عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
            إذا كان الكلام من فضة فالسكوت من ذهب، وفي مثل هذا المأتم السوداني الحار، ليس من الحكمة أن تتحدث عن العلة وأسباب المرض وتقصير الأطباء وعدم دراية المُعالجين، فلن يستمع إليك أحد ولربما رُميت بأسوأ التهُم وأبشع النعوت، هذا إن سلمت من تقطيع الأوصال من خلاف، فالساحة الآن للحناجر العالية والحلاقيم الكبيرة فالمناحة كُبرى والفقد جلل والوطن في مهب الريح.
لا شك أن كل سوداني مهما كان انتماؤه السياسي أو الديني أو العرقي أو الجهوي، تلقى يوم الرابع من مارس 2009، طعنة دامية في كبريائه ووخزة حادة في سويداء فؤاده، ولأننا شعب جياش العاطفة كثير الكبرياء "حد المبالغة"، تجاوز رد فعل الجماهير (إن كان عفوياً أو بالغ الترتيب المُسبق) حدود المعقول واستعصى على فهم المراقبين في كافة أرجاء العالم، مما جعلهم يقفون مشدوهين وهم يرون  لأول مرة في حياتهم، " الضحايا يهبون لنصرة الجلاد"، وتحول الوطن بأسره إلى سرادق عزاء ضخم، ومناحة كُبرى توافد إلى ساحتها المعزون من إيران وسوريا وغزة وغيرها. ومن المعروف عنا (نحن السودانيين) إنه عندما يموت كبير قوم نتحزم ونتلزم وتشد كل إمرأة إزارها وتصيح "حي ووب،، حي ووب"، ويكرب كل رجل وسطه، ويُدق النحاس ويعرض الناس بالسيوف وهم يتقافزون ويصيحون صيحات الحرب، أو لم تشاهدوا حواء الطقطاقة وجيقم وغيرها وغيره من الحكامات ينشدون وهم ينشجون "سودانية سود نارهم ما بتموت، أسأل ناس أبوك يا وليد"، ولعل أكثر اللقطات التي عرضها تلفزيون السودان، تعبيراً عن هذه الهستيريا الجماعية، لقطة لإمرأتين بعد أن أعياهما الهتاف والعويل، أن احتضنت كل منهما الأخرى (ربما دون معرفة سابقة) وأنخرطتا في بُكاء حار يقطع نياط القلوب وطبعاً تكون غبياً فاقد الإحساس إن سألت في تلك اللحظة "المات منو؟".
نود أن نقول بعد أن تهدأ المشاعر قليلاً، ويعود إلينا بعضاً من صوابنا، بعد أسبوع أو أسبوعين أو حتى بعد شهر أو شهرين، وبعد أن يغادرنا الضيوف والمعزين ونذهب معهم إلى المطار أو "الميناء البري"، ونشد على أيديهم شاكرين وقائلين (شكر الله سعيكم ولا أراكم مكروهاً في عزيز لديكم) وبعد أن يعود رئيس جمهوريتنا إلى بيت من بيوته الكثيرة (وربنا يزيده) وينام نوماً عميقاً أو متقطعاً (لا أدري) بعد إرهاق الوقوف الطويل والخطب النارية المتوعدة، ثم يصحو في صباح اليوم التالي وبعد أن يغتسل ويتوضأ ويُصلي الصبح حاضراَ، سوف يضع رأسه بين كفيه ويتساءل حائراً (كما تساءل لينين)، ما العمل؟!.
في هذه اللحظة بالضبط، حيث يكون وحيداً وبعيداً عن مُستشاري السوء والغفلة والجهل، أود لو أستطيع التسلل إليه، وأقول له: أسمع من زول بسيط لا يعرف أين الـ السي آي أيه (C.I.A.)، ولا أين الكي جي بي (K.G.B.) ولا يطمع في جزرتكم ولا يخشى عصاكم، إذ عصمه الله بالبعد عنكم والاكتفاء بعرق جبينه؛ لذا فلا غرض ولا مرض ولا عمالة ولا يحزنون، ودون إطالة أو إسهاب، عليك ياسيدي بالآتي:
أولاً: أن ترد تحية هذا الشعب الطيب حقاً بأحسن منها؛ فقد زعم الرواة أنك رجل طيب وود بلد وأخو أخوان، وربما لهذا الزعم فقط وقفت معك في محنتك هذه الأعداد الهائلة، ومنهم من قطعت عيشه وشردت أخوانه وعشيرته، ورغم قناعتنا بأن هذه الصفات الحميدة ليست كافية لوحدها لتأهيل الإنسان لقيادة بلد كالسودان متعدد الأعراق والسحنات والثقافات والديانات واللغات، إلا أننا نقول لك إبدأ بإبراء الجراح ورد المظالم وجبر الأضرار الكثيرة التي تسبب فيها نظامكم الجائر، وأشرع من فورك ودون تلكؤ وبيروقراطية ومُكابرة بإصدار قرار نافذ المفعول فوراً بإعادة كل المفصولين من الخدمة والمحالين للصالح العام، إلى أعمالهم دون إبطاء مع المحافظة على كافة حقوقهم المالية والوظيفية ورد الاعتبار الأدبي والمعنوي لهم، وهذه مسألة إنسانية لا مساومة فيها ولا مصالحة بدونها، ولك أن تتصور أن تذهب إلى عملك فتجد خطاب فصلك من العمل دون جريرة أو خطأ، فتعود إلى منزلك لاتعرف ما تقول لأسرتك. لعلك يا سيادة الرئيس قد شعرت بمرارة الظلم وطعمه الحنظلي خلال الأيام الماضية، فلا ترضى لغيرك ما لاتقبله لنفسك، فحق هؤلاء الأبرياء في عنقك إلى يوم الدين، ولقد قيل قطع الأعناق ولا قطع الأرزاق (بالمناسبة أنا لست من المُحالين للصالح العام أو المفصولين، رغم أن جور وغباء الإنقاذ أضر بي، ولكن هذه قصة أُخرى ليس هذا مجالها). وأصدقك القول إن هذا الإجراء مجرد فعل معنوي ولن يكلف خزينة الدولة مالاً كثيراً، لأن جُل هؤلاء الذين أتحدث عنهم، وكما سبق أن قلت "منهم من قضى نحبه، ومنهم من أبدله الله خيراً، ومنهم من بلغ من الكبر عتياً وبلغ سن التقاعد، ومنهم من هاجر فراراً من دولة المشروع الحضاري سئ الذكر، يبتغي فضلاً من عند عزيز مقتدر". 
ثانياً: أن يتقدم النائب العام ببلاغ ضد رئيس الجمهورية/ عمر حسن أحمد البشير، وكافة قائمة الخمسين، بذات التهم التي نسبها إليهم مدعي محكمة الجنايات الدولية، وأن يخضعوا (بمن فيهم الرئيس) لمحاكمة محلية عادلة وجادة وبرقابة دولية وإقليمية "على أن تشكل المحكمة من قضاة مشهود لهم بالنزاهة والشجاعة في قول الحق وأن يؤدوا قسماً إضافياً بهذا المعنى"، فالجموع التي خرجت مناصرة للرئيس لا ترفض العدالة "ولا عدالة بدون محاكمة جادة ونزيهة" وإنما ترفض أن يُحاكم رئيس البلاد بواسطة محكمة أجنبية، لأنهم يرون في ذلك إهانة للكرامة الوطنية. ولا تفغروا أفواهكم مشدوهين من هذا الاقتراح، فقد قال خير البشر "وأيم الله، لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها"، ولا أظن أن البشير أعز من فاطمة أو أبيها. وللعلم فإن الاتهامات القضائية لم تمنع نائب رئيس جمهورية جنوب إفريقيا السابق/ جاكوب زوما، من تسنم رئاسة حزب المؤتمر الوطني الإفريقي الحاكم في جنوب إفريقيا (ANC) بعد أن فاز فوزاً ساحقاً على رئيس الجمهورية آنذاك/ تابو امبيكي، في انتخابات المؤتمر العام للحزب (ديسمبر 2007) والذي شهده وفدان رفيعان من الحركة الشعبية وحزب المؤتمر الوطني السوداني (أولم يتعلموا شيئاً من ذاك الدرس الديمقراطي؟).
كما أن ذات السيد/ جاكوب زوما، "المرشح الأوفر حظاً للفوز برئاسة جنوب إفريقيا بعد شهر ونيف من الآن" إذ سوف تُجرى الانتخابات الرئاسية والبرلمانية يوم 22/04/2009، لا يزال يخرج من محكمة ويدخل أُخرى، ومن المُقرر أن يمثُل أمام القضاء يوم 12/أغسطس/2009، وحينها سوف يكون رئيساً لجمهورية جنوب إفريقيا، وكل هذه البهدلة والشرشحة في تهمة تتعلق بقبول رشوة مقدارها خمسون ألف دولار فقط لا غير، وليس إزهاق خمسين ألف نفس بشرية، منهم شيوخ صدقٍ حفظوا القرآن بالقراءات السبع، ولا يزال صدى ترتيلهم يُسمع في فلوات وادي أزوم، ويتردد صدى تبتلهم في وهاد جبل مرة، ولربما بسبب دعواتهم التي ليس بينها وبين السماء حجاب، تتقاذف سفينة الإنقاذ، الخطوب المنداحة كقطع الليل البهيم.
ثالثاً: الإعلان عن الموافقة على مطالب أهل دارفور، دون انتظار لمفاوضات ومطاولات لا معنى لها، فلا أحد يستطيع أن يفهم أن يقبل خصمان بالتفاوض ثم يحتمعان لمدة أسبوع فينتهي الأمر بتوقيع اتفاق حسن نوايا وإبداء الرغبة في التفاوض !!!، فمثل هذه الشكليات إهدار لوقت غال تُسفك خلاله دماء وتُفقد فيه أرواح وتهدر موارد في نُدرة لبن الطير. ودعوني أسألكم ما هي مطالب أهل دارفور، هذي التي استعصت على الحل؟؟ يقول العارفون أنهم يطالبون بمنصب نائب رئيس الجمهورية، فهل هذه مُعضلة وما الفرق بين لقب نائب رئيس جمهورية وبين كبير مٍُساعدي رئيس الجمهورية، فكلاهما لا يحل ولا يربط. أما حول مطلب الإقليم الواحد أو الثلاثة أقاليم الحالية، فهل تفرق كثيراً مع الراعي الهلباوي أو المزارع الفوراوي في دارفور إن كانت الأقاليم عشرة أو واحداً؟؟، أما عن مبلغ التعويضات فما صرفته وحدة تنفيذ السدود على الدعاية لإنتاج 250 ميجاواط فقط من سد مروي "هذا المشروع الحيوي الذي حوله الإعلام الرسمي الغبي إلى كتاب أسود آخر ماثل للعيان"، يكفي لإعادة توطين كل أهل الغرب.
رابعاً: تشكيل حكومة قومية تُمثل فيها كافة القوى السياسية تمثيلاً عادلاً، بدلاً عن هذه القسمة الضيزي التي تُسمى زوراً وتدليساً حكومة وحدة وطنية، على أن تعد لانتخابات عامة عادلة ونزيهة وبرقابة إقليمية ودولية، قد تكون مخرجاً من هذا المأزق الذي يهدد بآثار خطيرة، لا يدرأها التظاهر بعدم المبالاة والتهريج الأجوف.
لقد كشفت كارثة المحكمة الجنائية الدولية عن أزمة القيادة (Leadership-crisis) التي تعانيها كافة أحزابنا السياسية (حكومة ومعارضة) وأبرزت بجلاء دواهي وثقوباً كثيرة وأوضحت مدى عجز وفشل مؤسسات الدولة (وأعني تحديداً وزارتي الخارجية والعدل)، ولو كنت مسئولاً عنهما لأغلقتهما بالضبة والمفتاح، والمضحك المبكي أن المسئولين بهاتين الوزارتين، الذين غرقوا في شبر موية وأدخلوا البلد في أزمة لا يعلم مداها وكيفية المخرج منها، إلا الله. وبعد أن وقعت الفأس على الرأس يطلون علينا صباحاً ومساءً من شاشة التلفاز بعد أن يتهندموا بربطات العنق الأنيقة أو العمامات الكبيرة (التي أصبح لها استايل ومسميات، عمة ترباس وطرحة ودالجبل وشال راشد دياب،، إلخ)، يتفاصحون حول المعايير المزدوجة وميثاق روما وعدم ولاية المحكمة على الدول الغير أطراف والسلطات التكميلية، وركاكة القرار وضعف حيثياته،،،،، إلخ، ولو الحكاية بهذه السهولة والبساطة، فماذا كنتم تفعلون منذ صدور القرار 1593 عام 2005؟؟؟ (جاتكو البلاوي).
كلمة أخيرة: المنطق الوحيد الذي يستند عليه السيد رئيس الجمهورية في عدم المثول أمام المحكمة الدولية، هو أنه يمثل سيادة وعزة وكرامة الأمة، وهذا المنطق بالتحديد يفرض عليه سلوكاً ولغة تخاطب محددة، ولئن وجدنا العذر لمن هم دونه في استخدام اللغة المُسفة بسبب فلتان أعصابهم ومداراة لعجزهم وفشلهم ، فما هو عذر رمز السيادة والوقار، في استخدام لغة السباب والشتم والصرمة والجزمة، وليتذكر أن كل أقواله منقولة على الفضاء مباشرة، وما هو موقفه إن رد عليه أي معارض (وله العذر) بشتائم أقذع؟؟، وهل هذا هو أدب الحوار ومفردات التحول الديمقراطي وحرية إبداء الرأي؟؟؟.
ألا هل بلغت اللهم فأشهد.