(إختلال المعيار وسوء الإختيار في فوضى الإستوزار)

 

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

 

قال الرئيس البشير في أول إجتماع لحكومته الجديدة (إن التحدي الأكبر الذي يواجه الحكومة يتمثل في الوصول إلى وحدة طوعية، والحفاظ على وحدة البلاد عبر التعبير الحُر لأبناء الجنوب)، وجاء في الخبر أعلاه (ركز الوزراء في مُداخلاتهم على تأكيد الإلتزام الصارم بتنفيذ البرنامج المتفق عليه والعمل الجاد لتحقيق الوحدة الطوعية).

وهذا القول يعني أن العمل من أجل الوحدة يُعد أحد مرتكزات برنامج الحكومة الجديدة، وتوجيهاً لازماً يجب على الوزراء التقيد الصارم به (حسب تعبير بعضهم)، خاصة في ظل النظام الرئاسي الذي يضع كُل الصلاحيات وعلى رأسها السياسة الخارجية في سلة رئاسة الجمهورية، وما على وزير الخارجية إلا تنفيذها على الوجه الأكمل (حسب ما أفادنا لام كول عندما كان وزيراً للخارجية، في تبريره لمُجافاته لسياسة حزبه آنذاك- الحركة الشعبية، في ما يختص بالموقف من المحكمة الجنائية الدولية).

ولكن وزير الخارجية الجديد أبى إلا أن يُناقض قناعات وتوجيهات رئيسه المُباشر وصرح قائلاً "مضى الوقت عن الحديث حول البحث عن معجزات خلال هذه الفترة لجذب الوحدة".

فيا قارئ العزيز، ألا ترى في هذين التصريحين تناقضٌ لا ينكره إلا من في عينيه رمد أو غرض، ثُم إن كان هذا هو رأي وقناعة وزير الخارجية السيد/ علي كُرتي، فبأي معيار تم إختياره وزيراً للخارجية الذي عليه تنفيذ توجيهات وبرنامج رئيس الجمهورية، وهذا التناقض (ومن قولة تيت) يعني أن الرئيس أساء الإختيار، وأن الوزير أساء لنفسه بقبول المنصب، لأداء عمل يرى أن أوانه قد ولى وأصبح في عداد المُعجزات. ولا يوجد تفسير أو تبرير لهذا الخلط إلا (لقد أعطى من لايملك عطيةً لمن لا يستحق).

ثُم لم يكتف الوزير الهُمام بهذه الجليَطة، فأردفها بأُخرى قائلاً "إن الدور المصري في قضايا البلاد ضعيف، وأن ذلك يكشف تواضع معلوماتها عن تعقيدات الحياة السياسية في السودان"، وبعيداً عن تقييم دور مصر وغيرها من الدول الخارجية، دعونا نسأل الوزير عن دوره شخصياً في قضية الوحدة والسلام في بلاده السودان؛ فكما هو معلوم للغاشي والماشي إن معاليه كان مُجاهداً وقائداً لمليشيات الدفاع الشعبي التي كانت ترى في قتل الجنوبيين جهاداً يُكافأ بالجنان والحور العين في الدُنيا والآخرة، وما أعراس الشهيد والإستخلاف ببعيدة، ثُم أولا يدري معالي الوزير، وبدون تزويق للكلام ولف ودوران، أن حملات الجهاد وصيف العبور هي التي أربكتنا وأركبتنا هذا المركب الصعب، وأننا نحصد الآن غرس كرتي وأمثاله، وكان الأحرى به كمواطن سوداني أن يسأل نفسه قبل أن يسأل الحكومة أو النخبة المصرية (فالحكومة هي النُخب بقضها وقضيضها) عن ماذا قدم المجاهد/ كرتي لوحدة السودان؟ وما هي مؤهلاته لتولي هذا المنصب الحساس في هذه الفترة الحرجة من تاريخ السودان، ولئن كان واجب وزير الخارجية إصلاح العلاقات المُتردية مع المُجتمع الدولي على الصعيد الخارجي وجعل الوحدة جاذبة على الصعيد الداخلي، فإن كُرتي آخر من يصلح لتحقيق هذين الهدفين، وليس هنالك من مُبرر لإختياره إلا إنتمائه لجنين مثُلث حمدي الخديج "مُعسكر دُنقلا، مروي، شندي".

لم يكتف السيد كرتي بذلك، بل أكمل الأثافي بثالثة ووصف سياسة الولايات المتحدة "بالحيرة بسبب موقفها من الوحدة والإنفصال لوجود جماعات الضغط التي تؤيد وتشجع الإنفصال مما يؤثر على سياستها الخارجية". ياسلام على هذا الكلام المرصوص كالعهن المنفوش، وليسمح السيد كُرتي أن يُبدد حيرتنا عن من هو صاحب فكرة وفرية الدولة الواحدة بنظامين وحكومتين وجيشين ونظامين بنكيين،، إلخ. أليست هي الولايات المتحدة الأمريكية وذلك عبر مراكز أبحاثها ودراساتها (معهد بروكنز ومعهد واشنطن،،، إلخ)، ثم يا سيدي؛ أليست الولايات المتحدة الأمريكية مُهندسة وراعية وحارسة إتفاقية نيفاشا، ثم أو ليس القس الأمريكي/ دانفورث هو صاحب بروتوكول أبيي وترسيم حدودها وجعل قرار لجنة الخُبراء الأجانب مُلزماً للطرفين، ثم إيصال الأمر لمحكمة العدل الدولية!! أبعد هذا تقول أن الولايات المتحدة في حيرة من أمر إنفصال الجنوب!!!. في حقيقة الأمر نحن الذين في حيرة من الذين يختصرون العمل السياسي في الفذلكة اللغوية والتصريحات العنترية على شاكلة " ألحس كوعك، وتحت جزمتي، والزارعنا غير الله الييجي يقلعنا، وجلد كديس، وبلوه وأشربو مويته،، إلخ"، ولكن ما عسانا أن نقول "فمن شابه أباه فما ظلم" وهذا زمن الهر الذي يُحاكي صولة الأسد.

لعلم معاليه فإن سياسات الولايات لا يضعها وزير أو خفير وإنما مؤسسات بحث علمي وجامعات تتوافر لها الإمكانيات المادية والبشرية والفكرية، وللمقارنة فإن ميزانية جمهورية السودان في ديسمبر 2009 بلغت 23 مليار جنيه سوداني جديد (أي 11.5 مليار دولار بالسعر الرسمي) بينما بلغت ميزانية جامعة هارفارد في ذاك العام 37 مليار دولار، يذهب جُلها للبحوث والدراسات العلمية بهدف مُساعدة مؤسسات الحُكم على عملية صُنع القرار، بينما يذهب 60% من ميزانيتنا للأجهزة الأمنية وجيوش السياسيين والمُستشارين وغيرهم من الدستوريين الأكثر من الهم على القلب. وبمناسبة السياسة الخارجية والمُفكرين هاكُم هذه النُكتة "ضم الوفد الذي زار الولايات المتحدة بقيادة الدكتور/ غازي صلاح الدين، بهدف تحسين العلاقات مع أمريكا المُحتارة، بروفيسوراً مُتخصصاً في الطب (يعني نُخبة النُخبة-Top of the cream) وقد صرح النخبوي فريد عصره (الما مثله شئ) لإحدى وسائل الإعلام "ذهبنا إلى أمريكا وقابلنا كبار المسئولين ودبابات التفكير (يقصد Think Tanks)؛ إنتهت النكتة البايخة ولا تعليق سوى التكرار "لا يستقيم الظل والعود أعوج".

ختاماً؛ أي مُراقب للأوضاع في السودان يعرف أن التدني والخراب قد أصاب كافة مرافق الخدمة المدنية ومؤسسات الدولة ووزاراتها دون إستثناء بسبب سياسة التمكين وتقديم أهل الولاء على أهل الخبرة والدُربة، وقد طال الفصل والتشريد مُعظم الكوادر المؤهلة، وحل محلهم (في الخارجية بالتحديد) وبأوامر مُباشرة من شيخ المنشية (آنذاك) كل من هب ودب. ثم ازداد الأمر سوءاً بعد إتفاقية نيفاشا (أصلو رقيق وزادو مويه) وأيلولة الوزارة للحركة الشعبية، وتكتيف وزيرها بجلاوزة غلاظ يعدون عليه أنفاسه (مُطرف وكرتي بالوزارة) ومصطفى عثمان وغازي بالرئاسة، وتمت الناقصة بمجئ دينق ألور، الذي لم يكن يأبه كثيراً لما يجري في وزارته فالأمر لديه مجرد تزجية فراغ وتدريب لما بعد 9 يناير 2011 (وما توليه مؤخراً وزارة التعاون الدولي في حكومة الجنوب إلا دليلاً على ذلك). لذا وبإخلاص تام وتجرد عن الهوى، نمحض النُصح لمن آل إليه الفئ، بأن يترك تقييم السياسة الخارجية للدول الأُخرى، ويعكف أولاً على نظافة وترتيب بيته من الداخل (فالسياسة الخارجية مرآة الأوضاع الداخلية) فيختار لوكالة الوزارة واحداً ممن تبقوا من أهل الدبلوماسية (كرير دبلومات وليس كرور دبلومات) وإطلاق يده لوضع رؤية متجردة وإستراتيجية علمية لإصلاح الحال المائل، وتحديد دور الوزارة في ظل التطورات التقنية التي جعلت العالم مجرد قرية صغيرة وأصبحت دبلوماسية (بالإشارة إلى خطابنا، وبالإشارة إلى خطابكم) من مُخلفات الماضي، وثمة رؤى تُجادل بأنه لا داعي لوزارة الخارجية خاصةً في ظل وجود وزارة للتعاون الدولي (والعلاقات الدولية) ولربما وجد القائمون على الأمر (بعد تمحيصه) أنه من الأجدى الإقرار بالأمر الواقع وتقسيم صلاحيات وزارة الخارجية بين وزارة التعاون الدولي وإدارة الأمن الخارجي، وبلاش وجع دُماغ وصرف في الفاضي.

إقتراح: عندما أطل العميد/ عُمر البشير، في الثلاثين من يونيو 1989، برر إنقلابه بإستشراء الفساد، والخطر الداهم الذي تُشكله إتفاقية الميرغني/قرنق على وحدة البلاد، وبشرنا بأنه أتى لإنقاذنا من هذين الشرين، ولذا أتمنى لو أن كُل مُدراء تحرير الصحف (طبعاً عدا الإنتباهة وأخواتها) أن ينشروا فجر الثلاثين من يونيو 2010، (ودون أي مواد صحافية اُخرى) نص ذلك البيان وبدون أي تعليق، ويتركوا لضمير الشعب أن يُقارن بين الحالين.