عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
(1)
وادى الملوك ، كافتيريا تقع على مقربة من مدرسة المؤتمر الثانوية للبنين فى شارع الموردة فى مدينة امدرمان ، تدخل اليها "الكافتيريا "من "الفسحة "الموجودة امام المدرسة ، طريقها ترابى غير معبد تماما ، تغدينا فيها ذات يوم
لحظة خروجك من الكافتيريا فانت امام مبنى قديم على مرمى خطوات لعله مبنى خاص بادارة الكهرباء ، لحظة ان خرجنا من ذاك المكان ، كانت عربة محمد مصطفى صديقنا الذى اقلنا الى مكان الغداء تحتاج ان يستدير بها الى الجهة المعاكسة حين فعل وجدت عيناى تلتقطان عبارة كتبت على جدار ذلك المبنى الذى كما ذكرت بامكانية تابعيته لادارة الكهرباء كتبت عبارة شاب لونها الصفار "رشحوا مرشحكم عبدالخالق محجوب"ربما كانت العبارة قد كتبت ابان الانتخابات للعام 1965 آخر انتخابات يشهدها الشهيد عبد الخالق محجوب ، تلفت حولى لارى مشهدا آخر ينضاف الى ذلك المشهد "الزى " كان ديمقراطيا ، لا شئ ، لم اجد شيئا يشى بدمقراطية ما ، كل شئ بدا مغطيا تحت غطاء ما ،تساءلت بينى وبينى اين كنت فى ذلك الزمان1965اين كانت البلاد؟ اين صارت الآن ؟ لم اجد اجابة واحدة "تفش " غلى ومضيت ، مضيت ابحث فى الشوارع تركت عينى تجوس بحثا عن موقع قديم لمحال اعرفها وعرفتها ، واناس خبرتهم ، لكن ، لا شئ لا احد ...
 (2)
كنا فى زمان مضى نخرج من البيت (شارع القبة ، كما يحلو لى تسميته او شارع قبة الشيخ البدوى ) نتمشى بين الدكاكين فى مواقع بدت الان غير ما كانته ، كنا فى مسيرنا نغشى سوق الشهداء حيث الاكشاك التى طالما اشترينا منها ملابسنا وذلك
 الفتى الذى كان يجعل الامر سهلا لنا اذ "نشترى منه بالجرورة فى تساهل غير مسبوق يمنحنا كل مانشتهيه فى مقابل اقل من اسعار الاسواق " كل ذلك حين عدت بعد غياب ممتد لاكثر من عقد ونصف العقد لم يعد موجودا ، بل حالت الساحة "الشهداء "الى موقف للحافلات القادمة من بحرى ومن مناطق اخرى من العاصمة ، تساءلت بينى وبينى :
ـ اين ذهبت كل تلك المحال التجارية الصغيرة الانيقة
قلت لى ربما طواها الزمن كما طوى الكثير غيرها ، لم ار اثرا ايضا لعمارة الحرية  قلت ربما فى زمن تختفى فيه الحريات تختفى كل مسمياتها سواء كانت اسواق او محال تجارية ، او ربما افلس اصحابها وباعوها لمن يشترى الحريات" بدكاكينها "وتجارها من ثم !
حتى السوق الشعبى فى امدرمان تغيرت ملامحه لم يعد ذاك الذى عرفناه باتت المحال التجارية على الهواء فى الارض او الرواكيب لكنك تلاحظ ان الاسعار هى الاسعار لاصحاب الرواكيب واصحاب الدكاكين كيف لا اعرف وازعم ان لا احد يعرف
 (3)
على ايامنا كان فى شارع الاربعين ثمة بوتيك اشتهر باسم صاحبه (صلاح ريفولى )لم اجد له اثرا قط ، ولا حتى لصاحبه اين ذهب وبوتيكه ؟ توارت ملامح  كنت اعرفها فى المنطقة المجاورة لبيتنا فى العباسية شارع الاربعين ـ دكان عم جعفر ـ لم يعد له ذلك البريق ، صار مبنى بعدة طوابق لكنه لم يعد ذلك المكان الحميم الذ تشكلت على يديه ذاكرتنا الطفولية ، اختفت معالم دكان بت مسيمس ، ذلكم الدكان الذى كانت تباع فيه الموبيليا ، وباتت العشرات من المحال التجارية تتعب بصرك فى الشارع فى غير ما تناسق او جمال فى شكل العرض ، تجد الاشياء مترادفة فى العراء تصليها نار الشمس ،لا جامع بينها سواء فى اللون او الخامة ، حتى فن العرض لا يشكل وجودا ،ما لسبب سوى ان المعارض لم يكن من شانها الجمال، فقط المادة المعروضة ، فيما الكساد يشل اطرافهاباسماء اقرب للقبح منها للجمال ، طابعها القبلية والجهوية محال تجارية حملت اسم (الشايقى ، او الجعلى ، او ود الفاشر ، او مطعم نيالا ، او كسلاوى ، او ودالمحس) تنتابك رعشة وانت تحدق فى تلك الاسماء وتستحضر بت مسيمس ،او غيرها من الاسماء التى ما ارتبطت سوى بشان عام او مكان عام ، بل انك تجد فى الناحية الاخرى للتسميات ما وفد من خارج الحدود ( الارسنال ) او تجد اسما ارتبط بحدث ما (نيفاشا ،ابو جا ، او روتانا )
اطرف مشهد لمسمى كان لعربة كارو تحمل بصلا مكتوب عليها "ابو رحيق " فلم ادر هل هو البصل ام صاحب الكارو ؟
 (4)
المواصلات تندلق الساعات هباء فى انتظار ان تصل الى موقع ما فى العاصمة المثلثة خاصة فى الصباح فانت امام خيارين اما ان تخرج باكرا لتهنا بمقعد فى حالة اوتضطر الى اهدار كومة من من الاوراق النقدية لتحصل على "ركشة " ان كان مشوارك داخل المدينة سواء الخرطوم او بحرى او امدرمان  او " امجاد "لتعبر الكوبرى ، هذا ان كنت ميسور الحال ، حتى هذه الوسائط احيانا تتعثر ولو كنت بصدد تاكسي فهو فى بعض الاماكن نادر ندرة الباصات التى اختفت عن هذا العالم فى المدن الثلاث اختفاء المحطة الوسطى
هل قلت الباصات ؟لقد اختفت كما تختفى حضارة ما ، لاحظت ذلك الاختفاء فى عديد مدن زرتها تحديدا مدينة الابيض فلقد اختفى "قطار الغرب " كما لم يكن ذات يوم ؟!عدا عن اختفاء سيارات التاكسى الروسية الصنع " الفولجا"التى تتميز بلونها الازرق ليحل محلها عربات صغيرة "صناعة كورية "هى الاوتوس كما يحلو للناس تسميتها فيما هى "تحمل نفس اللون" ، حدثنى سائق التاكسي حين سالته عن اختفاء الفولجا : ان ذلك امر حتمى ، ومؤشر من مؤشرات العولمة ، فلقد اختفى ذلكم النوع من السيارات كما اختفى باص ابورجيلة ولم اعثر له على اثر او حتى مجرد هيكل
 قلت لنفسى ربما عثرنا فى الحفريات لقرن قادم يكتبه احفاد احفادنا حينها سنتبين اين ذهبت تلك الوسائل الرخيصة للمواصلات التى تحتفى بها كل مدن العالم عدا نحن ، على سبيل المثال فى ولاية تكساس جنوب الولايات المتحدة وعلى الرغم من ان معظم المواطنين لديهم سياراتهم لخاصة لكن الباص وسيط  حيوى للمواصلات فهو نظيف ورخيص فى نفس الوقت بل ان معظم الولايات تعتمد على الباصات والسائق  او السائقة فى كل الاحوال هو  نظيف ومهندم ، مبتسم وهى كذلك  تنتشر الابتسامة بمجرد وصولك لسلم الباص وانت ترمى بالاجرة الى تلك الفتحة حيث لا مساعد ولا هم يحزنون ، انت الذى تساعد نفسك وتفعل تصفر الماكينة ان اخطات فى العدد ، او ان تذكرتك الشهرية او الاسبوعية قد نفد رصيدها ، او حين تخرج لك تلك الماكينة تذكرة جديدة لتركب بها باصا آخر يقلك الى مكان آخر  بنفس الاجرة السابقة ، لا تزيد ولا تنقص تنتهى صلاحيتها فى اليوم التالى فى بعض الولايات ، وفى اليوم نفسه فى البعض الآخر ، لذلك الباص لا غنى عنه حتى ان كنت تمتلك سيارة ، يمكنك ان تتركها فى موقف المواصلات الخاص بذلك وتذهب الى مكان عملك وتعود لتجدها آمنة مطمئنة وتكون قد تخلصت من عبء ان تركنها اين وكيف ؟وكم ستدفع اجرا للموقف الذى ستقف فيه سيارتك مختصرا  ثم الوقت والمصاريف
حمولة الباص تزيد على الخمسين راكبا فضلا عن الوقت الذى تهدره فى الطريق بفعل الزحام ، فللباصات خطوطها الخاصة حين ذروة المواصلات اضافة الى ان الباص يمكن للدولة ان تتحكم فى خط سيره او مدخولاته تحدد اسعار التذاكر وتوحد تعريفته من هنا الى هناك  ولا دخل لك ان كانت ثمة ازمة وقود او خلافه لان الدولة هى التى تتحمل الخسائر ، وبذلك يكون المواطن قد وجد ما يمكنه من خفض تكاليف المعيشة خاصة فى جانب المواصلات لانها الاعلى كلفة هنا فى السودان ، ذلك ان الحافلات تتعاطى مع الزبون وكفى لا يهمها دخله او وظيفته ، وهنا يتجلى الفرق فى الدولة التى ترعى مواطنها والتى تتركه نهبا للمنتج
حين تطأ قدمك مطار الخرطوم " الدولى " ليس كما تطا اقدامك اى مطار وقفت عنده فى مكان فى  ارجاء العالم ففى تلك المطارات اول ما يسترعى انتباهك مدى البشاشة التى يستقبلك بها الموظف ايا كانت وظيفته او كان موقعه ، يدهشك سرعة انجاز الاجراءات منذ دخولك الى لحظة مغادرتك دون المن او الاذى ،تخرج من المطار اينما كانت وجهتك فى تلك الدولة من مدينة او فندق او منزل خاص بك  فوسيلة المواصلات ان كنت قادرا هى الليموزين ، وان لم فانت امام خيار آخر هو المواصلات سواء كانت مترو او باص
فى القاهرة مثلا، هناك العديد من وسائل المواصلات الى داخل وخارج المدينة تجدها وقتما تشاء اينما توجهت
فى المطار تجد عربات التاكسى تقف فى مدخل المطار ـ صحيح ان سائقى التاكسي ملحاحون لكنهم يوصلونك فى النهاية مقدمين لك النموذج فى التعريف بالبلد واهم معالمها فى تجرد لكنه مصحوب بطلب مستبطن ان تزور مناطق السياحة والوقوف عليها من باب "الدعاية "
اما ان شئت أبلغ انواع الراحة عليك بالليموزين ، وكل هذه الانواع من السيارات تجدها فى العديد من عواصم الدنيا الا هنا فى الخرطوم ، وان حدث ووجدته فالتاكسى هو حليفك الذى لا مفر منه او ما يعرف الآن بالامجاد السيارة الكورية الصنع التى تخشى على نفسك من ركوبها ما لسبب الا لاحساسك انها سترمى بك الى الطريق حتى دون حادث ؟؟
المهم انك ستجد تاكسيا ما فى انتظارك ، تاكسى متهالك يبدو كلعبة للاطفال تتحرك كلما مشي خطوة تهتز الاركان يثير فى خطوه ذاك غبارات من الدخان فتنتابك حالة من العطس تذكرك بقطار البخار الذى كان علامة من علامات حياتنا حيث ظلت السكة الحديد رافدا من روافد النقل للبشر والبضائع من كافة انحاء الوطن عابرا الفيافى والوهاد ، المدن والقرى ، هالله لم يعد له من وجود حتى اذا صار له ذلك الوجود فهو وجود محدود ولانه صاحب صدى راسخ فى حياتنا ما زلنا نتمثله ونحلم بعودته ننتظر ذلك كما ينتظر المؤمنون عودة المهدى المنتظر
جين عدت من سفرى الطويل ذاك غامرت بالسفر عبر الباص الى مدينة الابيض التى كان غالبا وسيطنااليها القطار من محطة الخرطوم الى محطة الابيض ، لحظة دخول الباص الى طرف المدينة كان اول ما لفت انتباهى محطة السكة الحديد التى قادنى حالها الى حالة من البكاء والتأسي بكيت بحرقة وتجولت ببصرى بحثا عن مكتب الناظر الذى كان يحتله والدى لعدد من السنوات مددت بعنق البصر لارى " الجرس النايم وعفش الناس الماشى يناهد بالكيمان " لم اجد سوى شباب يجلسون الى مسرى القطار الحديدى وحواف الممر الذى كان يعبره القطار متهاديا باتجاه الخرطوم ، لم ار بيتنا ولم ادخله بالتالى كما دخل ميجيل ليتين فى رواية مغامرات ميجيل ليتين التى كتبها عن رواية حقيقية جابريل غارثيا ماركيز ـ حين عاد ميجيل من منفاه دخل بيته متخفيامن منفاه فى ايطاليا الى بيته فى تشيلى ، لم استطع ان اقف الى سور بيتنا وحديقته التى شهدت صبانا وملعبه الجميل لكنى رفعت بيدى ووضعتها الى صدرى كمن يحتضنه وسالمته شبرا شبرا ، دخلت غرفه ومطبخه وحمامه ، لكنى لم اجد الراكوبة التى كنا "نقيل" فيهاولا وجدت بيت الغنم الذى كان محل غضب امى حين لا نعنى به ، ولم اجد بيت "الحمام " الذى كان مصدرا لدخل والدى نبيع الحمام كيما نشترى اللحم وكذا نفعل مع الدجاج
لم اكتف بالبكاء لحظة ان التقيت صديقتى قمر زين العابدين ومهدى ادم عثمان فى انتظارى فى محطة الباص قلت لهما :
ـ وين القطار المرّ؟
ضحكا منى وبكيت لاننى وجدت المحطة تنزلق الى مجرى الصمت والعزلة فيما تضج المحطات فى كل انحاء العالم بالبشر والبضائع ( كنا احيانا نتوقف لمدة نصف ساعة كيما يمر القطار فى اى ولاية من الولايات المتحدة لطول القطار الذى تصل احيانا عرباته الى ما يزيد عن المئتين ، ايضا انت واجده فى مصر يفعل ما تفعله قطارات اوروبا وامريكا ، الا هنا فى بلادنا )وما ذلك الا لانه وسيط حيوى وناقل جبار ورخيص فى ذات الوقت تكلفته تقل عن كل المواصلات الاخرى خاصة فى النقل فهو ينقل ما يعادل الاف الشاحنات فى مرة واحدة لكننا رمينا به الى فكى الظمأرغم تمثلنا له فى كثير من اغنياتنا وادبنا شعرا ونثرا ودراما كالتى كتبها هاشم صديق وباتت اغنية من افضل اغنياتنا
"قطر ماش وعم الزين وكيل سنطور
وزى ما الدنيا سكة طويلة
مرة تعدى مرة تهدى مرة تجور
عمى الزين محكر فى قطار الهم
يشرق يوم
يغرب يوم
شهور ودهور
او انك واجده فى مسرحية ما نزال نحتفى بها الى يومنا"السكة حديد قربت المسافات "او تلك القصيدة"قطار الغرب" التى تصف القطار فى رحلته من الخرطوم الى الابيض للشاعر محمد المكى ابراهيم، ولاتخلو الاغنيات من تمجيد لسيرة القطار منذ الفنان زنقار الى الفنان عثمان الشفيع والشاعر محمد عوض الكريم القرشى والقطار المر ّ
الى ان تصل اغنية البنات "التى تتاسي على سفر حبيبها فتدعو ان يتكسر حته حته ، وتسلم لى انت "ورغم خروجه عن قضبان الحياة الان لكنه ما يزال يمثل وجودا لا ينقطع فهاهى مسرحية "صفر يا قطر "للمخرج اسامة سالم تستحوذ على القلوب عبر القطار فى دعوة للوحدة الوطنية التى يمثلها القطار وما ذلك الا لانه مكون ثقافى اجتماعى استطاع الى توحيد الناس فى بلدى وترسخت من خلاله حيوات كثيرة من تعارف لم تنقطع اواصره لعشرات الاعوام بين ساكنى المحطات وسائقى القطارات وكماسرة ، ونظار ، وعمال وموظفين ، فما نزال نتجاوب فى مناسباتنا ونتزاور فيما بيننا كاننا من رحم واحد ، رغم مرور الاعوام ماتزال الاواصر منعقدة
على صعيد شخصى ظل القطار احد اهم المراجع لدى فى السفر سواء من خلال المحطات التى عشت فيها صحبة اسرتى او تنلقت فيها معهم بين القضارف والابيض  كنت اتساءل دائمابينى وبينى هل مازلت احلم بدوى صافرته معلنا دخوله المدينة مدينة الابيض حيث يتدافع الناس باتجاهه فى المحطة ، اما زلت احمل تلك اللحظات جنينا خديجا فى دواخلى الى الابد ؟ ربمالو عاد ولو فى الحلم ذاكم الحلم الذى ارى اليه انه "اكبر من خطاى ، املى اكبر من رجاى " لكنى احلم ان يعود من وقفته تلك الى حيز الوجود يشق البلاد طولا وعرضا حاملا الاغنيات والحيوات الى اماكن باتت يعمها الصمت ويحتويها النسيان منذ ان بارحها صوت القطار المر ، فهل يعود لتنتعش الاغنيات من جديد ؟ هل يعود لينعش اقتصاد تخبطه الركود ؟ احلم ان ...