عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

يسُرني استهلال هذا المقال بإزجاء التهنئة لُإدارة وقُراء وكتاب صحيفة الراكوبة بمناسبة عيد الفطر المبارك، والتهنئة موصولة أيضاً للدكتور حيدر إبراهيم، الذي أكد لنا بمقاله -الشاحذ للفكر والتفاكر -بلوغه تمام التعافي وطمأننا بأن العارض الصحي الذي ألم به وآلمه وآلمنا جميعاً، لم يجبره على إلقاء سلاحه أرضاً، وأن زناد عقله الراجح لا يزال يقدح رؤى ناقدة تستند على التحليل الموضوعي للحقائق كما هي، ولعل الزخم الذي تجده مقالاته ما بين المادح والقدح، إنما يعود إلى حالة الاستعداد والتحفز (حد الغلو والتربص، والخروج عن النص أحياناً) التي تسود الساحة السياسية السودانية عموماً وساحة الحركة الشعبية على وجه الخصوص، على إثر الزلزلة الداوية التي تسببت فيها استقالة "الكومريد"/عبد العزيز الحلو، وماتبعها من تداعيات، يصفها مؤيدوه بالثورة التصحيحية، بينما يدمغها مناوئوه بالإنقلاب على ثوابت رؤية السودان الجديد.
وللمفارقة فقد سعى كُل فريق إلى اللواذ بمشروع السودان الجديد كحاضنة وأرضية فكرية لمواقفه، انطلاقاً من تفسيره الذاتي للمشروع الذي يدعي الطرفان أنهما يؤمنان به وينطلقان منه!!. ففريق "الفريق"/الحلو، يجد في نظرية "جدلية صراع المركز والهامش"-كما صاغها د. أبكر آدم إسماعيل، وهتفت بها جموع القوميين من أبناء جبال النوبة، بقيادة أمين زكريا قوقادي وعادل شالوكا وقمر دلمان ودريج (وأخيراً؛ عبدالعزيز الحلو)، إلى آخر عقد دُعاة تقرير مصير جبال النوبة- سبباً وجيهاً للمطالبة بتقرير المصير (المصطلح المهذب أو المُدغمس للانفصال)، وبالتالي فإنهم يعتقدون أن انفصال هذا المركز "المُهمش ثقافياً واجتماعياً"، هو الحل الناجع لقضية تهميشهم وإقصائهم عن صُنع القرار، طالما أن هذا المركز العروبي/الاسلاموي لا يُريد أن يتخلى طواعيةً (عبر التفاوض السلمي) أو قسراً (عبر الكفاح المُسلح) عن امتيازاته الاقتصادية واستعلائه العرقي وهيمنته الثقافية، التي اكتسبها أو اغتصبها منذ دخول العرب السودان، وتمكنهم بإنشاء مملكة سنار.
ويرى الفريق المناوئ للحلو (الوحدويون)، أن السبيل الأمثل لتشخيص ومعرفة أسباب نزاعات السودان (وغيرها من النزاعات في كثير من الدول والأمم التي في طور النشوء والتشكُل)- ومن ثم علاجها بطريقة علمية وموضوعية- إنما يكمن في الاستعانة بأدوات التحليل الاقتصادي الاجتماعي كالواقعية النقدية (Critical Realism) التي انطلقت من نقد الماركسية وانتهت بنفي الكثير من مقولاتها المركزية، وعملت على تطويرها وتطويعها لتتلاءم مع حقائق العصر، وذلك بعد تحريرها من أسر الحتميات الصمدية (Deterministic) التي ثبت خطلها عملياً، بشهادة ارتداد دول المعسكر الاشتراكي إلى رأسمالية الدولة بدلاً عن التقدم نحو الجنة الشيوعية الطوباوية الموعودة.
ولا مُشاحة في أن ينطلق د. حيدر (بخلفيته العلمانية) من هذه الأرضية الفكرية، واستخدامها كأداة (Approach/Paradigm) لتحليل الظواهر الاجتماعية، باعتباره باحثاً ثبتاً وخبيراً متمرساً في هذا الضرب المعرفي، كما لا يضيره شيئاً ولا يشينه البتة، الصدع بحقيقة أصوله العرقية التي لم يكن له يد في اختيارها، مع أننا نرى أن "جلابي ودنقلاوي وفلاتي" ليست أكثر من انتماءات وهمية لا معنى لها في أرض الواقع.
* -إن د. حيدر لم يكن الأول ولن يكون الأخير الذي يُعزي حروب ونزاعات السودان المتواترة، إلى العوامل الاقتصادية/الاجتماعية، فقد سبقه إلى ذلك السير/ د. دوجلاس جونسون (الذي اختير عضواً باللجنة الدولية لرسم حدود منطقة ابيي-لخبرته العميقة بالقضايا السودانية) وقد أسهب في كتابه بعنوان "الأسباب الجذرية للحروب الأهلية في السودان" في شرح أسباب هذه النزاعات، كما سار على ذات المنوال د. محمد سليمان محمد في كتابه "السودان حروب الموارد والهوية-الطبعة الأولى عام 2000" بالإضافة إلى مؤلفات بروفيسور/ ر. س. اوفاهي، ود. عبد الباسط سعيد، وغيرهم من البحاثة والأكاديميين، السودانيين والأجانب، الذين تناولوا نزاعات وحروب السودان من منظور التحليل الاقتصادي/الاجتماعي. كما أن تقارير مكتب البيئة بالأمم المتحدة (UNEP) عن السودان أشارت كثيراً إلى أن العامل الاقتصادي الناتج عن الجفاف والتصحر وتدهور الإنتاج الزراعي، يُعتبر من العوامل الأساسية في تفجر صراع الموارد الطبيعية المتناقصة (الماء والمرعى) وازدياد الطلب عليها، وبالتالي التسبب في ارتفاع وتيرة الحروب بين الرعاة والمزارعين.
ولقد أستندت على منهج التحليل الاقتصادي الاجتماعي (Socio-Economic Analysis) في دراستي البحثية عام 1980، عن مشاكل الزراعة الآلية في الحزام الطيني الفاصل بين شمال وجنوب السودان. والتي جاء فيها:


THE POLITICAL IMPLICATIONS:
……..“IT is not only the economics of mechanization at the farm level that have to be considered but also the impact of mechanization on the social and political framework and on the distribution of the economic power. The central clay plains belt of Sudan has a unique geo-political importance. By looking at the map of Sudan, we find that this belt separates the country into two distinct parts, the Northern part with its Islamic-Arabic culture, and the southern part with its Afro-culture. Because of this political position, stability in this belt is essential for the stability of the country as a whole. The demonstration effects of this region will influence the mode of production of future development projects in Sudan. The existing organizational structure, which is a capitalist mode of production, will lead to accumulation of wealth in the hands of the small elite. It could eventually create a mass of landless laborers, and this is an obvious area of potential class confrontation. It is no secret that Sudan is seeking decentralization and a regional system of government. This necessitates the fair distribution of development projects over all the different regions, so as not to make some regions dependent on others. The expansion in the mechanized area is presently concentrated in the northeast part of the region. It should be extended towards the western and southern parts to create the regional balance, which is badly needed. The existing organizational structure and leasing system is biased in favor of large farmers, and creates a group of suitcase farmers. No real effort has been made to help the traditional farmer. The credit services offered by the Agricultural Bank of Sudan (A.B.S.) and the Mechanized Farming Corporation (M.F.C.) should be directed towards the peasant farmer with a view to transforming traditional agriculture into a modern industry".
*- Problems of Mechanized Rain-fed Agriculture in the Central Clay Plains of Sudan, (Socio-economic Analysis) - Submitted in partial fulfillment of the requirements for the degree of Master of Science in Agricultural Economics (Development Planning). Wye College (University of London)-1980: By M.I. Mahdi Osman.

*- تكمن أزمة تخلف السودان وغيره من الدول التي يُطلق عليها مواربةً "الدول النامية" في تخلف وسائل الإنتاج وعدم عدالة علاقاته، ومن هنا ينتج الحيف الاقتصادي (نظرية فائض القيمة) الذي يتبلور في تهميش فئة حتى حد الإملاق والإدقاع، وثراء فئة حد الفُحش والتخمة، وهذا التباين لا يتقيد بالموقع الجعرافي أو الأصل العرقي أو المذهب الديني أو الخلفية الثقافية، ولقد صك الراحل د. جون قرنق هذه الرؤية وصاغها في مشروع"السودان الجديد"، الذي تبلور في اتفاقية السلام الشامل (اتفاقية نيفاشا 2005) التي تأسست على إزالة الظُلم الاقتصادي والإقصاء الثقافي والاستعلاء العرقي، الذي يتجسد في أشكال ومظاهر عديدة (سلوكية وثقافية وتراتيبية اجتماعية،، إلخ)، وقد عالجت اتفاقية نيفاشا هذه المظاهر السالبة، من خلال النص على المُشاركة في السُلطة السياسية على مستوى المركز (48% للمؤتمر الوطني، و32% للحركة الشعبية، و14% للمعارضة الشمالية، و6% للمعارضة الجنوبية) وقسمة ثروة البترول مناصفة بين المركز والاقليم مع تخصيص نسبة 4% للمُجتمعات المحلية (48% للحكومة المركزية، و48% لحكومة الجنوب و2% للدينكا و2% للمسيرية) ، وهذا لحمة وسداة اتفاقية السلام الشامل 2005.
*-لا شك في أن حق تقرير المصير: حق إنساني أصيل، وللذين يرون فيه حلاً لتهميشهم الاقتصادي وتمييزهم الاجتماعي وإقصائهم الثقافي، الحق "كُل الحق" في المطالبة به شريطة أن يتم ذلك بالصوت الجهير دون إدعاءٍ كذوب بالباسه ثوب الوحدة أو إدعاء تحرير السودان كُله، لأن الدعوة في هذه الحالة تكون "كلمة حق أريد بها باطل". رغم القناعة الراسخة بأن وجود ظُلم أو تمهيش على أي فئة اجتماعية، لا يُبرر انفصالها، إذ ثبت بالدليل القاطع (حالة جنوب السودان) أن الانفصال والانعزال، لا يعني سوى الهروب إلى الأمام)، وبالتالي لا ولم ولن يحل أزمة الإقصاء و/أو التهميش، بل قد يفاقمها، كما حدث في دولة جنوب السودان. بالإضافة إلى أن الانفصال مسار باهظ التكلفة، بل وغير مُمكن في حالة إقليم جبال النوبة نتيجة التداخل العرقي والتصاهر الأسري، وقد يؤدي إلى استقطاب حاد على أساس أثني صريح، مما يعقد المسألة أكثر ويدفع بالقبائل ذات الأصول العروبية إلى الاصطفاف مع المركز دفاعاً عن سُبل كسب عيشهم وحقوقهم المُكتسبة في النار والماء والكلأ (فالناس شُركاء في ثلاثة). وعلينا ألا ندفن رؤوسنا في الرمال ولنتعظ بتجربة الجنجويد في دارفور، وحرب المراحيل والدينكا في جنوب كُردفان (صراع الهامش والهامش، كما قال د. حيدر)، ومجازر الإبادة بين الهوتو والتوتسي في رواندا، ومقتلة السُنة والشيعية الماثلة بين أيدينا.
وعلى كُل حال فإن علاج التهميش الواقع على أي فئة اجتماعية لا يكون بانفصالها و "فرز عيشتها"، وإنما يكون بإزالة أسباب هذا التهميش، ومن ثم التعايش على أساس المواطنة المتساوية في الحقوق والواجبات، غض النظر عن أي تمايز أو امتياز، فالمرأة مثلاً؛ تُعد من أكثر الفئات الاجتماعية عُرضةً للتهميش والقهر، فهل تطالب بحق تقرير المصير والانفصال؟؟ ولئن جاز لها ذلك على المستوى الفردي/الأسري، إلأ أنه لن يُعالج قضيتها على المستوى الفئوي - أو حتى على مستوى الأسرة) لأنها قد تخرج من قهر وتهميش الزوج لتقع في أتون قهر وتهميش الأب و/أو الاخ!!!، طالما أنها تعتمد عليهم اقتصادياً ومالياً، ولذلك فإن علاج مُشكلتها يكمن في المساواة والعدالة في الحقوق والواجبات والمُشاركة في السُلطة والثروة (وهذا لب وجوهر رؤية السودان الجديد ومعالجته للنزاعات السودانية) ولذلك فإني فإن رؤية السودان الجديد لا ترى في حق تقرير المصير حلاً، بل إنها ربما تتناقض معه وتنفيه، رغم الإقرار به كحق إنساني أصيل من حقوق الإنسان التي كفلها العهد الدولي لحقوق الإنسان، وليس هنالك أدنى شك في أنه لا يعالج قضية تهميش أو إقصاء أي فئة اجتماعية أو مجموعة اثنية أو طبقة اقتصادية، أياً كان موقعها الجغرافي أو تصنيفها الاجتماعي.
*-ثمة ضباب كثيف يُحيط بمصطلح "جدل الهامش والمركز" وماذا نعني به، إذ يبدو أن الكُل يُغني على ليلاه، فالبعض يقول إنه صراعاً ثقافياً، بينما يراه آخرون من منظار عدم التوازن التنموي. ولعل جُل الصادحين ينتهون إلى توصيفه وتعريفه جغرافياً، كصراع بين مركز السُلطة الذي تمثله العاصمة المثلثة (لحم الراس أو كرش الفيل)، وبين الأقاليم (الأكثر تجانساً عرقياً وثقافياً واقتصادياً)، فالعاصمة أصبحت بفضل نزاعات وحروب الهامش الجغرافي أكبر مستوطنة عشوائية للمُهمشين في السودان، ولم ينزح إليها هؤلاء القادمين من الهامش الجغرفي لكي ينشروا ثقافاتهم أو فنونهم أو آدايهم أو لغاتهم المحلية، وإنما أتوا إليها ليسدوا رمقهم ويضعوا قليلاً من شوربة الماجي "وجداد الله كتله" في بطونهم الخاوية. بل أن عبد الله بن سعد بن أبي السرح لم يأت إلى أرض رُماة الحدق من أجل نشر رسالة الاسلام (التي ارتد عنها، وهو من كتاب الوحي، ولم ينفذه من القتل بعد فتح مكة إلا شفاعة شقيقه في الرضاعة-عثمان بن عفان)، فابن أبي السرح، عاد راجعاً أدراجه تاركاً أجدادنا في كُفرهم بعد أن أبرم اتفاقية البُقط التي تعلمون نصوصها جيداً (365 عبداً فرز أول، وقناطير من الذهب والعاج وريش النعام). ولماذا نذهب بعيداً ونغوص في أغوار وأضابير التاريخ، فكتب تاريخنا الحديث، تقول لنا بدون لف ودوران، أن عامل خليفة المسلمين العثماني "الخديوي محمد علي باشا" أتى إلى السودان غازياً (1821) من أجل ذهب بني شنقول وسواعد العبيد المفتولة (عناصر الإنتاج الاقتصادي التقليدي)، ولم يأت مُبشراً بالمشروع الحضاري!!!.

في الجُزء الثاني من هذا المقال نستعرض مبررات ومسوغات انقلاب الفريق الحلو أو ثورته التصحيحية (حسب موقعك من إعرابها)، وما إذا علاجها بشق الحركة عمودياً وافقياً أم أن هنالك ثمة طريق ثالث كفيل بتصويب أخطائها والحفاظ على رؤيتها ووحدتها (علماً بأن الرفيق الفريق كان جُزءاً أساسياً من عدم المؤسسية التي أشار إليها غيره باكراً).
أما الجُزء الثالث والأخير (بإذن الله) فسوف يكون اسهاماً متواضعاً بالرأي وخارطة طريق، للخروج من هذا المأزق الذي يشبه "بيضة أم كتيتي-كان شلتها بتقتل أمك، وكان خليتها بتقتل أبوك) !!.
* خاتمة ومناشدة:
نُناشد إدارة صحيفة الراكوبة ألا تجبر كُتابها على التعامل مع الأشباح الذين يتوارون خلف أسماء مُستعارة (وجلهم من الدجاج الإلكتروني)، إذ أنهم تعليقاتهم لا تُضيف أي قيمة للحوار بل تُفرغه من محتواه وجدواه وتنحرف به بعيداً عن مقاصده؛ علماً بأن كُتاب هذه المقالات يجودون بوقتهم ويرهقون أعصابهم ويشحذون فكرهم لتقديم ما ينفع الناس.
بريتوريا-جنوب افريقيا
(6/يوليو/2017)