محمد سعيد القدال من أحب ّ الناس الى قلبى ، رحمة الله عليه ، كان لطيف المعشر ، ضحوكا نادرا ما تجده غاضب او مستاء من شئ حتى  مرضه كان يسخر منه ،آخر محادثة بينى وبينه ايام كنت فى السودان قال لى بعد السلام "عارفة انى بقيت عميان بصر وبصيرة " قلت له أما البصر فسيعود أما البصيرة فحاشاك يا ود الباشا ، وذاك كان لقب محبب الى قلبه ، حيث حكى لى ان والده كان قد نال الباشوية وكان رئيس وزراء حضرموت إبان فراغ دستورى فى تلك البلاد ، للحقيقة أورد ذلك ايضا فى كتابه عن والده ، لكنه كان يقول لى ضاحكا إن بناته كن ّ يستلبنه بذاك الاسم فيقوم بما طلبن منه خير قيام ، أليفا هو القدال ، يمنحك من المعرفة ما أمكنه دون أن يكون ذلك تحت غطاء المن أو الاذى ، محبا للحياة حبا يجعلك تحب حياتك ...
محمد سعيد القدال رحمة الله عليه ، كان يحدثنى ضاحكا عن "خيبتى فى تعلم الكومبيتروبالتالى الحداثة ...كما كان يسمى تلك المعرفة  " ويتحدانى أنه بات يعرف كيف يطبع كتبه وحده ، ويضيف ضاحكا "بقيت أحرف من بيل غيتس ذات نفسه ، اتعلمتى ولا لسه ياجاهلة ؟"
التقينا بعد فراق طويل ، دام عدد من الاعوام عقب حل اتحاد الكتاب السودانيين التى تشاركنا اللجنة التنفيذية فى عضويتها ، وذلك فى القاهرة ، كان علينا أن نحاول الى لم الشمل كأعضاء فى اللجنة التنفيذية فى القاهرة حيث كان هناك الدكتور على عثمان محمد صالح ، والسيد الياس فتح الرحمن ،لكن تلك المساعى لم  تمشى ولا خطوة واحدة
فى العام 1992 قرر ان يقوم بترجمة كتاب "الختمية " لكاتب بريطانى ، سالته لماذا يترجم كتابا عن الختمية وهو عضو اللجنة المركزية للحزب الشيوعى ؟ قال لى ضاحكا "نعم أنا شيوعى ، لكن تحت تحت ختمى " تابعت معه ذاك الكتاب وترجمته اصحح معه ما استطعت الى ذلك سبيلا، كنت اقوم احيانا بمتابعة اللغة العربية حيث كان يثق فى لغتى كثيرا ، ويقول "انتى مش صحفية ؟ وكاتبة ؟ لو بقيتى ما بتعرفى لغة عربية سجم خشمك " حين اكتملت الترجمة وجاء ميقات من سيحمل الكتاب الى حيث يجب ، كان ذلك السيد سرالختم الميرغنى ،قبل وصوله كلمنى فى البيت وقال بعد السلام
ــ يا بت الشيخ تعالى هسى دى ، اركبى تكسى وتعالى ...
ــ فى شنو ، خير !
الزول الحياخد الكتاب حيصل بعد شوية وحيدفع حق الترجمة ، ولانى بتفاءل "بى خلقتك " لازم تجى ، وعندك عشرة فى المية ...
كانت تلك دائما طريقته معى ، دائما كان يقول لى "بتفاءل بى خلقتك "
فى مرة كان مسافرا الى النرويج لتقديم بعض المحاضرات فى جامعة من جامعات النرويج ، وحينها كانت أحداث الخليج فى اقصى تجلياتها وحظر شديد اللهجة على السودانيين من السفر الى أى دولة من الدول الاوربية بسبب موقف الدولة الرسمى من تلك الحرب ،فى اليوم السابق للتاشيرة توجب عليه ان يستخرج صورة لذلك الغرض،مشيت معه الى الاستديو ،فى الاستديو سألنى صاحب الاستديو المصرى بطبيعة الحال
ــ حتاخدى صورة مع بابا؟
لحظتها انفجر القدال قائلا
ــ بابا ؟ ببو يشقكم الاتنين... هسى انا قدر العجوز دى ؟
ضحكت من موقفه ذاك ، فلقد كان لا يحب ان يذكره احد بأمر السن على وجه الدقة ..
صباح اليوم التالى كنت انتظره أمام السفارة النرويجية ، حين رآنى انفرجت أساريره قائلا
ــ يا بت اللذين لو أخدت التأشيرة دى أول شيك حيجى حارسل ليك منه ، الله يقرف وشك الخلانى اتفاءل بيهو ...
كانت بيننا رسائل تحمل طابع الكوميديا من جانبه ، والسخرية المريرة من كل شئ يحيط به اينما كان ، يحكى لى عن كل ما يحدث له من مواقف  طريفة ...
كنت فى مرة أزروه عقب نهاية كتابته لكتابه "كوبر " فوجدت فقرات عديدة مشطوبة ، سالته عن سر شطبها فقال
ــ دى حكايات مع كمال الجزولى لو نزلتها كمال حيطلعنى من البلد
لكنى وقفت على بعض المواقف التى حكاها لى والتى تحمل قدرا من الطرافة
"كان عندى ريحة ، وكمال كان كل ما يستحمى يجى يبخ من ريحتى لمن قربت تكمل ، كنت بقول ليهو انت ياكمال ماشى وين بتتريح كدا ؟"
كان رحمة الله عليه يحب الطبخ للغاية ، تعلمت منه عدد من الاصناف ، بخاصة السمك الذى كان يحبه جدا ، وكذا كان يحب الحلويات لكنه يخاف من ارتفاع السكر ، لذلك كان فى كثير من المرات يدوعنى فى القاهرة لملاقاته فى جروبى "أول ما اصل ينادى النادل ويقول ليهو ــ أسمع جيب ليها تورتة كبيرة ، وانا جيب لى قهوة بدون سكر " كنت دائما احتج على تلك الفعلة "يا قدال داير تجيب خبرى ؟ فيقول ــ عليك الله أكلى لى من دى ، ومن دى ، عشان السكر والله لو ماخايف باكلها براى "
وعلى ذكر السكر حدثنى ان كمال الجزولى كان يضيف مقدارا من السكر فى الطبخ "فاقول له
ــ يعنى العملو فيك كمال الجزولى عاوز تنتقمه منى ؟
فتح لى ابوابا ما كان لها ان تنفتح لولا وجوده الى جانبى ، فهو من قدمنى لمستر دينيس الذى ترجم كتب الطيب صالح الى الانجليزية وأخذنى اليه لاجرى معه حوارا لجريدة الاتحادى، وكذا كان الامر مع الكاتب السودانى جمال محجوب وعرفنى الى والده الذى كان أحد العلامات فى الصحافة السودانية الناطقة باللغة الانجليزية
قدمنى الى رفعت السعيد ومحمود امين العالم ، وحتى على مستوى الكتاب والمفكرين السودانيين عرفنى الى الكثير منهم ...
رحمة الله عليك يا محمد سعيد القدال ... رحمة تتسع

Salma Salama [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]