عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

 

أوردنا في الجزء الأول من هذا المقال، الأدلة التي تُثبت عدم حيادية وقلة حيلة وسطاء منبر الدوحة (دولة قطر وباسولي) ومع كُل ماتقدم من سلبيات بالإضافة إلى الإتهامات التي توجه بغير قليل من التحامل إلى حركة التحرير والعدالة برئاسة د. السيسي، إلا أن المنبر على حشفه وسوء كيله لا يخلو من إيجابيات، يأتي على ذروتها مُشاركة المجتمع المدني الدارفوري (ولو على إستحياء وإنتقاء) في البحث عن مخرج من ورطة دارفور. كذلك من إيجابيات إشتراك أو إشراك حركة التحرير والعدالة إنصات الحكومة (ولو جاء متأخراً ولغرض في نفس يعقوب) لصوت من لا يحمل السلاح، رغم القناعة الراسخة لدى الجميع بأن حكومة الإنقاذ إنما تفعل ذلك من باب العلاقات العامة والمكايدات والمناورات الصغيرة في قضايا كبيرة، وسياسة شراء الوقت وتأجيل القضايا حتى تصل مرحلة الإنسداد، وذلك لإدمانها لعبة تمزيق المُعارضة وخاصة القوى الدارفورية (مدنية كانت أم عسكرية)، غير مُتعظة من تجربة أبوجا ومناوي وغيرها من الإتفاقيات الجُزئية التي تضُر ولا تنفع. وفي هذا يقول القائلون إن الحكومة قضت وطرها من محادثات الدوحة لحظة توقيع الإتفاق الإطاري مع حركة العدل والمساواة (خليل) مما سمح بإجراء الإنتخابات أو تزوير إرادة أهل دارفور والشعب السوداني كُله، إن شئت الحق. 

لتعزيز الإيجابيات لا بُد لحركة التحرير والعدالة أن تلتزم بالآتي:

-      أن تتحاور فقط في القضايا التي تخص المُجتمع المدني (قضايا النازحين والمُهجرين) من حفر للآبار وبناء للمُستشفيات وتوفير للقُمة العيش،،، إلخ. وعدم دس أنفها في القضايا العسكرية، إذ ينطبق عليها تماماً القول (لا خيل عندك تهديها ولا مال،، إلخ)، ويا حبذا لو أعلن د. السيسي زهده في أي منصب دستوري لن يُضيف إليه أي جديد، واكتفى بموقع تنفيذي في دارفور (كرئاسة هيئة الإعمار) يستطيع من خلاله أن يخدم وطنه (الكبير والصغير) بطريقة أفضل، فتجربة النائب الأول لرئيس الجمهورية وكبير المُساعدين (وتهميشهما رغم أنف هذه المناصب الرنانة) أثبتت أن العبرة بالأفعال وليس بالألقاب .

-      بما أن حركة التحرير والعدالة في جوهرها ليست سوى تجمع مدني (وهذا لا ينتقص من قدرها، بل العكس)، إلا أن عليها إثبات تفويض النازحين والمُهاجرين وتوكيلهم لها بالتحدث والتفاوض نيابة عنهم، ولا سبيل إلى ذلك سوى أن يُيمَم قادتها وعلى رأسهم د. السيسي وجوههم شطر مُعسكرات كلمة وأبوشوك، والإكتواء بهجير الحر وزمهرير الشتاء في أصقاع دارفور، وإفحامنا (بالبيان بالعمل) أنهم مفوضون من قبل المُجتمع الدارفوري، وإلا فلن يكون حالهم أفضل من حال عبد الواحد المتهم بالنضال من الفنادق الباريسية فئة الخمسة نجوم، وإن لم يفعلوا يحق لخليل القول بأنه الفيل ولا معنى للطعن في الظل، فأهل دارفور أصبحوا كالأيتام على موائد اللئام، الكُل يدعي تمثيلهم (حتى كِبر ومسار!!!).

-      على د. السيسي وحركته، الإستفادة من تجربة نيفاشا وتلافي سلبياتها (التي نراها الآن رؤيا العين المُجردة) والإصرار على إشراك بقية القوى السياسية السودانية، إشراكاً فعلياً وليس بصفة مُراقبين، إن كانوا مُقتنعين فعلاً بمايرددونه ويردده معهم الجميع بأن أزمة دارفور جزء من كُل الأزمة السودانية، ويكمن علاجها في التوافق على اُسس ومبادئ بناء أُمة سودانية متنوعة المنابت ومتعددة الأصول، ولذا لا معنى للتجزئة وسياسة القطاعي، وتكرار الأخطاء كأننا من سُلالة آل البوربون. 

-      ثمة مسألة، تتعلق بالضمانات وطريقة تنفيذ الإتفاقية. فالتجارب الماضية أثبتت أن السودانيين أصبحوا خُبراء في عقد المفاوضات والوساطات، وصياغة الإتفاقيات والتوقيع عليها، وعلى سبيل المثال لا الحصر (جيبوتي، القاهرة، أبوجا، نيفاشا، انجمينا، طرابلس، فرانكفورت، كنانة، التراضي الوطني، الوفاق ،،، إلخ)، ولكن التطبيق العملي قد يؤدي (رغم كُل الحرص والضمانات والكلام المعسول) إلى النقيض تماماً مما هدفت إليه تلك الإتفاقيات، ولديكم دليل نيفاشا ووحدتها الجاذبة التي إنتهت إلى إنفصال، وتحولها الديمقراطي الذي أفضى إلى إستمرار الكنكشة !!. ثُم هل من تبرير لرفض الحكومة لوثيقة هايدلبيرغ بالرغم من أنها شاركت في إعدادها وانتدبت لذلك أفضل مُفكريها المُعتدلين، وأشادت بالوثيقة، ثُم رفضتها (ضربة لازب) في الدوحة !. ولئن كانت الحكومة ترفض هذه الوثيقة وتنكث غزلها بيدها، فعلى ماذا، ولماذا تتفاوض مع السيسي وغيره؟؟.

هذا بشأن الوساطة وطرفيها حالياً (الحكومة، والتحرير والعدالة)، أما الرافض/ عبد الواحد، فلا يزال يُصر على أن يضع العربة أمام الحصان ويتقدم بمطالب إن وافقت عليها الحكومة يكون لا داعي للتفاوض بعد ذلك. وقد حملت الأنباء مؤخراً إنه ربما ينضم إلى المفاوضات لاحقاً. ونأتي إلى خليل الذي قبل التفاوض قُبيل الإنتخابات وارتكب خطأ إستراتيجياً بالتوقيع على الإتفاق الإطاري وهو يعلم إن الحكومة إنما كانت تهدف فقط إلى التمكن من عرض مسرحية الإنتخابات، وبمجرد أن تم لها ما أرادت قلبت له ظهر المجن، بل وطالبت بالقبض عليه عبر الشُرطة الدولية (الإنتربول)، ثُم طالبت ليبيا بمنعه من مُمارسة أي نشاط سياسي، في الوقت الذي تدعوه فيه إلى الذهاب إلى الدوحة للتفاوض معها، كأنما عملية التفاوض ليست ذروة مُمارسة النشاط السياسي، ولكن ماذا نقول في أحاجي وألغاز وتناقضات الإنقاذ!!!!.

وبعد أن غدر به إبن خالته، وجد زعيم العدل والمساواة ملاذاً آمناً لدى ملك ملوك إفريقيا، فطالب بمنبر جديد للتفاوض يكو ن قريباً من تواجد قواته، أي أنه يقترح طرابلس رداً وعرفاناً للجميل؛ ولا أعتقد أن قيادة حركة العدل والمساواة لم تع درس ديبي في مطار انجمينا، وتنأى بنفسها عن التنافس والإستقطاب الإقليمي، فالقذافي لن يكون أرأف بهم من إبن خالتهم الزغاوي/ إدريس ديبي، عند أول خلاف أو تقاطع مصالح. ولذلك فإن أي دولة لها حدود مُشتركة ومصالح مُباشرة مع السودان لا تصلح أن تكون وسيطاً مُحايداً، إضافة إلى أن عملية التفاوض أصبحت علماً وتخصصاً يُدرس في الجامعات ومراكز الدراسات وتُعد بشأنه الإطروحات العلمية العُليا (وليس منظرة وتبويس لحي)، ولعله من نافلة القول أن معظم الدول العربية والإفريقية لا تمتلك المؤهلات اللازمة لإدارة ملف مفاوضات مُعقدة كالأزمة السودانية.

نأتي إلى بيت القصيد ولُب هذا المقال، خاصةً بعد أن أدرك الجميع أن منبر الدوحة استنفد أغراضه ولم يعد لديه ما يقدمه (وقد أقر بذلك مسئول ملف دارفور د. غازي صلاح الدين)، فنقول إبتداءً أن حل أزمة دارفور في أيدي السودانيين أنفسهم، ولولا سوء إدارة الحُكم (Bad governance) المقرون بضيق الأُفق وسيطرة العقلية الأمنية، لما أصبحت دارفور مسرح أسوأ كارثة إنسانية في الألفية الثالثة، فبوادر الأزمة لاحت قبل أكثر من رُبع قرن وكانت مجاعة عقد الثمانينيات جرس إنذارها الأول، ولم تُحسن سُلطة الإنقاذ إدارة المتُغير البيئي المقرون بالشكوى والتظلم، وبكل غباء وإستعلاء حولت مُشكلة دارفور من مُشكلة عادية إلى صراع سياسي وقبلي وعنصري، وإنحازت بالمكشوف إلى أحد طرفي النزاع، تماماً كما حولت حرب الجنوب من إحتجاج مطلبي مُسلح، إلى حرب دينية (الجهاد)، فالجنجويد وكتائب الجهاد وجهان لعُملة واحدة (الدفاع الشعبي).

عموماً، فإن كان لا بُد من وسيط دولي أو إقليمي، فليس هنالك من هو أقدر وأصلح من جنوب إفريقيا، ورئيس جمهوريتها الأسبق- رئيس لجنة حُكماء إفريقيا/ تابو امبيكي. وإليكم بإقتضاب وإيجاز الحيثيات التي تُعزز مقترحنا:

-      أسلفنا القول بأن الدول المجاورة جغرافياً للسودان لا تصلح أن تكون وسيطاً مُحايداً، وذلك لأن لها مصالح بحُكم الجوار، فالتداخل والحراك القبلي والإقتصادي والإجتماعي،، إلخ، يؤدي بلا شك إلى تضارب في المصالح (Conflict of interests) وجنوب إفريقيا البعيدة جُغرافياً، بمنأى عن هذا.

-      تاريخ جنوب إفريقيا القريب وما شابه من تمييز عُنصري وإستعلاء عرقي، يتطابق في كثير من الوجوه مع مايحدث في دارفور، وهُنا يمكن الإستماع إلى قيادتها الكاريزمية الأسطورة/ نلسون مانديلا، والإستفادة من خبرته ونصائحه.

-      لجنوب إفريقيا تجارب ناجحة جداً في تسوية النزاعات الإفريقية (الكونغو الديمقراطية، سيراليون، ليبريا، ساجل العاج، زيمبابوي ،،، إلخ)، كما أنها لعبت دوراً حيوياً في إتفاقية نيفاشا وترأس حالياً لجنة إعادة إعمار جنوب السودان، وتقوم بتأهيل كوادر الخدمة المدنية لحكومة الجنوب، بالإضافة إلى دورها في لجنة حدود أبيي (عضو اللجنة ، الخبير الدستوري، بروفيسور/ شادراك غوتو، مدير مركز دراسات نهضة إفريقيا- CASRS). 

-      جنوب إفريقيا مقر لمبادرة النيباد (برنامج الشراكة الجديدة لتنمية إفريقيا-NEPAD) والآلية الإفريقية للرقابة المتبادلة (African Peer Review Mechanism-APRM) والبرلمان الإفريقي (PAP)، ومن ضمن الأهداف الأساسية لهذه المؤسسات الإقليمية، تسوية النزاعات على أُسس علمية وترسيخ مبادئ الديمقراطية وحقوق الإنسان والحُكم الرشيد والعدالة، وشعارها "إيجاد حلول إفريقية لمشاكل إفريقيا"، وهذه فرصة سانحة للإستفادة من القُدرات والإمكانيات والموارد البشرية والمالية الضخمة لهذه المؤسسات.

-      كذلك فإن جنوب إفريقيا تضُم عدداً كبيراً من مراكز الدراسات المتخصصة في مسائل النزاعات، منها على سبيل المثال (معهد الدراسات الأمنية-ISS، معهد الدراسات العرقية-RRS، معهد تعزيز الديمقراطية في إفريقيا-IDEA ،،، إلخ)، وقد قامت كُل هذه المعاهد بإعداد دراسات رصينة وعقدت ورش عمل وسمنارات عديدة عن مُشكلتي دارفور وجنوب السودان، ولديها تصور واضح لكيفية علاج وتسوية النزاعات الإفريقي وخاصة السودان. ولعل قيام معهد تعزيز الديمقراطية (IDEA) بتنفيذ برنامج تدريب مُكثف لأحزابنا السياسية الخمسة الكُبرى، وتنظيم جامعة جنوب إفريقيا (يونيسا-UNISA) لمؤتمر سنوي عن السودان "مؤتمر دراسات السودان" الذي عقد آخر دورة له في نوفمبر الماضي وشارك فيه عدد كبير من الأكاديميين السودانيين من كافة ألوان الطيف السياسي من داخل وخارج السودان، أبرز دليل على ما نزعم.  

-      تظل مسألة العدالة والإنصاف (أو بالأحرى غيابهما) من أهم عوامل أزمة دارفور، ولجنوب إفريقيا تجربة رائدة وناجحة في هذا المضمار، وأعني لجنة الحقيقة والمصالحة (TRC) برئاسة القس، الحائز على جائزة نوبل للسلام/ ديزموند توتو، التي أنجزت عملاً ممتازاً في تبرئة الجراح ورتق النسيج الإجتماعي (العفو والعافية)، وما أحوجنا لتُراثها الضخم الموثق بالصوت والصورة.

-      من ضمن المسائل المستعصية التي واجهتها جنوب إفريقيا الديمقراطية، مسألة حيازة الأراضي وكيفية إعمال مبدأ "لا ضرر ولا ضرار"، وتطبق حالياً برنامجاً للإصلاح الزراعي وإدارة المراعي وتنظيم الإستخدام الجماعي والمجتمعي للأراضي العامة. فقضية الحواكير والمسارات ليست ببعيدة عن هذه المسألة.

-      لا جدال أن العامل البيئي يُشكل جذر أزمة دارفور، وجنوب إفريقيا بها المركز العلمي الوحيد في إفريقيا المتخصص في دراسات الإقتصاد البيئي (CEEPA) التابع لجامعة بريتوريا، ويستطيع أن يُقدم معالجة علمية لمسألة التدهور البيئي في دارفور والسودان عامة . 

-      قُلنا سلفاً أن رجل الدولة المُفكر/ تابو امبيكي، مُكلف حالياً من قبل الإتحاد الإفريقي بشأن مسألة دارفور، وقد قام بعمل جليل في هذا الصدد متبعاً نهجاً علمياً دقيقاً ومُستعيناً بخبرات سودانية مرموقة (د. فرانسيس دينق، د. عبدالوهاب الأفندي، د. عبدالله حمدوك) وغيرهم. ومن يطلع على تقريره للإتحاد الإفريقي والحكومة السودانية وأطراف النزاع، يُدرك أن الحل في مُكنة الأيدي إن صدقت وخلُصت النوايا. وكل المطلوب هو إعفاء باسولي (مع الشُكر) وتكليف امبيكي (إذ لا معنى لتعدد وسطاء الإتحاد الإفريقي)، وبما أن إختيار الدوحة منبراً تم بإعتبارها مُبادرة إفريقية/عربية مُشتركة، فلا حساسية في تحويل إجتماعات المنبر من الدوحة إلى جنوب إفريقيا.

-      كُل المراكز البحثية والمعاهد العلمية والمؤسسات الإقليمية الموجودة في جنوب إفريقيا، والتي ذكرناها أعلاه، بها عُلماء وتكنوقراط سودانيين لن يبخلوا بخبراتهم النادرة والمتجردة عن الهوى، من أجل مصلحة وطنهم.

آمل وأتعشم أن يُنظر لهذا المُقترح بالجدية اللازمة، والله والوطن من وراء القصد.

 

فكرة أخيرة:

تخيلوا الحال؛ لو تم حفر 1000 (ألف) بئر مياه بتكلفة  10,000 دولار للبئر (إجمالي 10 مليون دولار)، وبناء 100 (مائة) مدرسة بتكلفة 50,000 دولار للمدرسة (إجمالي 5 مليون دولار)، و 100 (مائة) مركز صحي بتكلفة 50,000 دولار للمركز (إجمالي 5 مليون دولار)، ونثر ونشر بذور أعلاف مُحسنة (بالطائرات) قبل فصل الخريف (لن تُكلف أكثر من مليون دولار)، في ربوع ووديان دارفور، بدلاً عن قصفها بالطائرات والراجمات. علماً بأن التكلفة الكُلية لهذه المشاريع لا تتجاوز 20 مليون دولار، أي اثنين في المائة (2%) فقط من مبلغ المليار دولار الذي وعدت به دولة قطر.؟؟؟.