(Dualism and the Destructive Politics of Polarization in Sudan)

 

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

 

رابعاً: ثُنائية المركز/الهامش (الحضر/الريف):

   ظل الريف السوداني ولعقود طويلة مصدر الإنتاج والثروة، ولقد ظلت وسائل النقل المختلفة من قطارات ولواري تنقل خيرات الريف ومنتجاته من الصمغ العربي (الهشاب) والفول السوداني والذرة والسمسم والتبغ والثروة الحيوانية (الجمال والبقر والضأن) والجلود وخام النحاس والقطن وغيرها من الثروات من الأرياف إلى الخرطوم في مسار ذي اتجاه واحد، حيث تتحول هذه الثروات (الموارد الخام) في نهاية المطاف إلى عمارات وأرصدة بالبنوك في الخرطوم وخارجها، دون إعادة للاستثمار أو تقديم للخدمات الأساسية لإنسان تلك المناطق، ودون أن يُصيب منها المنتج الحقيقي صاحب الثروة بالأصالة سوى البطش، والقصف إن إحتج بكلمة أو فعل، ولم يستثن هذا السلوك النهبي أي إقليم من أقاليم السودان، ولكنه كان أبرز وضوحاً في الجنوب والغرب بسبب وفرة الموارد الطبيعية وعدم حاجتها إلى مدخلات إنتاج كثيرة لإستغلالها، وحتى المشاريع المروية في المناطق شبه الرعوية والمُستقرة كمشروع الجزيرة ظلت تُطبق ذات علاقات الإنتاج التي ورثتها الحكومات الوطنية عن الإستعمار الإنجليزي وإن سعت على إستحياء على إكساب تلك المنتجات قيمة إضافية (المحالج ومصانع الغزل والنسيج)، ولذلك لم يحس المُنتج الريفي بأي تطور أو تحسن في أحواله المعيشية، بل لم تقم الدولة بمجرد الحفاظ على هذه الدجاجات التي تبيض ذهباً، والتي تنتج بأقل التكاليف أو ربما بدونها، خاصة في مناطق الزراعة المطرية والرعي الطبيعي. لقد استمرأت النُخب النيلية/الشمالية (المُهيمنة على السلطة السياسية) سهولة الاستغلال واستمرت في النهب المتواصل، وحلب الأبقار الريفية الحلوب دون توفير العلف لها، فحدث مما ليس منه بد (ماتت الأبقار وهاجر الراعي والمزارع، أو حملا السلاح).

   ثمة ملاحظة جديرة بالالتفات، وهي أن ما يسمى بالرأسمالية الوطنية ووكلائها المحليين، خاصةً في غرب السودان وجنوبه، الذين يحتكرون تجارة المحاصيل والمواشي والنشاط الإقتصادي بأسره، لم يسهموا في إعادة استثمار ثرواتهم في مشاريع إنتاجية في المناطق التي صنعوا بها ومنها ثرواتهم، وكثيرين منهم لم تطأ أقدامهم زرعاً ولا مرعى، وأنما اكتفوا بالمرابطة أمام أسواق المحاصيل والمزادات وأسواق الماشية للشراء بأبخس الأثمان، ومن ثم شحنها للمراكز الحضرية وبيعها هناك بأسعار أعلى ومراكمة الثروات، وجل طموحهم الانتقال إلى العاصمة للتمتع بخدمات التعليم والصحة والرفاه المحصورة في عاصمة البلاد دون غيرها.

ولسوء الصدف فإن جُل عناصر الرأسمالية الوطنية ممن أُصطلح على تسميتهم بالجلابة، ينتمون إلى قبائل مُحددة من شمال السودان (جعليين/ شايقية/ دناقلة،، إلخ)، ومع ذلك فإن ظاهرة عدم الريادة والإحجام عن ولوج باب الإنتاج الفعلي ظاهرة اقتصادية/اجتماعية تسم كل الرأسمالية السودانية ولا تقتصر على قبيلة أو إقليم بعينه، فهي ماثلة في حضره وريفه، شرقه وغربه، وهي ظاهرة تحتاج إلى مزيد من الدراسة العلمية، لأنه لا غنى عن القطاع الخاص في إحداث التنمية الريفية المستدامة. وثمة زعم بأن هؤلاء (الجلابة) أسرع المجموعات السُكانية مغادرة لهذه الأماكن حال حدوث أقل إضطراب أو تدهور اقتصادي أو أمني بها، مع أن الهجرة من الريف للمدن وخاصة للعاصمة القومية لم تستثن أو تقتصر على مجموعة سكانية بعينها، والشاهد على ذلك أن سُكان الشمال النيلي هُم أول من نزح داخلياً وهاجر خارجياً.

وعلى كل حال، نعود إلى موضوعنا الأساسي ونقول إن مما زاد طين الإفقار والتهميش بلة، إن عملية نهب خيرات الريف وثرواته الطبيعية (المنتجة دون أن تكلف خزينة الدولة مليماً واحداً) لم تقتصر على الحاصلات الطبيعية فقط وإنما تعدتها لتشمل نقل وتهجير النخب المتعلمة من أبناء الريف إلى الحضر دون أن يعودوا للإسهام في تنمية وتطوير مجتمعاتهم، وذلك لعدم وجود مؤسسات أو مشاريع حديثة تستطيع استيعابهم، ولذا فكل من أكمل الثانوي أو الجامعة فعليه التوجه للمركز (الخرطوم) وما شابهها من المدن الحضرية مجازاً، وهذا نوع آخر من إفقار وتهميش المجتمعات الريفية وسلبها أفضل عناصرها البشرية، واكتملت حلقة المأساة بعدم قدرة المركز على استيعاب هذه الأعداد المتدفقة عليه كالسيل من كافة أقاليم السودان، مما جعل تعداد سكان الخرطوم يقفز من 250 ألف نسمة عند استقلال السودان 1956 إلى ما يربو عن الستة ملايين نسمة الآن (2009)، علماً بأن الخرطوم ليست مدينة صناعية أو سياحية أو مركز خدمات، ولذا فكل المهاجرين إليها لا يجدون أمامهم سوى المهن الهامشية والطفيلية التي لا تضيف شيئاً للإنتاج الحقيقي، ولكنهم مع ذلك يتمسكون بقشة الأمل والأمن المعدومان في المناطق التي نزحوا منها إضطراراً.

عاش هؤلاء المهاجرين على أطراف المدن في أوضاع لا إنسانية، وتعرضوا للإعادة القسرية للجهات التي أتوا منها (الكشات)، ومن هنا نبع مصطلح التهميش والفرز وما رافقه من شعور بالغبن انعكس حتى في تسمية مستوطناتهم البائسة، التي تسمت بأسماء تستبطن الإحتجاح والثورة؛ مثل: زقلونا وجبرونا والعشش، مقابل الرياض والطائف والمعمورة. والغريب أن هذه الأسماء للأحياء الطرفية (ذات الدلالات العميقة) لا تُشيع في العاصمة فقط وإنما هي موجودة أيضاً في المدن الريفية بالأقاليم.

نعود فنقول إن الحركة ذات الاتجاه الواحد من الريف إلى المدن لم تقتصر على الثروات الطبيعية والمتعلمين فقط، وإنما هاجر أيضاً بأعداد كبيرة الكثير من الرعاة وصغار المنتجين، الذين دفعهم التدهور البيئي وقناعتهم بعدم جدوى الاستمرار في مكابدة شظف العيش دون مجرد الأمل في التغيير نحو الأحسن، ففضلوا أن يبيعوا الماء ويمتهنوا المهن الهامشية في المدينة على أن يتعرضوا للموت جوعاً ومرضاً في ريفهم الذي ظلوا لعقود مديدة يشدخون أرضه بالملود والسُلُكاب (شقيق وجنكاب) بسواعدهم الفتية فيولدونها زرعاً ويحلبونها ضرعاً، لمصلحة غيرهم من نُخب السلطة المهيمنة في المركز ووكلائها المحليين.

ومن البديهي أن لا تستمر هذه العلاقة الشائهة إلى أبد الآبدين، وأن تتحور إلى ثورة وثوار،              يدقون أبواب المدن مطالبين بحقوقهم.

 

  أشار عدد من المفكرين السودانيين إلى هذه الإختلالات ومن أبرزهم د. سليمان محمد سليمان عندما أصدر كتابه الرائد " السودان: صراع الموارد والهوية"، كما فطن إلى ذلك د. جون قرنق،  وأدرك بنظر ثاقب إن معنى وجوهر مفهومي المشاركة في السلطة وقسمة الثروة تعني مشاركة المواطن العادي في عملية صنع القرار وحق الاختيار على مستوى القاعدة (المشاركة في السلطة)، وحقه في التمتع بعائد إنتاجه وجهده (قسمة الثروة)، في إطار من الحقوق الدستورية المبنية على المواطنة والتعدد.

 إن الاستيعاب السليم لمفهوم المشاركة في السلطة يعني إشراك القواعد الشعبية في عملية صنع القرار السياسي والاقتصادي والتنموي وكافة القرارات المتعلقة بحياة المواطنين، أي إعادة السلطة للمجتمع وقواعده الشعبية، وعدم احتكارها بواسطة مجموعة محددة، وهذا بدوره يستوجب تفكيك النظام الشمولي الآحادي، وإعادة هيكلة المؤسسات السياسية ومؤسسات الدولة بحيث تكون أصدق تعبيراً وتمثيلاً للرأي العام.

أما مفهوم قسمة الثروة، فيعني استفادة المنتج الصغير من موارد منطقته وعائد إنتاجه، فالعلاقة الشائهة التي كانت قائمة لعقود طويلة بين المركز والأطراف لا يمكن استمرارها، فهي علاقة ذات اتجاه واحد، وتستند على مؤسسات رسمية (بنوك، شركات، تشريعات عمل وضرائب،،، إلخ) وقوانين تعمل على تقنين وتأطير واستمرارية عملية نهب موارد الريف لصالح النخب المُتنفذة في المركز، والتي يطلق عليها مجازاً "سُلطة المركز" مقابل الهامش، أو الحضر مقابل الريف.

 

الخُلاصة:

ظلت العلاقات الإنسانية في السودان القديم، وحتى زوال مملكة علوة وعاصمتها سوبا (بولاية الخرطوم الحالية)، تتميز بالإستقرار النسبي لوجود درجة عالية من التجانس العرقي والديني والثقافي، بين مجموعاته السُكانية، ولكن ومنذ أن تحالف الفونج بقيادة عمارة دُنقس والعبدلاب بقيادة/ عبد الله جماع وأنشأوا السلطنة الزرقاء (وليس السوداء أو البيضاء) "1500-1821" وعاصمتها سنار، تخلخل نسيج المجتمع السوداني واتصف بالثُنائية العرقية والدينية واللغوية، والتي بدورها وسمت العلاقات الإقتصادية والتراتيبية الإجتماعية، وبرزت ثقافة الإستعلاء، والتي من أبرز تجلياتها الإسترقاق وتجارة الرقيق.

في عام 1821 غزا الأتراك (دولة الخلافة الإسلامية) السودان، بحثاً عن المال (القوة الإقتصادية) والرجال (القوة البشرية) وفي عهدهم تفشت تجارة الرقيق وأنقسم المجتمع تحت ظل الحُكم الإسلامي التركي إلى طبقتين متمايزتين (السادة والعبيد)، وكما هو معلوم فقد استمر حُكم الاتراك لستة عقود حتى قيام الثورة المهدية وتحرير الخرطوم عام 1985، وللمفارقة فإن الدين  (الإسلامي) كان عماد الثورة المهدية لإزالة الحُكم التُركي الذي لم يشفع له أنه مركز دولة الخلافة الإسلامية وحامي بيضة الدين. وبالرغم من أن الثورة المهدية نجحت في القضاء على السُطة السياسية والعسكرية للمستعمر التُركي إلا أنها لم تُغير كثيراً في مناحي الحياة الأُخرى لأسباب موضوعية ليس هذا مجال ذكرها، ولقصر فترة حكم المهدية (1985-1999) وتميز تلك الفترة بعدم الإستقرار وكثرة الحروب الداخلية والخارجية، بل أن فترة المهدية شهدت تمايزاً وصراعاً حاداً بين عناصر المجتمع السوداني باعتبارها أول محاولة جادة لفرض الثقافة العربية الإسلامية، وظهرت بقوة مصطلحات وثُنائيات أولاد البحر وأولاد الغرب، السادة والعبيد، العرب والرطانة ،،، إلخ.

حارب نظام الحُكم الثُنائي 1899-1956 (Condominium) تجارة الرق بشدة، والتي عارضت إلغائها بشدة أيضاً ولأسباب أقتصادية، الشريحة المتنفذة والمُشاركة للمستعمر في حُكم البلاد، ولعل مذكرة كرام المواطنين التي احتجوا  فيها على إلغاء تجارة الرقيق أبرز دليل على ذلك.

من نافلة القول أن الحُكم الوطني منذ 1956عام وحتى يومنا هذا، أساء إدارة النزاعات السودانية ولم يدرك حتى اللحظة أن القضية في جوهرها تتعلق بكيفية إدارة التناقضات الثُنائية الرئيسية الأربعة الآنف ذكرها، وكيفية تقوية عوامل التدامج والتمازج والتآلف في إطار من المساواة التامة والعدالة الكاملة وإحترام التنوع والتعدد الذي نشأ بحُكم الجغرافيا والتاريخ اللذان لا فكاك منهما، ولذا فإن أي فكر أو نظام قائم على الهيمنة الآحادية/ مهما كانت قُدسية دعاواه، فإنه سوف يُُفضي إلى التشرذم والتشظي وتفكيك البلاد، ونخشى أن تكون عجلة التفكك قد بدأت في الدوران ولن يوقفها إلا الوعي والإقرار بها دون مخاتلة، ومن ثم إتخاذ التدابير اللازمة لتصحيح علاقات الإنتاج الإقتصادي وإرساء أُطر ومؤسسات العدالة الإجتماعية، وتبني العلمانية والديمقراطية سبيلاً للخروج من عنق الزجاجة.

إن كان لا بد من توصيات عملية لهذا البحث، فهي بلا شك تتمحور في:

1-        ثُنائية اللُغة: التطبيق الفعال لماورد في دستور السودان الإنتقالي لعام 2005 بهذا الصدد.

2-        ثُنائية العرق: الإعتراف بالتعدد العرقي وإرساء الحقوق والواجبات على أساس المواطنة، ولا شئ غيرها.

3-        ثُنائية الدين: فصل الدين عن الدولة واتخاذ العلمانية منهاجاً للحُكم، دون مواربة أو تدليس.

4-        ثُنائية المركز/الهامش: الإنفتاح نحو الريف، وتحقيق التنمية المتوازنة بين كافة أقاليم السودان، مع التمييز الإيجابي لصالح الاقاليم الأكثر تخلفاً، وإعادة صياغة علاقات الإنتاج بحيث تُراعي مصلحة المواطن أولاً وتمتين نسيج الوحدة الوطنية ثانياً.

 

 

المراجع:

د. سلمان محمد سلمان: السودان؛ صراع الموارد والهوية.

د. أبو القاسم حاج حمد: السودان؛ المأزق التاريخي وآفاق المستقبل.

كمال الجزولي: إفادة مستعرب مسلم.

د. فرانسيس دينق: صراع الرؤى والهوية.

ضرار صالح ضرار: تاريخ السودان الحديث.

د. صبري محمد خليل: مجموعة مقالات حول الهوية (صحيفة سودانايل).

د. عابدين تاريخ الثقافة العربية في السودان.

د. منصور خالد: النخبة السودانية وإدمان الفشل.

تاج السر عثمان: المسألة القومية في السودان.