عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

تتسم الساحة الفكرية والسياسية (وحتى الإجتماعية) في السودان بثلاث سمات سالبة لا تُخطئها العين، أولها شيوع نظرية المؤامرة فكُل مُشكلة لدينا لا بد أن وراءها مؤامرة ما من نسج الآخرين، فمُشكلة الجنوب في يقيننا الجازم قُنبلة موقوتة صنعها الإستعمار بتشريعه لقانون المناطق المقفولة (الذي لم يُطبق فعلياً سوى لبضع سنوات، وأُلغي قبل أكثر من سبعين عاماً)، وأزمة دارفور من صُنع إسرائيل والغرب السياسي،،، والخلاف على الكُرسي الأول بين التُرابي وصنيعته البشير كيدُ وتآمر جبهوي، وبروز حركة التحرير والعدالة بزعامة د. السيسي مؤامرة مُدبرة بليل بهيم،، وهكذا وهكذا. فالركون إلى نظرية المؤامرة يُعفي المرء من إعمال الذهن والغوص في جذور ومُسببات الأزمة.

أما السمة الثانية فهي إصدار الأحكام الإنطباعية والتصنيفية (Stereotype) والمُسارعة إلى إطلاق الإتهامات والشتائم ذات العيار الثقيل ومحاولة إغتيال شخصية كُل من أرتأى رأياً مُغايراً، وخلط الذاتي بالموضوعي، والشخصي بالعام، ولهذا ينحو الخلاف سريعاً إلى التجريح والردحي (أنظر إلى قاموس شتائم المثقفاتية المُدهش في خلافات "المرحومين" صلاح أحمد إبراهيم/ عُمر مُصطفى المكي، الطيب مُصطفى/وآخرين، عادل الباز/البُشرى، عبدالله علي إبراهيم/منصور خالد، وأخيراً أحاديث قلة الأدب بين البطل/أبوسن، إلخ إلخ)، وجرياً على هذه السُنة القبيحة سارع الكثيرون إلى إطلاق ألقاب وتشبيهات التحقير على د. السيسي على شاكلة نعته بـ: كرزاي، الجلبي، حصان طروادة، الإنتهازي الباحث عن المنصب والجاه، واللاهث وراء المرعى الأكثر إخضراراً،، إلخ، لمجرد أنه فكر في مسار آخر يقبل الخطأ كما قد يقبل الصواب (ولم يخطر على ذهن أحدهم أن يُشبهه بغاندي أو مانديلا أو حتى البرادعي، مثلاً!!!).

وتتمثل السمة الثالثة في المُكابرة وعدم إعمال فضيلة نقد الذات ولوم النفس الأمارة بالسوء وما يستتبع ذلك بالضرورة من إعتذار عن الخطأ، لأن في خويصة عامتنا وخاصتنا على السواء، أن الإعتذار دليل خور وضعف!!!!.

ترددت كثيراً في الكتابة عن موقف د. السيسي ومفاوضات الدوحة، خوفاً من الوقوع في شراك الموبقات الثلاثة أعلاه، ثُم إن السيسي صديق تشرفت بمعرفته قبل سنوات قلائل في جنوب إفريقيا، إذ التقيته مُصادفةً في ردهات البرلمان الإفريقي وهو يجتهد لإستقطاب الدعم لقضية دارفور وعرضها في المحافل الإقليمية والدولية، ثُم التقينا بعد ذلك أكثر من مرة، وفي آخر لقاءٍ لنا على إنفراد لساعات عديدة تبادلنا بعض الأفكار عن الأزمات السودانية ودارفور تحديداً وظللنا نتبادل الرسائل الإسفيرية بإنتظام (وقد أرسل لي قبل أكثر من عامين دراسته العلمية القيمة عن جذور نزاع دارفور ودور المجتمع المدني في تسويتها، بعد أن أرسلت له موجز دراسة لي بعنوان "دارفور بين سندان الطبيعة ومطرقة البشر" نشرتها صحيفتا سودانايل وأجراس الحُرية مؤخراً)، وقد وجهت إليه في ذاك اللقاء الأخير المطول سؤالاً مُباشراً عن سبب غيابه المُحير عن منابر قضية دارفور التي يعرفها أرضاً وبشراً وموارداً معرفة لا جهالة بعدها، وذلك لعلمي بأنه مسكون بأرق المحنة وقابض على جمر المأساة؛ ومع أن (المجالس أمانات) كما يقولون، إلا أنني أقول أنه وبعد آهة عميقة، نفى نفياً قاطعاً ما يظنه البعض إبتعاداً، وأكد أنه غارق إلى أذنيه في لُجة دارفور ولكن بأسلوب مغاير لأسلوب البندقية وبعيداً عن صخب الإعلام، وهو أسلوب ربما اقتضته (إضافة إلى هدوئه الطبعي ونفوره من العُنف) شروط العمل بالمؤسسة الدولية المتُعاقد معها حينذاك (البعثة الإقتصادية للأُمم المتحدة في إفريقيا- UNECA).

عفواً على هذه التقدُمة الطويلة والتي أُردت منها؛ التأكيد على معرفتي بمواقف الشخص موضوع المقال، والتدليل على أنه ليس مُجرد باحث عن منصب أو وظيفة (كما شاع ويُشاع)، فهو كان والياً على دارفور الكُبرى (بولاياتها الثلاث) قبل أكثر من رُبع قرن، إضافة إلى أن الوظيفة المرموقة بالأمم المتحدة ربما كانت أكثر بريقاً وفائدة مادية ومعنوية من منصب مُساعد حلة (حسب تعبير مناوي) لرئيس تحوطه الإتهامات الغليظة من تزوير وتدمير وتدليس إحاطة السوار بالمعصم. ومع ذلك، ففي تقديري إن د. التيجاني نظر إلى مُعاناة أهله في دارفور، ففكر وقدر وأجتهد وتوجه صوب الدوحة، ولكنه أخطأ خطأً كبيراً في تقديره ولم يحالفه الفلاح في إجتهاده، وذلك للأسباب التالية:-

- أولاً؛ عدم حيادية وقلة كفاءة الوساطة:

مع التقدير التام لدولة قطر إلا أنها ليست أفضل من يصلح للوساطة في قضية بحجم وتعقيد أزمات السودان، والتي تعتبر أزمة دارفور إحدى تجلياتها، ولأهلنا في دارفور مثالاً بليغاً يقول "ألمي حار ولا لعب قعونج"، ثم إن رفض دولة قطر المُعلن لقرار المحكمة الجنائية الدولية، يعني أنها لا ترى أن هُنالك جرائم أُرتكبت في دارفور، مع أن رئيس النظام بذاته إعترف بها في مؤتمر صحفي دولي شهده الجميع، ومنطق الأشياء يقول طالما أن هُنالك جرائم فلابد أن يكون هنالك فاعل (والرئيس مسئول بُحكم منصبه ومُطالب بإحقاق العدل) وبالتالي كان عليه مُحاسبة مرءوسيه (هارون وكوشيب؛ مثالاً وليس حصراً) حسبما أوصى القضاء السوداني مُمثلاً في لجنة رئيس القضاء الأسبق مولانا/ دفع الله الحاج يوسف، ولكن هذا الرئيس المسئول لم يكتف بالتستر على المتهمين، بل أسبغ على المُتهمين حمايته وشملهم بحصانته، بدلاً عن التعاون مع القضاء المحلي إبتداءً، والعدالة الدولية إنتهاءً.

إضافة إلى هذا الموقف المُنحاز لدولة قطر، فقد صرح وزير الدولة القطري في الجلسة الأخيرة لجولة مفاوضات الدوحة الأخيرة (07 يونيو 2010)، بـ "أن أهل دارفور إختاروا مُمثليهم عبر الإنتخابات"، وهذا التصريح لوحده "دعك عن غيره" كافٍ تماماً لنسف الوساطة من أساسها وتشتيتها شذر مذر، وكان الأجدر والأجدى والأصوب للسيسي ورفاقه بعد سماع هذا التصريح، لملمة أوراقهم والإنصراف والقول للوسطاء بكُل هدوء "لماذا تتفاوضون معنا، طالما لديكم مُمثلين مُنتخبين؟؟".

النقطة السالبة الثالثة في الوساطة القطرية ودون مُجاملة أو مُحاباة، أن قطر لا تمتلك خبرةً كافيةً أو تجارب سابقة في مجال المُشاركة في السُلطة والثروة (والتي تعني ببساطة ديمقراطية الحُكم)، ولاعلم لها بتعقيدات توزيع الأراضي (الحواكير) والمسارات،، إلخ. وليست لها تجربة في مسائل العدالة والمُصالحة وإبراء الجراح، ولا نريد أن نُسهب في الشرح والتوضيح فاللبيب بالإشارة يفهم. وهذا لا يعني أن قطر ليس لديها ما تُقدمه، فهي تملك المال (وهو شرط لازم لمن يتصدى للقيام بمهمة الجودية، حتى بين الأزواج) ولربما كان الوعد بالتبرع بمليار دولار، السبب الوحيد لإستمرار منبر الدوحة بعد إنفضاض سامر المُعارضين والمفاوضين الأساسيين.

كذلك فإن القضية أكبر من قامة الوسيط الدولي المُشترك للإتحاد الإفريقي والأمم المتحدة/ جبرائيل باسولي، وبحسب المعلومات القيمة التي نشرها بصحيفة سودانايل الإلكترونية، الكاتب/ ثروت قاسم، التي أشار فيها إلى الخلفية الشمولية (السياسية والعسكرية) لباسولي وعدم معرفته باللغة الإنجليزية (وطبعاً العربية)، وأنه من سدنة النظام الشمولي في بلاده، وقد أفصح باسولي عن قلة بضاعته التفاوضية حينما حاول إرغام خليل إبراهيم في مطار إنجمينا على التوجه للدوحة، ولعُمري لم أسمع بوسيط يُجبر أطراف نزاع، على التفاوض بل ومحاولة إرغامهم على قبول رؤيته للحل. ألا يتشابه هذا الموقف مع تصريح الرئيس البشير الأخير "سنرغمهم على السلام، والماعاوز الدوحة يقابلنا في الخلاء أوالغابة!!!" (دي مفاوضات سلمية ولا كسر رقبة؟)!!!.

ثانياً؛ ضعف الموقف التفاوضي لحركة التحرير والعدالة ورئيسها د. التيجاني محمد أتيم السيسي:

من نافلة القول أن حركة التحرير والعدالة ليست لديها قوات عسكرية يؤبه لها على الأرض، ولذا ففي أفضل الأحوال يتم التعامل معها كتجمع هيئات أو كيانات مُجتمع مدني، وبالتالي فلا معنى لأن تطرح ملفات قضايا لا تملك فيها حلاً ولا ربطاً، مثل ملف الترتيبات الأمنية (وقف إطلاق النار وإستيعاب المُقاتلين،،،، إلخ). ثُم ما معنى أن تعتقد حركة التحرير والعدالة أن المُشاركة في السُلطة تنحصر في تعيين 15 وزيراً مركزياً و4 مُستشارين،،، إلخ وغيرها من المطالب المُضحكة (على طريقة سماسرة دلالة العربات ولجاجة شبه العاطلين بسوق الماشية)، ومن قال أن المُشاركة في الثروة تعني تحديد حصص معلومة في عائدات تصدير الثروة الحيوانية والتمباك والصمغ والجلود والنحاس،، إلخ. ففي تقديرنا أن المُشاركة في السُلطة تعني إنتهاج سبيل للحُكم يضمن مُشاركة عامة الشعب (جماهير الرُعاة والزراع والغُبش المهمشين القرفانين) في عملية صُنع القرار، أما الإقتسام العادل للثروة (بعد إيجادها إبتداءً) فلا يعني سوى تغيير نمط وأساليب وعلاقات الإنتاج ليكون العائد موزعاً بطريقة عادلة يستفيد منها المُنتج أولاً، ثُم من بعده الوسطاء والسماسرة (وأساطين سوق المواسير)، ثُم أخيراً، هل يحتاج التيجاني إلى تذكيره بالحكمة الدارفورية "دلقون في فاشر ولا عندو راي".

نكتفي بهذا القدر من المقال وفي الجزء الثاني القادم منه نتحدث عن رؤية نظام الإنقاذ للمفاوضات، وعن إيجابيات إشراك حركة العدالة والتحرير (بزعامة د. السيسي)، وعن خليل وعبد الواحد، وعن المنبر الأمثل لمفاوضات تسوية أزمة دارفور/السودان، والذي بلا شك ليس الدوحة (كما ترغب الحكومة) وليس طرابلس (كما يرغب خليل) وليس إنجمينا أو أبوجا، أو القاهرة كما يدعو هاني رسلان.

وموعدنا الجزء الثاني من المقال، وحتى نلتقيكم بإذن الله؛ السلام على من اتبع الهُدى وخشي الرحمن بالغيب وقال "إني أخاف الله".

تخريمة "يامولانا آه من غُلبك،، ومن النارو حرقت حزبك":

من أمثالنا الشعبية أيضاً "البيباري الجداد بوديهو الكوشة"، وبعد فضيحة طلب حزب مولانا المُشاركة في الحكومة (التي شكك الحزب الأصل في شرعيتها) ورفض طلبه؛ نأمل أن يكون مولانا قد وجد الإجابة على تساؤله عن إختفاء الجماهير التي استقبلته في كسلا، فتلك الجماهير يامولانا لم يبتلعها القاش وإنما أحبطها وفرق شملها عدم المصداقية وسياسة "عصاية نايمة وعصاية قايمة".