاظهم على الحزب في ظروف بالغة الدقة والخطورة والإستفادة منهم في مجالات اُخرى"، واعتبار حديثي بمثابة دعوة عنف تخلو من الإحترام!!، فقد جاء في مقالها ""لقد قرأت مقال الأستاذ مهدي وحاولت أن أجد ما يقصده الكاتب منه—تحدث المقال عن تصريحات الاستاذ/ نُقُد في البداية ثُم عرج على قضية التحالفات مع الحركة الشعبية – والخاتمة كانت حول ترجُل الرفاق (عشان ما ياكلوا خريفهم وخريف غيرهم) والتي أعتبرها دعوة عنف ضد جيل أعطى الكثير وما زال قادراً على العطاء، تخلو من الإحترام وعدم المسئولية تجاه الآخر والنظرة الإستعلائية للآخر لا لشئ فقط أنهم أكثر شباباً – وهذا مُحزن"- إنتهى كلام الدكتورة.
أين الغموض والعُنف وعدم الإحترام وعدم المسئولية في دعوتي التي تقطُر وضوحاً وتقديراًً؟ ولعلمِك ولفائدة القُراء الكرام فإنني أحرص (عندما أكتب) على أمرين لا ثالث لهُما، وهُما: أن أطرح رؤية أو فكرة أو رأي جديد، أو تسليط الضوء على موضوع أو مسألة ما، بُغية إجلائها وإزالة ما لحق بها من لغط أو غموض أو تشويش. أما ألامر الثاني الذي أحرص عليه فهو أن تكون اللُغة التي أكتب بها لُغة واضحة وبسيطة، بعيدة عن المُحسنات اللفظية والتقعر وإستعراض العضلات البلاغية والرطانة الثقافية، ولذلك أستعين بالأمثلة الشعبية لتقريب الصورة، وفي قناعتي أن "البلاغة إيجاز" و "وضوح".
لقد تلقيت ردوداً كثيرة، وفوق المُعتاد، على مقالي قبل الأخير في سودانايل وأجراس الحُرية بعنوان: "أما آن لهؤلاء الرفاق أن يترجلوا؟!"، ولقد اختلف معي القليل من القُراء الكرام بشأن ما ذكرت، واتفقت معي الأغلبية في ما زعمت، ومنهم مُنتسبون لأعلى أجهزة الحزب الشيوعي السوداني، وبعضهم فارق الحزب منذ سنين "فُراق الطريفي لجمله"، كما اتصل بي كثيرون عبر وسائط الإتصال المتعددة (هاتفياً، ومن خلال البريد الإلكتروني، ومُشافهةً،، إلخ) ولكنهم بلا إستثناء أجمعوا على أن المقال واضح وصريح ومُباشر ويُثير قضايا هامة.  
    للمصلحة العامة ولفائدتك ولفائدة الجميع، أُكرر وأُعيد القول بأنني هدفت من مقالتي تلك إلى أمرين، في غاية البساطة والوضوح، وهُما:
-    تسليط الضوء على ظاهرة البقاء الُسرمدي/الصمدي، لقادة أحزابنا ومنظماتنا السياسية والرياضية والثقافية والإجتماعية والنقابية والإجتماعية،، إلخ على سدة الرئاسة، وكنكشتهم على مواقعهم مهما كان الثمن، وأضفت بأن من يُطالب بالتغيير عليه أن يبدأ بنفسه، وقُلت "أن فاقد الشئ لا يُعطيه"، فلربما كان السبب الأساسي في بقاء الإنقاذ حتى الآن، أن بديلها الذي يقود المُعارضة منذ الستينيات غير قادر على التغيير، فقد تم تجريبهم جميعاً (يساريين وطائفيين) وفشلوا أكثر من مرة.
 وياسيدتي الفاضلة؛ قُلت ذلك للإمام الصادق المهدي، هُنا في بريتوريا، وأُشهد الله أن رده كأن أكثر موضوعية من حديثك، إذ أشار إلى إبنته د. مريم (التي كانت بمعيته) وقال "هذا جيل الشباب أمامك، ثُم أضاف "لقد أقمنا أمانة للشباب وأمانة للمرأة، وأجرينا إنتخابات ديمقراطية في كافة مستويات أجهزة الحزب، وعقدنا عدة مؤتمرات عامة – وليس مؤتمراً واحداً يتيماً بعد حوالي أربعة عقود!- ثُم إن جماهيرنا وقواعدنا تُطالبنا بأن نبقى على سدة الرئاسة والقيادة، واستشهد الإمام الذي لا تنقصه الفصاحة والإبانة بالقول "هذه سمة من سمات المُجتمعات الإنسانية قاطبةً، وأنظروا إلى آل بوتو في باكستان، وإلى آل نهرو في الهند، وإلى آل كنيدي في أمريكا، ثُم إنها في السودان تعكس ثقافة تبجيل ناظر القبيلة وشيخ الطريقة، وهلُمجرا!!".
-    أما الأمر الثاني الذي هدفت إليه، فهو إثارة مسألة العلاقة بين القوى الديمقراطية والتقدمية، وأوردت مثالاً لذلك، العلاقة المتوترة بين الحزب الشيوعي السوداني والحركة الشعبية مع أنهما (في تقديري)، حزبان تقدُميان في مركب واحد. وللعلم فهذه المسألة قديمة جداً، وأذكر في عام 1969، وبمدينة قروية (النهود) في غرب كُردفان، وبنادي الوطن الرياضي/الثقافي، قدم صديقنا الحلفاوي (الرطاني الذي لا علاقة جهوية أو قبلية له بالمنطقة) طالب الثانوي العالي آنذاك/ خليل عُثمان خليل، مُحاضرة بعنوان "الوعاء التنظيمي لثورة مايو"، وكان محور المُحاضرة، محاولة الإجابة على سؤال "هل المطلوب حينها وحدة القوى الوطنية عامة، أم وحدة القوى الثورية فقط؟؟"، وكُنا من محاوريه في ذلك العُمر الباكر، وللأسف الشديد وبعد أربعة عقود لا يزال السؤال مطروحاً دون إجابة شافية!! وهذا لوحده يؤكد لكِ أننا لا زلنا واقفين محلك سر (كالضُل الوقف مازاد!!) بشأن هذه العلاقة.

يا دكتورة/ إحسان فقيري، ويارفاق ويا زميلات
لم يُلفت نظري في ردك سوى قولك (سقط مشروع السودان الجديد "وردولب")، وأسمحي لي أن أُسجل تحفظي على اللُغة وإعتراضي على المضمون، فأولاً كُنت ولا زلت أعتقد بأن مفهوم السودان الجديد (The Concept of New Sudan) يتضمن في جوهره ذات رؤى الحزب الشيوعي السوداني، وفي تقديري أن الفارق فقط في طريقة التقديم، فالراحل د. جون قرنق عمد إلى تبسيط لُغة الحوار والمُخاطبة فاستحوذ على قلوب وأفئدة الجماهير العريضة، فبدلاً عن البروليتاريا كان يقول المُهمشين، وبدلاً عن (الجماهير صاحبة المصلحة الحقيقية في إنجاز مهام المرحلة الوطنية الديمقراطية ثم الإنتقال منها وفقاً للديالكتيك والتفسير المادي للتاريخ إلى مرحلة الإشتراكية ثُم الشيوعية ،،،، إلخ)، أجاب قرنق عندما سأله أحدهم لماذا يُعارض إقامة مصفاة البترول في الخرطوم أو بورتسودان "كما كانت تزمع حكومة الإنقاذ" فشرح مُصطلح المُشاركة في الثروة بالقول ببساطة "لو اُمك بتسوي مريسة، بتصفيها في بيتكُم، ولا في بيت الجيران؟؟".
ودعيني أسألك سؤالاً مُباشراً، هل سقوط مشروع السودان الجديد مدعاة للفرح والشماتة لدى رفاق الدرب؟؟ أليس سقوط مشروع السودان الجديد يعني سقوط الدولة العلمانية وفصل الدين عن الدولة والمُشاركة في السلطة والثروة والعدالة الإجتماعية والديمقراطية وووووو؟، ألايعني ذلك سقوط كُل ما يُنادي به الحزب الشيوعي السوداني؟، لقد وقع في ذات الفخ زميلنا د. الواثق كمير، ولكنه لم يشمت ولم يفرح، وظني أنه كان ينطلق من مُنطلق المُشفق الناصح، "وإن تنكب النصيحة" ولنا عودة مُتأنية إلى رؤاه وطلقاته العمياء.
أليست مقولة "أن إنفصال الجنوب يعني سقوط مشروع السودان الجديد"، هي ذات رؤية وأوهام صقور وأرانب المؤتمر الوطني وغُلاة العُنصريين في منبر الشمال؟؟ ألا يعتقد الطيب مُصطفى ود. نافع وصلاح قوش، أن إنفصال الجنوب يعني سقوط حُجة المُطالبين بالعلمانية والديمقراطية والعدالة والمساواة (والرافضين للشريعة الإسلامية بتفسير إبن عباس والزمخشري)، وفي ظنهم الواهم، أنه وفور تحقق الإنفصال سوف يخلو لهم الجو لإقامة دولة الشمال العربية/الإسلامية، الكاملة النقاء العرقي والصفاء الديني والتجانس اللغوي؟؟.
لقد تقسم الإتحاد السوفيتي "الشيوعي العظيم" إلى خمسة عشرة دولة، وتبعته يوغسلافيا الإشتراكية، وتشيكوسلوفاكيا، فهل شمتنا وقُلنا كما قال فوكاياما "هذه نهاية التاريخ" ولتذهب الشيوعية إلى متحف التاريخ السياسي؟؟ ولو أن إنفصال جزء من البلاد يعني سقوط المشروع الفكري/السياسي (The concept or the paradigm) للحركة السياسية التي تنتهج تلك الآيديولوجية، فما مُبرر وجود الحزب الشيوعي السوداني؟؟؟. ولو افترضنا جدلاً (أو بالأحرى خطلاً) أن إنفصال الجنوب يعني سقوط مشروع السودان الجديد "وردولب؛ أو على أُم رأسه بالعربي الفصيح، أو غز البصلة بالدارجي النيلي"، هل هذا مدعاة للفرح والشماتة، أم أن المحري في الرفاق والزميلات أن يسندوه ولا يدعوه يقع "وردلوب"، فعندما نجحت جبهة الميثاق الإسلامي (المؤتمر الوطني حالياً) في حل الحزب الشيوعي في النصف الثاني من الستينيات، لم يشمت الديمقراطيون والبعثيون والناصريون وغيرهم من قوى الحداثة والتنوير، "وقالوا وقعت الشيوعية وردلوب، وإنما وقفوا مع الرفاق وقفة صدق- لأنهم يعلمون أنهم سوف يؤكلون إذا أُكل الثور الأبيض، وما أشبه الليلة بالبارحة!!!.
تأكدوا يا رفاق (يامن أصبح وأمسى بعضكم، غافلاً، في خندق واحد مع المهووسين دينياً والموهومين عرقياً في منبر الشمال) ، بأننا نؤمن (إيمان العمايا لا الببغاوات) بأنه لو إنفصل الجنوب فهناك جبال النوبة وهناك النيل الأزرق والأنقسنا؟ ولو أنفصل هؤلاء فهُنالك دارفور؟ ولو إنفصلت دارفور فهُنالك كُردُفانّ (جنوبها وشمالها) والشرق، ولو إنفصل هؤلاء فهُنالك العاصمة كرش الفيل!! ثُم أسمعوها مني، لن تستطيع الدولة الدينية/الآحادية/الإقصائية، أن تحكم وتُدير بنجاح، حتى مثلث حمدي، دون تطبيق مبادئ السودان الجديد!! بل أذهب أبعد من ذلك وأقول أن الدولة الدينية لا يمكن تطبيقها في أي بُقعة من بقاع السودان العربي/الإفريقي، بل لا يمكن تطبيقها في أي مكان في العالم، وأنظروا إلى الصومال وما يدور فيه من حرب ضروس بين ذوي الملة الواحدة، وما يحدث في العراق من قتل بين الشيعة والسُنة، فالتجربة الوحيدة الماثلة للدولة الدينية هو "دولة إسرائيل اليهودية"، فهل يرغب المؤلفة قلوبهم في تطبيق هذا النموذج؟؟؟.
يا جماعة، القضية لم تعد صراعاً دينياً من أجل تطبيق حدود الجلد والرجم والقطع أو عدم تطبيقها، وإنما هي محض إصطراع سياسي من أجل السُلطة الدنيوية وماينبغي أن يُفعل بها بعد الإستحواذ عليها، وهذه مسألة وضحت تماماً مُنذ أن توسد الرسول الكريم ثرى يثرب، ومنذ أن قُتل الخليفة الثالث/ عُثمان، بسيوف أبناء الصحابة، "الذين أسموه نعثلاً ودفنوه بمقابر اليهود" وبرروا فعلتهم بأن ذي النورين ""لم يعدل ولم يُحسن قسمة السُلطة والثروة" وانحاز إلى عشيرته من بني اُمية، كما أنحاز البشير إلى حوش بانقا ومثُلث حمدي وعضوية الجبهة الإسلامية التي أجلسته على هرم السُلطة، ولا يزال يوزع الغنائم والفئ والمناصب على من يُشايعه من الجبهجية الذي مالوا إلى من عنده المال وذهبوا إلى من عنده الذهبُ (كما قال المُتآمر الأكبر/ التُرابي).
ألمح في مقالِك ما معناه أن عضوية الحزب فقط (وفق لائحته) من يُحق لها الحديث عن توجهات ومواقف الحزب (إسمه وقيادته وسياساته وتحالفاته والتغيير فيه،، إلخ)، وبمعنى آخر فكأنك تقولين "الحزب حزبنا، ونٌُقُد نُقُدنا، وسيد الحق راضي – شِن دخل القاضي؟!". ولربما يبدو هذا القول الزاجر صحيحاً في مظهره، ولكن؛ ألا تقول أدبيات الحزب الشيوعي السوداني بأن الديمقراطيين "أصدقاء الحزب وحلفائه" أفليس من واجب الصديق أن ينصح صديقه ويدعوه للتحاور والتشاور؟؟، وما بالك إذا كانت أولى خطوات هذا الصديق في طريق العمل العام تمت عبر بوابة الإعتقال والسجن بسبب الحزب الشيوعي قبل حوالي 40 عاماً (يوليو 1971)، وبعد ده تقولي "النظرة الإستعلائية للآخر لا لشئ فقط أنهم أكثر شباباً- وهذا محزن"، فأي شباب لمن يخطو حثيثاً نحو الستين، وعلى كُل حال شُكراً على رفع معنوياتنا!!!.   
لا أريد البتة ولا أرغب ولا أتمنى أن ينحرف وينجرف هذا الحوار إلى تهاتُر ولعبة بنج بونج (إرسال وصد) وإنما أرجو وأتعشم أن يفتح قولنا هذا، أبواب التابوهات المُغلقة ويُثري الحوار البناء/الهادف "المُهذب" حول المسائل التالية :
1.    مسألة سُرمدية القيادة في أحزابنا السياسية دون إستثناء، وما يتبعها من إغلاق لمسار التطور الطبيعي وسد الباب أمام الشباب (نصف الحاضر وكُل المُستقبل)، وبالتالي إنصراف الجماهير الراغبة في التغيير، لجمود البديل وعدم ثقتها فيه- كما وضح ذلك في الإنتخابات الأخيرة (بدون لف ودوران)، رغم قناعتنا بحدوث التزوير، إلا أن الاحزاب العاجزة عن منع التزوير، والتي تتعامل مع الحكومة المُنبثقة عنه دون أن تقول بِغِم (أعجز من الفوز بتلك الإنتخابات مهما كانت شفافيتها) وأحسن ليكُم تفوقوا!!!! (كما قال نافع)، ونتفق معكم هُنا بخطأ إنسحاب ياسر عرمان، ولكن نتساءل لماذا يُعتبر إنسحاب عرمان خطيئة لا تُغتفر، وصفقة أُعدت بليل، ولا يُعتبر إنسحاب نٌُُقُد من ذات السباق، خطيئة بذات القدر؟؟!!.
2.    العلاقة بين القوى التقدمية في السودان، وعلى رأسها العلاقة بين الحزب الشيوعي والحركة الشعبية، (أو بالأصح الوحدويين التقدميين من الجنوبيين والشمالييين)، لأن في تصحيح العلاقة بين هذين التنظيمين خيراً كثيراً للسودان، وإذا تم ذلك فكُل التنظيمات التقدمية سوف تتنادى إلى مثل هذه الجبهة/التحالف/المؤتمر،، إلخ، وهذا ما يُقض مضجع المؤتمر الوطني، ولذا يسعى دوماً لشق الصفوف، وللأسف فقد نجح في ذلك بإمتياز حتى الآن.
3.    كيفية السير قُدماً بدعوة السودان الجديد بعد إنفصال الجنوب، والدفع بها إلى الأمام، وأُبشرك، بأن حوارات عديدة تدور بين الوطنيين والديمقراطيين والوحدويين حول أفضل الخيارات لإعداد خارطة طريق المُستقبل بعد إنفصال الجنوب، ولكن ليس على طريقة "وردلوب"، وآمل أن تتفضلي بقراءة بعض مقالاتي المنشورة بهذه الصحيفة سودانايل؛ "الإنفصال والفطام" و "الوعاء التنظيمي الشامل لقوى السودان الجديد- 1 و2" و "ما العمل- جبهة عريضة لإنقاذ الوطن" و "ثم ماذا بعد بلبال أبريل الكذوب"، والتي يربط بينها خيط واحد هو "إن إنتصار تيار الإنفصاليين في الحركة الشعبية لا يعني سقوط مشروع السودان الجديد، وأنه من الظُلم الفادح تحميل إنفصال الجنوب لقطاع الشمال بالحركة الشعبية (ولياسر عرمان وصحبه لتصفية حسابات ضيقة أو بسبب الغيرة السياسية)، وإنما يجب تحميله للإنفصاليين بالحركة الشعبية وللمؤتمر الوطني ولمن جعل الوحدة طاردة- حتى لغُلاة الإسلاميين من أبناء دارفور!!!.
ولأنني مُتفائل دائماً ولا أبكي على اللبن المسكوب ولا اُكرر رؤى الآخرين كالببغاوات، ظللت أقول إن كان في إنفصال الجنوب خيراً، فهو أنه سوف يسحب بساط شعارات الجهاد والدفاع عن العرض والدين من ساحة الصراع، ويضع "العُقدة في المنشار"، وتبيان أن جوهر الخلاف بين جماهير المُهمشين ونظام الإنقاذ ليس خلافاً دينياً، وإنما هو وبكل بساطة كما أسلفنا "عدم سلامة ما يُسمى المشروع الحضاري والدولة الدينية وآحادية الهوية- وردولب"، والفشل الداوي في إدارة الدولة والفساد الذي يزكم الأنوف.
من المُفارقات أن يروج الشيوعيون لحكاية "سقوط مشروع السودان الجديد"، كما يتمنى ويزعم غواصات المؤتمر الوطني، ويتساءلون في شماتة وضيق نظر وسوء مقصد "عرمان حيمشي وين بعد الإنفصال؟؟"، هذا في الوقت الذي يكتب فيه الموضوعيون من الحركة الإسلامية مثل أ.د. الطيب زين العابدين "يقول بعض الناقدين للحركة الإسلامية إنها لا ترغب في وحدة السودان، لأنها تُريد تطبيق مشروعها الإسلامي على الشمال دون عقبات أو إعتراضات من أهل الجنوب، والمشهد السياسي منذ توقيع إتفاقية نيفاشا لا ينُقض هذه الفرضية"، كما يتساءل د. عبد الوهاب الأفندي "هل أصبح المشروع الإسلامي عقبة أمام وحدة السودان". ويقول الزعيم/ الصادق المهدي، صاحب مشروع الصحوة الإسلامية، "في رأيي أن مشروع الإنفصال بدأ عندما قال نظام الإنقاذ إن هوية السودان عربية وإسلامية، وتبنى سُلطة مركزية تفرض هذا التوجه بالقوة" واستطرد قائلاً "إن التهميش لازم الحركة الشعبية حتى داخل القصر!!"، وهذا من أسباب نفور الجنوبيين من الوحدة، ويكتب صلاح شُعيب "إن الفهم الديني يقود السودان إلى الفناء"، ويوقع السيد/ محمد عثمان الميرغني- داعية الجمهورية الإسلامية في الستينيات- على مُقررات مؤتمر أسمرا للقضايا المصيرية التي تدعو إلى فصل الدين عن الدولة وجعل المواطنة معياراً وحيداً للحقوق والواجبات. ويكتب د. علي حمد إبراهيم (من حزب الأمة القومي) "حتى لا يكون البشير جورباتشوف السودان!".
 ويكاد أن يتفق كُل الكُتاب وقادة الرأي والفكر على سقوط المشروع الحضاري في مواجهة مشروع السودان الجديد، كما أن أي إتفاقية سلام أو دستور حزب أو برنامج تنموي أو ورقة بحثية أو توصيات ورشة عمل أو مؤتمر عن السودان، لا بُد أن تتضمن بنوداً ثابتة وأساسية تنُص على أن المواطنة هي معيار الحقوق والواجبات وأن إحترام التنوع بكافة أشكاله والتوزيع العادل للسلطة والثروة، أساس أي نظام لحُكم السودان، وصباح هذا اليوم (11/8/2010) قرأت في سودانايل طرح حزب الأمة-حركة الإصلاح والتجديد: المشروع الوطني الجديد لإعادة صياغة كيان سوداني موحد، ولولا أنني أعرف أن زعيم هذا الحزب، السيد/ مُبارك الفاضل المهدي، هو حفيد مؤسس أول دولة دينية في السودان، لظننت أن د. جون قرنق قد بُعث من قبره!، وبعد ده كلو تقولي "مشروع السودان الجديد وقع– وردلوب؟!".
  أما عن حديث بنجامين، أحد قادة الحركة الشعبية في لندن عام 1983، وقوله "دعكت أنف العرب ومسحت بهم الأرض"، فهو قولُ فسل وتعميم خاطئ وإعتداء لفظي غير مقبول، ولكني لا أعتقد أنك يادكتورة (وتقدمية كمان) تبني موقفك من قضية مبدأية كوحدة البلاد بناء على قول شخصٍ مغبون في لحظة إنفعال، وعموماً ما رأيك في العنف البدني والجسدي الذي مارسه العرب والمسلمون ضد السُكان الأصليين لإقليم السودان مُنذ أن وطئت قدم سعد بن عبدالله بن أبي السرح أرض السودان قبل أكثر من أربعة عشر قرناً، بل لماذا نغوص في الماضي البعيد (إتفاقية البُقط)، ودونك مُذكرة كرام المواطنين في 6 مارس 1925، والتي أوردها بالصفحة 363-364 الأستاذ/ محمد إبراهيم نٌُقُد (آي نٌُقُد ذاتو) في كتابه بعنوان: علاقات الرق في المجتمع السوداني، والتي جاء فيها "لهذه الأسباب نحث الحكومة أن تنظر بإهتمام في الحكمة من إصدار أوراق الحُرية دون تمييز" و "لا بُد أن الحكومة وموظفيها، قد لاحظوا خلال السنوات القليلة الماضية، أن أغلبية الأرقاء الذين اُعتقوا، أصبحوا لا يصلحون لأي عمل، إذ جنح النساء منهم نحو الدعارة، وأدمن الرجال الخمر والكسل". وكرام المواطنين هؤلاء ليسوا مواطنين عاديين أمثال بنجامين ومثلي ومثلِك، وإنما هُم زعماء أكبر ثلاثة طوائف دينية في السودان وأهل الحل والربط و(سياد الرقيق والحيشان الثلاثة) السادة/ علي الميرغني، والشريف يوسف الهندي، والإمام/ عبدالرحمن المهدي. وتلك كانت أول مرة يتفق فيها الأشراف الثلاثة على مسألة ما، ولم يغب مغزى هذا التوافق المُريب على فطنة مُدير المخابرات "فعلق وهو يرفع المُذكرة للسكرتيرين القضائي والإداري: "المُذكرة صيغت بعناية، وكانت حسبما أعلم محل مُناقشات مُستفيضة بينهم ... ومما يستلفت النظر حقاً، أن يكون هناك أي موضوع يتفق حوله الأعيان الثلاثة"- نُقُد، المصدر السابق ص 155.
ولقد كان من سمات كافة الدويلات الدينية في السودان (الفونج/سنار، التُركية أي الخلافة الإسلامية العُثمانية، المهدية، وأخيراً دولة الإنقاذ الجهادية، مُمارسة أقصى درجات العُنف اللفظي والجسدي ضد السُكان الأصليين (Indigenous)، يقول تاج السر عثمان (زميلك/ السر بابو) في كتابه تاريخ سلطنة الفونج الإجتماعي ص 98 " أما ثمن الجارية فخمسة وعشرون ريالاً، كما أن مُعظم تجار الرقيق يقومون بتأجير الجواري للبغاء وهذا شكَل مصدراً آخراً للأرباح، ومن أسوأ ما أنتجته تلك التجارة الملعونة (تجارة الرقيق) تلك العملية الوحشية التي تجعل الخصيان أشبه بالهياكل العظمية، وهذه العملية ترفع من ثمن العبد. الرقيق من الإناث "الجواري أو السراري" كُن يُعانين نوعين من الإضطهاد: إضطهادهن من خلال العمل المنزلي المُرهق والمُفسد للجسد والعقل معاً، ومن إضطهادهن كجنس حيث يُرغمن على المُضاجعة القسرية، وكان من ضمن الشيلة التي كانت تُقدم لأهل العروس جواري أو سراري (فرخات)" وطبعاً لا تزال أُغنية "دفع الفرخة للمشاطة" ترن في الآذان.
وأوافقك القول تماماً بأن هذا ماضي كريه أدانه الحزب في خطاب جرئ لعبد الخالق محجوب أمام مؤتمر المائدة المُستديرة في مارس 1965 حينما قال " وكنا نأمل لو شملت تلك التغييرات مفاهيم بعض إخواننا هُنا (يقصُد الجنوبيين)، الذين يسموننا أحفاد الزبير. ونحن نقول لهم بصراحة ووضوح: نعم، نحن أحفاد الزبير باشا، فنحن لا نتهرب من تاريخنا، ولكننا ننظُر إليه نظرة موضوعية ناقدة، وفي غير مرارة نستقي منه الدروس والعبر،،، إلى أن يقول.. فأحفاد الزبير يتغيرون ويتطورون وهُم يبنون السودان الحديث"-إنتهى.
ولكن (وآه من حروف الإستدراك) فبعد 35 عاماً من هذا الحديث الرائع أعلن أحفاد الزبير باشا، الجهاد على ثُلث مواطنيهم في جنوب البلاد وأطلقوا عصابات الجنجويد على الزُرقة في الغرب، وأقاموا مؤسسات حكومية رسمية لتقنين التمييز العرقي والديني فأنشأوا منظمة الشهيد ومؤسسة الجهاد وأقاموا أعراس الشُهداء، ولا يزال في الخرطوم شارعاً طويلاً عريضاً إسمه "شارع الزبير باشا"، بل وأضافوا إليه شوارع عددا (عبيد ختم وغيره). ولم يكتفوا بتهميش وتحقير الجنوبيين وحدهم بل أضافوا إليهم الغرابة "والشيوعيين كمان". ولا أريد أن أسترسل في هذا الحديث القبيح لأنه يُهيج الخواطر السالبة ويُثير أحط الغرائز.
ولقد أبديت إندهاشي وإستغرابي وإستنكاري لتساؤل نُقُد "الجنوبيين، عاوزين شنو"، لأن تعليق نُقُد (ولا أحد غيره) على حديث عبد الخالق أجاب إجابة شافية وببلاغة مُتناهية على تساؤله، إذ قال:
 "تجاوز الزمن رُبع قرن على هذه الفقرة المُشبعة برياح أكتوبر، وتفاقمت أزمة المجتمع السوداني عما عُرف وحُصر آنذاك في مُشكلة الجنوب لتصبح أزمة ومشكلة السودان بكُلياته: هويته، وحدته، نظام حُكمه، ثروته، ثقافته، مكانته في العالم المُعاصر.... وتراكمت على مخلفات الماضي، بكُل ثقلها، رواسب وإفرازات الأمس واليوم؛ في الحاضر اللئيم، وشمخ التحدي واستأسد. وبات على أبناء السودان أن يواجهوا التحدي بذات الشموخ والجسارة – أبناء السودان من حيث هُم كذلك: أحفاد الزبير وأحفاد من استرقهم الزبير، مواطنون سودانيون أُباة تجمعهم وتوحدهم مواطنة لا يحد منها ولا ينتقص فيها فارق عرق أو جنس أو دين، لا يستشعرون مذلة من إنكسار الرقيق، ولا مكرمة من زهو المالك، يعقدون خناصرهم لتحرير الإنسان السوداني من عُقده ورواسبه، يردون إغترابه الجسدي وإستلابه الروحي، يُصارعون حتى يصرعوا مخلفات الماضي في العنجهية وفي مُركب النقص، في المُباهاة بالحسب وفي الحقد والإنتقام المؤجل، في النسيان المُخدر المُريح، وفي الذاكرة القلقة الواخزة، في الإستعلاء وفي الإحتقار المكتوم، في الوقار المُنافق وفي الإستهتار الصلف، في الثقة الزائدة وفي الشك المُرتاب.
تلك مُهمة جيل، وجيل معطاء، يحمل الرسالة عن وعي بثقلها، لا ظلوماً ولا جهولاً:
"جيل العطاء لعزمنا حتماً يُذل المستحيل وننتصر،
وسنبدع الدُنيا الجديدة وفق ما نهوى
ونحمل عبْ أن نبني الحياة ونبتكر"
محمد المكي إبراهيم
فلا يتوهمن جيل العطاء أن مُهمة الإبداع سهلة، وطريق الإبتكار سالكة، إنها شُحنة من التوتر والعناء والفعل – الفعل الآمر الناجز في رؤى التيجاني يوسف بشير:
"فتخير وصف وصور رؤى الوحي***** وصُغ واصنع الوجود المُغاير"
(محمد إبراهيم نُقُد، الخرطوم أكتوبر 1993، ص 17-18: علاقات الرق في المجتمع السوداني).
وبسبب تحليل نُقُد المثالي البليغ تساءلت عن ما أصابه!!!، وبسبب عُمق خطاب الشهيد عبد الخالق، السابق، استشهدت بصفاء رؤيته، حتى وهو يعبر البرزخ الفاصل بين الحياة والموت ويقول بثبات أمام الطاغية الثمل (الذي يُريد البشير أن يُنشئ أكاديمية عُليا بإسمه- نميري) "نشر الوعي ما استطعت" فقد ذكر د. حسن الجزولي في سفره التوثيقي الثبت، "عُنف البادية ص 239-240"، (إستجوب نميري، عبد الخالق بفظاظة، عارضاً عليه بعض الوثائق، وقد حاول إستفزازه عدة مرات بأسئلة سخيفة وساذجة عن مأكله ومشربه وما إذا كان يتضمن "الكافيار" و"الفودكا"! أما حين سأله عما قدم للشعب والوطن، فإن عبد الخالق رماه بتلك الإجابة الشهيرة التي تناقلتها الصُحُف وأجهزة الإعلام العالمية في حينها، وجرى تداولها بشكل واسع في ما بعد "الوعي... الوعي بقدر ما استطعت"!!.
أما سبب إيرادي لمقطع زميلك/ محجوب شريف "العودو خاتي الشق*** ما قال وحاتك طق"، فأقراي يادكتورة ما خطه يراع زميلك د. حسن الجزولي في ذات الكتاب الآنف ص 309 "شهد المأمور عثمان عوض الله بأن "عبد الخالق ذهب إلى المشنقة بخُطى ثابتة وثياب أنيقة، لامع الحذاء، مُعطراً وباسماً كعريس"، وقال عنه الذين حضروا تلك اللحظة "لقد أدهش مُرافقيه وهو يخطو نحو المشنقة كعريس في ليلة دُخلته"! وحيا (شناق) سجن كوبر الجاويش/الخير مُرسال، حياه وهو يعتلي سُلم الموت، وسألة مُمازحاً "يازول حبلك ده قوي؟ أنا وزني تقيل"! وظل العم مُرسال يجهش بالبُكاء الحار، فيما بعد، كُلما استرجع تلك الكلمات!. وعلى حين أخذ البرق يلمع بشدة، والرعد يُدمدم بإرزام، والسماء تبكي مدراراً، إستشعر المأمور عثمان عوض الله حرجاً خاصاً من مغزى لهجته وهو يسأله- "ألا تود ترديد الشهادتين؟". فشع وجه عبد الخالق، في تلك اللحظة، بإبتسامة مُضيئة، وهو يُجيب: "إطمئن، لقد فعلت، بل وتوضأت فور صدور الحُكم وصليت ركعتين قبل ترحيلي إلى هُنا"!. ثُم .. دوى أزيز المشنقة!!!!. صباح الأربعاء 28 يوليو 1971، وكان عبد الخالق قد خلع دبلة الزواج الفضية من إصبعه ووضعها بهدوء على طاولة المأمور راجياً تسليمها لزوجته، كما وضع الرجل أيضاً على طاولة المأمور ماتبقى من علبة سجائره البنسون وولاعته،  وخلع ساعة يده من معصمه وأهداها لجُندي السجون الذي كان يقف خلفه. ثُم كان آخر طلباته، بعد الفراغ من إجراءات (الميزان) التي لا بُد منها (لسلامة) التنفيذ، ألا تُعصب عيناه في اللحظة الأخيرة!!!
أبعد كُل هذا تستكثرين عليً الإستشهاد بمآثر عبد الخالق وتقولين "يعني بالعربي البسيط حكاية خاتي القول-والشق والطق دي ما معانا!!". لأ، معانا ونُص وخمسة، فلولا مآثر عبد الخالق ورفاقه، وإسهاماته الفكرية الأصيلة التي سبقت ديمقراطية سلفادور الليندي البرلمانية وبروستوريكا جورباتشوف وسودان جون قرنق الجديد، لما وجدتم ما تُحاجون به غيركم في سوق عُكاظ السياسي السوداني (إذا إستثنينا كتابات الأستاذ/ كمال الجزولي، والأستاذ/ نُقُد- قبل خروجه من الإختباء).
ما كُنا نحسب أن مقالنا هذا سيتسطيل هكذا، ولكن الحديث ذو شجون، والقضايا المُثارة ذات أهمية إستثنائية؛ وأود أن أُعلق على قولك "إننا في الحزب لا نخشى النقد ونؤمن به إيماناً تاماً، ففي الفصل الثاني المادة 7 الرقم 3 – أن يكون النقد بناءً ومُفيداً للعضو وليس لهدم الذات أو قتل الشخصية – إنطلاقاً من أنه لا يوجد عضو بدون أخطاء أو نواقص أو فوق النقد مهما كان وضعه في الحزب".
يا سلام ده كلام زي السُكر، ولكن يا سيدتي الفاضلة، دساتير ولوائح منظماتنا السياسية وحكوماتنا، لا تنقُصها الصياغات الجميلة، وإنما يُفرغها من محتواها عدم التقيُد والعمل بها، ولن أتجنى على أحد إن قُلت إن زملائنا اليساريين عموماً بارعون في نقد الآخرين، ولكن إن دخل الكلام حوشهم فالويل ثُم الويل للمُجترئ، ويكون غضبهم مُضرياً ومُدمراً إن كان الناقد من داخل الحزب أو أحد أصدقائه، فهُم أشداء على بعضهم البعض رُفقاء بأعدائهم، وفي؛ الجنيد، والوسيلة، وشيبون، وصلاح أحمد إبراهيم، وأخيراً الخاتم عدلان، أمثلة تدحض كُل غُلاط.
ولعل الجحود الذي لاقاه هذا الأخير بالذات – الخاتم عدلان الذ ينطبق عليه مدح صناجة العرب – أبو الطيب المتنبي "الحازم اليقظ الأغر، العالم الفطن الألد، الأريحي الأروعا، الكاتب اللبق الخطيب، الواهب الندس اللبيب، الهبرزي المُصقعا"، خليفة عبد الخالق الذي أفنى عُمره القصير (1949-2005) في النضال مُنذ أن كان طالباً بالمرحلة الثانوية وحتى رحيله المأساوي، أبلغ تجسيد للثمن الفادح والإغتيال المعنوي والجحود والذم لمن يتجاسر على ممارسة نقد الحزب الشيوعي. فمُنذ أن طرح مُساهمته الفكرية الفريدة "آن أوان التغيير" والتي رفضتها قيادة الحزب في عام 1994، أصبح الخاتم منبوذاً وأغلقت في وجهه كُل أبواب النضال حتى في التجمع الوطني الديمقراطي الذي كتب ميثاقه بيده. وكُل ذنوب الخاتم أنه دعا إلى إصلاح وتغيير الحزب وتصويب علاقاته وتحالفاته، وقال "ربما يكون أهم العوامل في تشرذُم اليسار طبيعة البرنامج الذي طرحه الحزب الشيوعي السوداني والطريقة التي تعامل بها مع الجبهة الديمقراطية وسط الطُلاب وخاصةً بالجامعات السودانية والأجنبية". وأضاف بعد أن تعرض لتجربة التحالف الديمقراطي الذي نشأ بعد الإنتفاضة عام 1986 ومحاولة الشيوعيين الهيمنة عليه (كالعادة)"... وهكذا سيولد ميتاً أي تحالف جديد ينشأ في كنف مشروع الحزب الشيوعي الثُلاثي الشُعب (ويقصد المرحلة الوطنية الديمقراطية فالإشتراكية ثُم الشيوعية) الذي يلجأ إلى الوهم الخالص وهو بناء مُجتمع شيوعي بمواصفات ماركسية/لينينية في مستقبل لن يجئ، ليهزم به الحاضر بكُل مُمكناته وآفاقه الرحيبة".

عفواً سيداتي وسادتي، فقد أطلت وأثقلت عليكم ولكن دعوني أختتم مقالي (وأنا لست عضوا في حركة حق ولا في الحركة الشعبية) ببعث دعوة الخاتم الراقد في مثواه الأخير، الذي لا يبغي منصباً ولا يتطلع لكُرسي، والتي قالها قبل أكثر من ستة سنوات "إن النوازل الكبيرة هي المحصول الأساسي للإنقاذ، ولا أعتقد أن هُناك مُهدداً أكبر لبلادنا وأهلها من إستمرار نظام الإنقاذ الحالي، بمقدرته الأسطورية على صناعة الكارثة، ونظرة إلى ما يحدث الآن في دارفور، وما كان يحدث قبله في الجنوب، تكفي تماماً لإلقام المُعارضين لهذا الحُكم حجارة لا تتسع لها أفواههم. لذا ينبغي تكريس الفترة القادمة لإعداد البديل الديمقراطي لنظام الإنقاذ":
 وقال في خطابه إلى الدكتور/ جون قرنق، في 25/ أغسطس/2004:
 "على صعيد آخر، فإن قوى السودان الجديد تحتاج الآن، أكثر من أي لحظة اُخرى في تاريخها، أن توحد قواها وتُلم شملها، أن تبني على إنجازات إتفاقية السلام وأن تُصيغ برنامجاً شاملاً لمُستقبل البلاد في ظل النظام الديمقراطي القادم، هنا أيضاً فإن دور الحركة الشعبية لتحرير السودان في لم شمل هذه القوى هو دور ضروري لا يُمكن الإستغناء عنه، إننا ندعو الحركة الشعبية أن تضع هذه المُهمة في طليعة أولوياتها، وأن تدعو هذه القوى بتنوعها السياسي والثقافي والإثني الذاخر، إلى مؤتمر قومي لتعريف وتوضيح أفضل الطُرق لتعاونها ووحدتها. إن مؤتمراً كهذا، تحضره المنظمات والشخصيات المُلتزمة بمبادئ ورؤية السودان الجديد سيكون منبراً مُناسباً لبعضهم للإنتماء التنظيمي للحركة الشعبية لتحرير السودان، ويسمح لآخرين بأن يستكشفوا الطُرق المُناسبة والمرنة للعمل المُشترك معها. وفوق ذلك كله، فإنه سيسمح للحركة الشعبية ذاتها بالتحول إلى ذلك التنظيم القومي الذي طالما تطلعت أن تكونه، ليس في برنامجها، حيث أنها أكثر قومية من أي تنظيم سوداني آخر في هذا المضمار، ولكن في نفوذها السياسي وفي تمثيلها الحقيقي لأوسع قطاعات الشعب السوداني"*.
*- مقالات مُختارة ما المنفى وما هو الوطن؟؟؛ الخاتم عدلان- منشورات مدارك ومركز الخاتم عدلان للإستنارة؛ إعداد وتقديم د. الباقر العفيف.  

لم يكن مُرسل هذا الخطاب (الخاتم) يعلم أنه سوف يُغادر دُنيانا الفانية بعد بضعة شهور (الجمعة 23 مارس 2005) وأن المُرسل إليه (جون قرنق) سوف يلحق به بعد ثلاثة أشهر وسبعة أيام فقط (30/يوليو/2005)، فيا لتعاسة الشعب السوداني، فقد رحلوا مثل أبطال الأساطير التراجيدية الكُبرى، وكأني بهم يتمثلون قول من سبقهم- صلاح أحمد إبراهيم، في خريدته الخالدة "نحنُ والردى"- (آخر العُمر طويلُ أم قصير،،،، كفنُ من طرف السوق وشبرُ في المقابر).  
وجرت بعد الرحيل الفاجع، مياهاً كثيرة تحت الجسر، وقوي تيار الإنفصال في الحركة الشعبية، وأصبحت وحدة البلاد حُلماً من أحلام إبليس في الجنة، وأضحت الوحدة الجاذبة فريةً كاذبة طاردة، بالرغم من نفرة الرياء في الزمن بدل الضائع، والتي تُلحق الإساءة بالأذى في تعاملها الفج المُسطح مع الجنوبيين غافلين أو مُتغافلين أن من ضحى بأكثر من إثنين مليون شهيد (مُش فطيس كما قال عراب ومأذون أعراس الشُهداء) ليس على إستعداد للتوحد مع جلاده ومن جاهد ضده، ولذا لم يعد من داع لتضييع الوقت والمال، فطالما ظل المؤتمر الوطني قابضاً على السُلطة وطالما ظل أُمراء الجهاد والدبابين في القصر الجمهوري يديرون شئون البلاد والعباد، فلا بارقة أمل في الوحدة ولو رصفوا كافة طُرق الجنوب بالذهب والفضة وليس بالأسفلت.
ومع ذلك، وفوق كُل ذلك فلا مناص من وحدة قوى السودان الجديد للحفاظ على ما تبقى، ولكن بشرط إستيعاب وإستصحاب كُل التجارب المُحبطة والجهود المُجهضة، فالذي لا يقتُلني يُقويني.
وكُل سنة وأنتم بخير وتصوموا وتفطروا دون همِ جديد (فيا بخت من نام وأصبح على همه القديم)، وآخر دعوانا: اللهُم لا نسألك رد القضاء ولكن نسألك اللُطف فيه.