عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

 

بالرغم من ترحيب كافة القوى السياسية بإتفاقية نيفاشا عند توقيعها عام 2005، إلا أن العديد من هذه القوى لم يتردد في توجيه الكثير من الإنتقادات إليها، ومن أبرز المثالب التي أضحت معروفة للعامة والخاصة؛  ثُنائية الإتفاقية وإحتوائها على تناقضات كثيرة، ومنها الإلتزام بالعمل من أجل  الوحدة الجاذبة وفي ذات الوقت النص على حق تقرير المصير (وُهما خطان مُستقيمان لا يلتقيان أبداً) وغير ذلك من أوجه القصور الكثيرة، وهاهي الأيام تثبت صحة تلك الإنتقادات، ولكن النقد الذي نحن بصدده الآن والتذكير به، أن البعض إرتأى ببصيرة نافذة أنه من المنطقي والموضوعي أن يسبق إستفتاء تقرير مصير الجنوب (الإختيار بين الوحدة والإنفصال) إستحقاق الإنتخابات، لا العكس كما نصت الإتفاقية، لأنه من المنطقي أن يُعرف أولاً ما إذا كان شعب جنوب السودان يرغب في البقاء مع الشمال أم لا،  فإذا تم تغليب خيار الوحدة تُجرى الإنتخابات في القُطر الموحد، أما إذا فاز خيار االإنفصال فلا داعي لإشراك شعب الجنوب في إنتخابات دولة الشمال التي لا ناقة له فيها ولا جمل.

 

أغلب الظن أن هذه البديهية لم تغب عن فطنة زعيم صافي الرؤية كالراحل/ جون قرنق، ولعله تعمد أسبقية إجراء الإنتخابات على الإستفتاء لسبب واحد وحيد، وهو إعطاء خيار الوحدة فُرصة من خلال الإنتخابات، فإذا ما فازت قوى السودان الجديد في الشمال والجنوب، فعندها لا يكون هنالك داعياً للإستفتاء، لأن حُجج التهميش تكون قد سقطت واُرسيت مداميك الوحدة على أسس جديدة، وقد كان قرنق "بشخصيته الوحدوية الكاريزمية" واثقاً من إكتساح قوى السودان الجديد تحت قيادته لأي إنتخابات أو إستفتاء يُجرى في أي جزء من القُطر، وتأكدت تلك الثقة بالإستقبال الأسطوري الذي لقيه في الخرطوم والذي جعل فرائص قادة المؤتمر الوطني ترتجف رعباً، وحول البشير وجماعته إلى مُجرد جُُثث سياسية تنتظر الدفن.

 

لقد أحصى قرنق كُل شئ جيداً (وهو المُتخصص في علم القياس الإقتصادي – Econometrics)، ولكنه وللأسف لم يفطن إلى أن للقوى الكُبرى حساباتها التي لا تتطابق تماماً مع رؤاه "وإن سايرته ودعمته لمرحلة مُعينة"، وفي تقدير كثير من المُراقبين أن قرنق مات في ذلك اليوم الذي تم فيه إستقباله إستقبالاً أُسطورياً أكد على وحدة السودان، وبالتالي أصبح تغييبه لدى تلك القوى أمراً عاجلاً لا يقبل التأجيل، حتى لا تترسخ تلك الروح الوحدوية التي أفصح عنها الشعب السوداني بكُل فئاته وسحنه، في يوم الساحة الخضراء المشهود.

لا داعي لتقليب المواجع، فما حدث قد حدث سواء كان ذلك قضاءً وقدراً أم بتقدير خبيث، إذ أنه ومنذ ذلك اليوم المشئوم إنتكست راية الوحدة واُحبط عرمان والحلو (ولسُخرية الأقدار فقد غادرا إلى أمريكا- أُم الكوارث)، ولم يقبل طرفا نيفاشا (الحركة والمؤتمر) أي حديث عن إدخال أي تعديل أو حتى شولة أو فاصلة في البقرة المُقدسة (نيفاشا)، وسارت الأمور كم أراد لها مثلث الشر. ثُم دارت دورة الأيام وإكتملت المأساة/الملهاة بمسخرة الإنتخابات الأخيرة (إنتخابات قرايشن/كارتر) والتي كرست سيطرة المجموعة الإنفصالية بالحركة الشعبية على الجنوب وسيطرة المؤتمر على الشمال (كما كان مُخططاً بالضبط)، وللأسف فقد تم كُل ذلك بعد ممارسات يندى لها الجبين من الشريكين اللذان يزعمان زوراً وبهتاناً أنهما يسعيان إلى إحداث تحول ديمقراطي في البلاد إرساءً لأُسس التبادل السلمي للسُلطة (وليس إستمرار الكنكشة).

 

        لقد أسلفنا القول أن إنتخابات قرايش ليست سوى إنفاذاَ لمشيئة القوى المحلية الساعية لفصل الجنوب، مُستفيدة في ذلك من التواطؤ الدولي، وقد تحقق لهم ما أرادوا، فالبشير وسلفا كير ليسا أكثر من شيئين في رداء واحد (كما يقول المثل العامي)، ولكن الآن وبعد أن يهدأ سوق الزلعة وتتكشف خيوط المؤامرات التي حيكت بليل بهيم، تبرُز الأسئلة التي لا يعرف إجابتها أحد، ومنها:-

- ما هو مصير 130 نائباً جنوبياً إنفصالياً بالبرلمان القومي (90+40) "يُمثلون أكثر من 25% من البرلمان"، خاصةً إذا إختار الجنوبيون يوم 09/يناير 2011 الإنفصال، كما هو مؤكد؟؟ وهل يجوز أن يبقى نواب يُمثلون الحركة الشعبية الإنفصالية ودولة الجنوب في برلمان دولة الشمال العربية/الإسلامية، كاملة الدسم؟؟ إذ ما هو شأنهم بالتشريع لهذه الدولة؟؟.

- هل سيتم فصل هؤلاء النواب من البرلمان القومي؟؟، وفي هذه الحالة هل سيتم تعديل الدستور لتقليص عدد مقاعد البرلمان؟؟ أم ماذا؟؟.

- كيف سيتم تمثيل حركات دارفور في الجهاز التشريعي، بعد أن تم التوقيع معها على الإتفاق الإطاري، وبعد أن أوفت بوعدها بعدم عرقلة الإنتخابات (بعد مزاد الدوحة وإطاراته المثقوبة)؟؟.

- ما ذا ستفعل الإنقاذ في أبيي تحديداً؟؟، وهل هي قادرة على فصلها والتخلي عن أراضي ومصالح المسيرية نظير حقل هجليج، وهل تستكين قبائل المسيرية لذلك؟؟.

 

من المُحتم أن تواجه حكومة الحزب الواحد القادمة (أو حكومة الشريكين) عدداً لا يُستهان به من التحديات ؛ ومنها عدم الإعتراف بشرعيتها محلياً ودولياً (داخلياً وخارجياً)، ولا ننسى أن البشير "حتى وإن فاز بنسبة 95% كما هو متوقع" لا يستطيع ولن يستطيع زيارة 111 دولة من بين 193 دولة في العالم (الدول الأعضاء بمنظمة الأمم المتحدة)، كما أن المؤتمر الوطني بعد أن يفرغ من تكوين حكومته وحكومة ولاياته بما فيها دارفور، عليه إجراء إستفتاء أبيي (أي إختيار الدينكا بين الوحدة "الإنضمام للشمال"  أو الإنفصال "الإنضمام للجنوب")، وهذه مسألة مُعقدة جداً، لأن القرار بهذا الشأن ليس في يد المؤتمر الوطني والحركة الشعبية وحدهما، وإنما يعني مسألة حياة أو موت لقبيلة كاملة "معروفة بشراستها وتسلُحها حتى أسنانها"، وقد حاول بعضاً منها حماية مصلحته بالإلتحاق بالحركة الشعبية، ولكن إتضح لهُم أن الحركة زاهدة فيهم وفي الشمال كُله، وحتى من التحق منهم بالمؤتمر الوطني (الدريري ومهدي بابو نمر،، إلخ) عادوا بخُسران مُبين، ولذا فإن المجال الآن مفتوح على مصراعيه للإمام/ الصادق المهدي أن يُسدد ضربة نافذة للإنقاذ وفي ذات الوقت يرُد الدين للحركة الشعبية، ولا يحتاج الأمر من الإمام إلا إلى القيام بزيارة للمُجلد وبابنوسة، وتبني موقف المسيرية "أنصار جده الأكبر"، وعندها سوف تذهل كُل مُرضعة عن ما أرضعت.

 

وإذا ما ترافقت هذه الخطوة بتمسك حزب الأمة بقراره بعدم المُشاركة في الحكومة القادمة يكون قد تم عزل المؤتمر الوطني (وليس عزل أحزاب المُقاطعة كما يزعم بعض المتنطعين)، ولقد أدرك بعض دهاقنة الجبهة الإسلامية (قبل إعلان نتيجة الإنتخابات المضروبة) أنهم لا يستطيعون الحُكم مُنفردين، كما أنهم لا يستطيعون تحمل وزر فصل الجنوب ومنطقة أبيي لوحدهم، ولهذا سعوا بين الصفا والمروة (بين مُبارك والصادق والتُرابي) بحثاً عن مخرج وحكومة قومية رفضوها قبل أسبوعين من الإنتخابات و"اللهم لا شماتة".

 

لكُل هذه الأسباب مُجتمعة ولأن الأزمة السياسية قد تفاقمت بالإنتخابات الأخيرة وسوف تتفاقم أكثر بإستفتاء أبيي وإجراءات المشورة الشعبية وترسيم الحدود، فسوف يصل الإحتقان إلى ذروته يوم الهول الأعظم (الإستفتاء وتقرير المصير)، ولتفادي الإنفجار لا بدُ من إجراء إنتخابات أُخرى في الشمال لوحده، بمجرد أن يختار الجنوبيون إنشاء دولتهم المُستقلة، وفي هذه الأثناء (مُنذ الآن وحتى يناير 2001)، فليس أمام قوى المُعارضة "المُقاطعة" سوى العكوف على إعادة تنظيم قواها والإستعداد للإنتخابات القادمة حتماً، ويُحمد لحزب الأُمة إعلانه على الملأ أنه سوف يشرع فوراً في إعادة توحيد الحزب وإنتخاب هياكله وأُطره القيادية إستعداداً للإنتخابات القادمة التي لا بُد أن تُجرى في بيئة سياسية سليمة، وسوف يكون الغرب أول الداعين إلى مثل هذه الإنتخابات النزيهة بعد الإطمئنان على فصل الجنوب، فالمشهد السياسي يقول ان كُل الصيد في جوف الأمام ، إذا ما أحسن اللعب وكف عن التصريحات الكثيرة (وروق المنقة شوية) واتجه إلى العمل الداخلي المُنظم وسد أُذنيه عن أغراءات الغازي وغيره من البهلوانات اللاعبين على كُل الحبال، ولا أظن أن الإمام يرضى لنفسه أن يكون أقل من مُساعد حلة (كما تحسر مناوي)، وبهذه المناسبة فقد كان شاعر الإتحادي الديمقراطي في الستينيات يستهل الليالي السياسية لحزبه بالقول "عرفناك يا جبهة الميثاق ترلة ** وحزب الأمة ليك سواق"، فهل بعد أربعة عقود يتحول حزب الأُمة من مقعد السواق إلى "ترلة سايقة قُندراني، بدون أنوار !!!".

كما لابُد من الإستفادة من دروس المسخرة الأخيرة، وأبرزها:

- تصحيح أخطاء مفوضية الإنتخابات، بدءاً من تشكيلها مروراً بقانونها وضبط ممارساتها.

- تصحيح قانون الإنتخابات  بمنح المُغتربين حقوقهم الدستورية المشروعة والسماح لهم بالتصويت (لاجئين وغير لاجئين) في كافة مستويات الإنتخابات، وبالمناسبة فإن عدد المُغتربين يساوي عدد سُكان جنوب السودان، وجُلهم من ضحايا نظام الإنقاذ والمعارضين له.

- تنفيذ المطالب الثمانية التي إشترطها حزب الأُمة للدخول في الإنتخابات، وأهمها تحييد الإعلام المُقزز، وتمويل الأحزاب والفصل بين الدولة والحزب.

 

أما قوى السودان الجديد المتشرذمة في عشرات التنظيمات السياسية بدون أدنى مُبرر موضوعي، فعليها التنادي فوراً إلى مؤتمر تأسيسي عاجل للحزب الجديد للسودان الجديد، بعد أن أصبح الإفتراق عن الحركة الشعبية (بدون مشاكل وشتائم) أمراً محتوماً، ومع أهمية التريث حتى لا يبدو الأمر وكأنه مجرد رد فعل لسلوك الحركة الشعبية المُشين، إلا أن على قادة قطاع الشمال في الحركة الشعبية عدم دفن رءوسهم في الرمال والرد على الأسئلة الكثيرة التي تدور في صدور قوى السودان الجديد وتبديد البلبال الذي أحدثه الإنسحاب العجيب لعرمان من السباق الرئاسي، وكما قُلت سابقاً فقد كان من شأن إستمراره في خوض الإنتخابات كشف وفضح التزوير بصورة أكثر وضوحاً، وفي ذات الوقت يكون مُحتفظاً بحقه في عدم الإعتراف بشرعيتها، وبكُل صراحة فقد كانت الإنتخابات أكثر تزويراً وفساداً في الجنوب، ولهذا تتعين إعادتها في الدولتين المنفصلتين بعد الإستفتاء، ولأن ما يهُمنا الآن هو السودان الجديد فإن أمام قادته والمُبشرين به (منصور خالد وعرمان والحلو وعقار وكمير وعبد العزيز خالد ومناوي ودانيال كودي وخميس جلاب ومؤتمر البجة وتجمع كُردفان للتنمية وحركة حق، ومنظمات حقوق الإنسان المحلية والحركة النسوية المُستنيرة ،،، إلخ ) مسئولية تاريخية كبيرة، فهل هُم على قدر التحدي والآمال العريضة التي علقتها عليهم الجماهير التي خفت لإستقبال قرنق في يوليو الأغر، والتي إستبشرت وتفاءلت ببزوغ فجر الأمل والتغيير بترشح ياسر عرمان؟؟. وبلا شك فإن جماهير الأمل والتغيير موجودة والبرنامج الذي لا مناص منه موجود (مبادئ السودان الجديد الذي يسع الجميع)، فمن يتقدم ليتسلم راية القيادة وتأكيد أن حواء السودان ولاًدة!!!!!، لأن إستعادة جماهير أكتوبر وأبريل والساحة الخضراء ومسيرات عرمان، في مُكنة الأيدي إن صح العزم.

 

 

حكاية:

في مُنتصف عام 2008، إنعقد في جوهانسبرج (جنوب إفريقيا) مؤتمر الأحزاب التقدمية في العالم الثالث، وقد شارك الحزب الشيوعي السوداني بوفد برئاسة سكرتيره العام/ محمد إبراهيم نٌُُقُد، وكان علي أن أقل الوفد في سيارتي بعد مُشاركتي في المؤتمر بصفتي المهنية (مُترجم) من جوهانسبرج إلى بريتوريا، تلبية لدعوة عشاء أقامها أحد الأصدقاء الكرام للوفدين السوداني والمصري، وفي ذلك العشاء السياسي المحض سأل السيد/ نٌُقُد، (بعد أن وضعناه على الكُرسي الساخن وأرهقناه بالأسئلة والإتتقاد والتنظير)، الصحفي/ تعبان دينق، عن موقفه من الوحدة والإنفصال، وترجاه أن يجاوب بوضوح ودون مواربة، فقال تعبان " بكُل صراحة؛ هذه المسألة تعتمد على نتيجة إنتخابات 2010، فإذا فازت قوى السودان الجديد في الشمال والجنوب، فهُنالك أمل للوحدة، أم إذا قرر الشعب السوداني إختيار قوى السودان القديم (وعلى رأسها الجبهة الإسلامية) فسوف نأخُذ الطريق السريع (The high way) !!!!.

والغريب أن تعبان دينق وجماعته لم يتنظروا الإنتخابات بل ارتعبوا من مُجرد إحتمال فوز قوى السودان الجديد، فيمموا شطر الطريق السريع باكراً حتى يصلوا إلى محطة الإستفتاء (الميس) بدون أي عراقيل.

mahdi osman [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]