عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

 

اغتنم منبر السودان الديمقراطي، في (بريتوريا) سانحة زيارة الصحافي السوداني المُتميز/ فيصل مُحمد صالح، لجنوب إفريقيا في مُهمة إعلامية تدريبية بالبرلمان الإفريقي، واستضافه ليكون المتحدث الرئيس في ندوة بعنوان "الإنتخابات السودانية؛ مأزق أم مخرج !!" وذلك في شهر مايو /2009  "أي قبل حوالي ثمانية شهور من الآن" ولقد أدهش الأخ/ فيصل، الحضور بتأكيده على أن الإنتخابات قائمة في ميقاتها قبل إستفتاء حق تقرير مصير جنوب السودان، مُعللاً ذلك ومُنافحاً عن رأيه السديد "الذي تبين صوابه مُتأخراً" بأن الإنتخابات شرطُ لازم من شروط إتفاقية نيفاشا التي تُعد جزءاً لا يتجزأ من الدستور الإنتقالي (بل أعلى منه) وأضاف بأن لشريكي الُحكم مصلحة في إجرائها؛ فالمؤتمر الوطني يسعى للإستحواذ على شرعية (بأي طريقة كانت) لمواجهة المجتمع الدولي ومحكمته الجنائية، بينما الحركة الشعبية تتلهف لعبور محطة الإنتخابات للوصول إلى شاطئ الإستفتاء الجاذب.

 

وقال فيصل "ثاقب الرأي" أن الإنتخابات – رغم العلل والنواقص التي قد تعتريها وسوف تعتريها"، هي الآلية الوحيدة المُتاحة في الوقت الراهن للتغيير، بعد أن وصل الصراع بين القوى السياسية (حكومة ومعارضة) إلى حالة المُعادلة الصفرية، ونصح الأحزاب السياسية بأخذ أمر الإنتخابات مأخذ جدٍ والإستعداد لها وخوضها بهدف تقليل حصة المؤتمر الوطني في كيكة السُلطة (هذا إن لم تتمكن المُعارضة من إعادة الجبهة الإسلامية إلى حجمها الطبيعي كحزب أقلية عقائدية) وفي ذات الوقت دعا الأحزاب وقوى المجتمع المدني وحثها على الضغط على الحزب الحاكم للحصول على أفضل شروط ممكنة وتقليل إحتمالات التزوير (الذي لا ولن تسلم منه أي إنتخابات في ظل دولة العصابة القابضة التي برع سدنتها ومبعوثوها في التضليل والكذب والتزوير، مهما كان نوع الإنتخابات ودرجة أهميتها بدءاً من إنتخابات الجاليات وليس إنتهاء بنقابات المُحامين، الذين يُفترض فيهم قدراً معلوماً من النزاهة والتقيد بأخلاقيات المهنة، ولكن يا للأسف).

ولقد قابلت فيصلاً قبل أكثر من أسبوعين (يوم الثلاثاء 16/02/2010) في ندوة مُماثلة أقامها "مركز دراسات السلام والإسلام المُعاصر" بالخرطوم، تحدث فيها رهط من المُهتمين بالشأن العام منهم/د. عدلان الحاردلو، وبروف/ حسن مكي، والأستاذ/ الحاج وراق، وعقب عليها/د. عبد الله علي إبراهيم؛ والأستاذ/ فيصل، الذي أعاد ذكر نبوءته التي صارت حقيقة ماثلة.

 

دارت الأيام؛ وها هي أحزابنا تصحو فجأة من سُباتها لتجد أن الإنتخابات حقيقة واقعة ولا مناص منها ولا بديل عنها، بل وتدرك مُتحسرة أنها ربما أضاعت فرصة نادرة لإحداث تحول ديمقراطي حقيقي، خاصةً بعد التصدع الكبير الذي يشهده الحزب الحاكم (حزب المؤتمر الوطني) وإنكشاف حقيقة أمره وأنه ليس سوى مُجرد تجمع للإنتهازيين وطُلاب السُلطة والمال والمُغرر بهم والذين في قلوبهم مرضُ، واتضح أن المجموعة الحاكمة لا تملك أي سند شعبي حقيقي (وإن سيطرت على جهاز الدولة والأمن ووالسوق ومال البترول، ففسدت وأفسدت كل ضعيف ومُستألف).

 

يمور المشهد السياسي السوداني الآن بحراك نادر وفوران أفرز ويُفرز يومياً مُعادلات وحقائق جديدة، منها الإيجابي ومنها السالب، ويمكن تلخيصها في الآتي:

 

الإيجابيات:

-           إنكشاف هشاشة تركيبة حزب المؤتمر الوطني وإتضاح ضعف ولاء عضويته، التي لا يجمعها رابط سوى المغانم مما جعل أهزوجة (ما لدُنيا قد عملنا نحن للدين فداء) أضحوكة العصر وكذبة أبريل القادم، وتحورت أهزوجتهم الثانية إلى " لا لله؛ هي للدُنيا، هي للجاه". وقد تجلى هذا التهافت بصورة سافرة ومُقززة في الصراع الشرس على الترشُح للإنتخابات، مما أدى إلى إنسلاخ كثير من قيادات الحزب الحاكم وترشحهم كمُستقلين، وهذا بدوره يُهدد بفقدان الحزب لعدد مُقدر من مناصب ولاة الولايات (ولايات شمال كُردفان "ميرغني عبد الرحمن" وكسلا "مجذوب موسى" والبحر الأحمر"عبد الله أبوفاطمة، مثالاً)، وكثير من الدوائر الجغرافية على المستويين القومي والولائي، وإذا أضفنا إلى ذلك ولايات الجنوب العشرة وولايات دارفور الثلاثة وولايتي جنوب كُردفان وجنوب النيل الأزرق، (يصبح العدد 18 ولاية)، وبذا يتبين أن المؤتمر الوطني يواجه وضعاً صعباً (حيص بيص) في ما يخُص مناصب الولاة، ورئاسة الجمهورية، والمجالس التشريعية.

-           بلغ إجمالي عدد الذين تم إعتماد ترشيحهم رسمياً للإنتخابات على كافة مستوياتها (التنفيذية والتشريعية، القومية والولائية،،،، إلخ) حوالي 14,000 "نعم، أربعة عشر ألف مُرشح ينطح مُرشح"، ولو افترضنا جدلاً بأن لدى كُل مُرشح لجان إنتخابية (دعاية وإعلان، ضيافة وسفر، ومُراقبة، وحشد وتأييد،،، إلخ) تتكون من مائة (100) شخص فقط، لأصبح لدينا 1.4 مليون ناشط إنتخابي، يُجادلون وينتقدون ويُقيمون ويفندون حُجج الخصوم ويُراقبون الإنتخابات بعيون لا تنام، وهذا بلا شك من شأنه أن يخلق ديناميكية سياسية/شعبية إفتقدتها الساحة السياسية طيلة العشرين عاماً الماضية، إنفرد فيها تيار المتأسلمين وتجار الدين بالساحة دون منافس.

 

-           إضافة إلى ماتقدم وتعزيزاً له، فإن الإنتخابات أضحت وأمست الموضوع الأساسي الأثير لدى كُل السودانيين، ففي الحافلات ومناسبات الأفراح والأتراح وجلسات الأُنس والنميمة وخُطب المساجد،،، إلخ، لا حديث للعامة والخاصة إلا الإنتخابات وماذا قال المُرشح الفلاني وماذا فعل الحزب العلاني، وبلا شك يمتد الحديث ليشمل البرامج والإنجازات والإخفاقات والمواقف من المحكمة الجنائية الدولية وإتفاقيات السلام ودارفور، والفساد والإفساد "وهذا موضوع يحتاج إلى مُجلد كامل، وسنفرد له مقالاً لاحقاً"، بل صار الناس يبدون رأيهم جهرة أمام قوش وأضرابه، دون وجل أو خوف، وينتقدون مفوضية الإنتخابات ويحاكمونها على تحيُزها البائن، ويتندرون على بؤس أداء إعلام حاتم سليمان وجادين، ووزيري والآلية الإعلامية القومية الكذوب. وهذا يعني أن النظام الحاكم ورموزه يخضعون الآن لمُحاكمة شعبية كُبرى في كل بيت ومكتب، وهذا جوهر وغاية عمل الأحزاب السياسية ومنظمات المجتمع المدني "بث الوعي ما استطاعت إلى ذلك سبيلا".

 

السلبيات:

-           تغييب المُغتربين عن قصد وسابق تدبير وحرمانهم من مُمارسة حقوقهم الدستورية بحيل شيطانية إنطلت على الكثيرين، ولقد برع المؤتمر الوطني في تغبيش الرؤى والتشويش وتخذيل المغتربين وحرمانهم من التسجيل لعلمه يقيناً أن جُل المُغتربين والمُهاجرين ما خرجوا من أوطانهم إلا بعد أن ضاق بهم الحال نتيجة سياسات الإحالة "للصالح الخاص" و "رفع المعاهُم" وتدمير القطاع العام بإسم إعادة الهيكلة والخصخصة والتحرير الإقتصادي، وقد نجحت خُطة المؤتمر الوطني نجاحاً باهراً، إذ بلغ عدد المُسجلين من المُغتربين (الذين يحق لهم الإقتراع في إنتخابات رئاسة الجمهورية فقط، حوالي 100,000 – منهم 60% بالسعودية)، علماً بأن عدد المُغتربين يبلغ 5 مليون على أقل تقدير (أي أن نسبة التسجيل بالخارج بلغت 2% فقط في الوقت الذي بلغت فيه نسبة التسجيل بالداخل 80% ويالها من مُفارقة !!!!). لذا فإن الواجب الأول للبرلمان القادم وللجان الجاليات تعديل هذا الوضع الشائه، والإصرار على أن يكون حق التسجيل مكفولاً لكُل مواطن يحمل وثيقة تُثبت أنه سوداني (جواز سفر، جنسية، بطاقة مغتربين، شهادة ميلاد،، إلخ) بغض النظر إن كان هذا المُهاجر/المُغترب لاجئاً أم مُقيماً بصفة شرعية أو غير شرعية في دولة المهجر، فالدستور ينص على أن المواطنة (الجنسية) هي أساس الحقوق والواجبات وليس الإجراءات الإدارية (نوع الإقامة) التي تخُص دول اللجوء والمهجر. وينبغي على لجان الجاليات والقانونيين وخاصةً خُبراء القانون الدستوري من المُغتربين تصعيد هذه المسألة إلى منظمات حقوق الإنسان والمحافل الإقليمية والدولية ذات الصلة.

-           إدراك أحزاب المُعارضة المُتأخر لحقيقة قيام الإنتخابات وجدواها، وبالتالي ضعف وسوء الإعداد لها، ولكن "العترة بتصلح المشي"، وفي هذا الصدد يُلاحظ كثرة عدد الأحزاب وتشابه برامجها وأسمائها، ولا أدري السبب في عدم تكوين جبهة/تحالف/مؤتمر يضُم هذه الاحزاب المُتشابهة، شكلاً ومضموناً.

-           نتيجة للعامل أعلاه، ولسياسات فرق تسُد التي إتبعها نظام الجبهة الشيطانية، برزت الجهوية والقبلية بشكل لافت، وأصبح الإنتماء القبلي سيد الموقف في كافة الأقاليم ودون إستثناء، ولكن والحمد لله (الذي لا يحمد على مكروه سواه) إرتد كيد الإنقاذ في نحرها، وسوف تدفع باهظاً ثمن هذه السياسة اللامسئولة، قصيرة النظر.

-           غياب البرامج العملية والأطروحات الفكرية، فالمؤتمر الوطني لم يعد يتحدث عن المشروع الحضاري؛ وعرمان وحده من يتحدث عن السودان الجديد ولكن يبدو أنه كمن يؤذن في مالطة (ومع ذلك يُحمد له تمسكه بجمر الوحدة). هذا الضعف الإيديولوجي أفسح المجال لأن يكون الإختيار والتنافس بناءً على الصفات الذاتية للمُرشحين، وهناك عدة أمثلة على ذلك منها حالة المُرشح الأوفر حظاً للفوز بمنصب والي شمال كُردفان، وحالة رئيس حزب المؤتمر السوداني/إبراهيم الشيخ، ومُرشحه بمدينة النهود، مركز قبيلة حمر ومعقل حزب الأُمة (وهو لا حمري ولا حزب أُمة) ولكنه على المستوى الشخصي شابُ عُصامي/براغماتي، لا تنقُصه الرؤية ولا القُدرة، أما على المستوى السياسي فحزب المؤتمر السوداني (المُنبثق عن حركة الطُلاب المُستقلين برعاية المرحوم/ عبد المجيد إمام)، يُجسد تيار الوسط المُستنير، ولهذا الحزب مستقبل واعد، إن بنى إستراتيجيته على لملمة وتوحيد قوى الوسط ويسار الوسط.

-           يُلاحظ غياب دور المرأة، حيث أن وجودها في القوائم الحزبية العامة لا يتناسب مع حقيقة تشكيلها لنصف عدد الناخبين، وأنها أكثر الفئات إكتواءً بنار الإنقاذ (تشريد أرباب الأُسر، زج الأزواج والأبناء في محرقة الجهاد، عطالة الخريجين والخريجات، إضطهاد المرأة من خلال قانون النظام العام،، إكتظاظ السجون بنساء الهامش،،،،إلخ). 

-           الإستغلال الفاضح لموارد وأموال الدولة وأجهزة الإعلام الرسمية في الدعاية لمُرشحي المؤتمر الوطني؛ البشير، نافع، غازي صلاح الدين، صلاح قوش، مصطفى عُثمان، علي كُرتي، وغيرهم،،،، إلخ، ومع ذلك لن يأتي هذا التهريج والتطبيل الإعلامي بأي نتيجة، فالإنقاذ تحتكر الإعلام منذ عشرين عاماً ولن يفرق كثيراً إستمرار إحتكارها لشهرٍ آخر، فواقع الحال البائس كفيل بدحض أي دعاية إعلامية، ولعل إستقبال قرنق بالخرطوم عام 2005، وإستقبال الميرغني في كسلا أول أمس، واستقبال بُرمة ناصر (وليس الإمام الصادق) في نيالا، رسالة مُفادها أن الولاءات التقليدية لا تتغير بسهولة أو من خلال المذياع والتلفزيون والرقص مع الذئاب، وإنما بالتنمية العادلة والحُكم السياسي الراشد الذي لا يفرق بين المواطنين بسبب قبائلهم أو لون بشرتهم.

 

التكهنات:

-           بالرغم من العدد الكبير نسبياً للمُرشحين لمنصب رئيس الجمهورية (12 مُرشحاً)، إلا أنه من الواضح أن هُنالك ثلاثة مُرشحين جديين؛ وهُم: مرشح المؤتمر الوطني/ عُمر حسن أحمد البشير، ومُرشح الحركة الشعبية/ ياسر سعيد عرمان، ومُرشح حزب الأُمة القومي/ الصادق الصديق المهدي، أما بقية المُرشحين التسعة فلكل منهم أسبابه التي تتراوح بين إثبات الوجود الحزبي والشخصي، وبين السعي للشُهرة أو نيل دُريهمات يُقال أن الدولة تمنحها لكُل مُترشح لإعانته في حملته الإنتخابية، ويتوقع المراقبون أن تُجرى إنتخابات إعادة بين إثنين من المُرشحين الثلاثة المذكورين آنفاً.

-           لن يتمكن أي حزب من إحراز أغلبية مُطلقة منفرداً "رغم الحرب النفسية التي يشنها نافع الحانوتي - كما وصفه الإمام"، ولذا فإن التحالفات السياسية قبل وبعد الإنتخابات ستعيد تشكيل الخارطة السياسية التي لن تكون أبداً كما كانت قبل الإنتخابات.

 

أسئلة حائرة

-           هل ستُجرى الإنتخابات في دارفور، أم ستؤجل؟ وهل يُمكن إجراءها دون مُشاركة الحركات المُسلحة (التي لم تتحول إلى أحزاب، حسبما يتطلب الدستور وقانون الإنتخابات، وبالتالي لم تتُقدم بمُرشحين- وقد تم قفل باب الترشيح)؛ وهل تعترف تلك الحركات بنتائج إنتخابات لم تُشارك فيها؟ وكيف سيتم تمثيلها بدون إنتخابات، وكلاً منها يدعي أنه الأكثر شعبيةً؟.

-           جنوب كُردفان: تم تأجيل الإنتخابات في جنوب كردفان، ولكن إلى متى؟ (قبل الإستفتاء أم بعده)، وبما أن الحكومة هي التي اتخذت هذا القرار (وليس مفوضية الإنتخابات، حسبما ينُص قانون الإنتخابات)، فلماذا لا تفعل ذات الشئ في دارفور؟ وإذا تقرر تأجيل الإنتخابات في دارفور وجنوب كردفان، فلماذا لا تؤجل في كُل السودان؟.

-  ما هو مصير نواب الحركة الشعبية بالبرلمان القومي والمجالس التشريعية الولائية؛ إذا أتت نتيجة الإستفتاء (بعد ثمانية أشهر فقط من الإنتخابات التي تتكلف حوالي مليار دولار!!) لصالح الإنفصال كما هو متوقع على نطاق واسع؟، وهل يجوز أن يكون المرء نائباً لحزب يوجد في دولة أُخرى؟.

 

كلمة أخيرة: لا مخرج من الأزمة إلا بمُشاركة الجميع في إزالة نظام الجبهة الإسلامية من خلال صناديق الإقتراع، كمخرج وأمل وحيد للمحافظة على وحدة التراب السوداني أولاً، ثم إصلاح الخراب الذي حدث خلال العقدين الماضيين، وهو خرابُ لو تعلمون كبير، ومن رأى ليس كمن سمع. ثم ينبغي من الآن اتخاذ الإجراءات الكفيلة بإستدامة الديمقراطية حتى الدورة الإنتخابية القادمة، والإستعداد لها من الآن بالإستفادة من الأخطاء وتصحيحها.

 

وكل إبريل وأنتم بخير