استعير اسم ذلك البرنامج الذى احتل مكانه فى الذاكرة وبقى عالقا كالابد ، برنامج توفر على تقديمه الاستاذ جعفر عبد المطلب الذى لا اعرف له  الان  عنوانا ، او مكان اقامة لكنى ازعم انه مقيم في قلوب الذين امتعهم ببرنامجه ذاك
فى منتصف السبعينات حل علينا البرنامج ضيفا لم يكن بامكاننا طرده ،مع ان حضوره كان  دائما قبل منتصف الليل بقليل ، كنا لا نمل سماعه ننتظر لحظةان يعاد سواء فى ام درمان اوالابيض، الان اتسعت الشقة الزمنية بين ذاك الزمان وبينى ، اختلفت الامكنة ، مع ذلك اليه ارد كثيرا من معارفى ، عبر من كان يستضيفهم من الذين مخروا عباب العالم والعلم ، ليبرهن لنا ما تعرفنا اليه لاحقا من معانى تقول على السنة علماء الاتصال  عن فن الرؤية بالاذن
دلق الينا جعفر عبد المطلب بجمرة الترحال منذ زمن باكر فتاججت النيران الى الان ، سعيت الى كل مكان تحدث عنه، البعض شهدته والاخر ما زلت اسعى باتجاهه ، ولعمرى ان التقيته فلسوف اقول له : ما بك ترمينى الى هذا الجحيم اللذيذ  ؟ وساتعرف اليه من بحة صوته التى لا تخفى علىّ ، (فصورة) صوته هي البصمة التى لن تنمحى وكنت قد رسمتها له على نحو جعلته غير قابل للمحو
لا اعرف لماذا اخترت هذا المدخل لاكتب عن طفولة او صبى باكر ؟
كنا صغارا ، فى بداية التعرف الى هذا العالم حين توجهنا الى الابيض ، كانت تلك اول مرة اغادر فيها امدرمان
حين انسرب القطار داخلا الى محطة الابيض لمحت اللافتة المكتوب عليها  اسم المحطة  باللغتين العربية والانجليزية ، احسست تلك اللحظة بالخيانة لامدرمان التي نقلت نفسي اليها بمونتاج سريع ، مدخلها من ناحية كوبرى النيل الابيض تقف امامك المستشفى العسكرى ، يقابله قصر الشباب والاطفال ( لاحقا ) بيوتها من الطين ، (زحمة ) بانت امام السينما ، يسارك المدخل الى مدينة الفتيحاب ، يمتد شارع الاربعين تصل الى ما قبل نهايته ، تتوقف هناك حيث يقف  بيتنا نزلت ادمعى ، دخلت فى هيستريا من البكاء المر ، كانت غير مبررة بنظر الاخرين من اهلى ، لكنى كنت مدفوعة بوحى اغنية صادرة تلك اللحظة من راديو شاء صاحبه ان يجعل الصوت عاليا من الغرفة المجاورة لغرفتنا فى القطار ( امتى ارجع لامدر واعودا ؟)
لكنى بعد عدة اشهر كنت على موعد مع امدر ، عدتها ، هذه المرة وجدتنى احن الى الابيض داخلة مدارها ، ما فعلت مع امدر قبل الان لكنى لم احس خيانة ، فلقد غدا القلب محتلا بهما معا
سرا كان الامر محسوبا لدى ، فلقد غادرت امدرمان رغما عنى ، لانى كنت اعيشها على نحو خاص بى ، ولى فى كل شبر منها ذكرى ، هناك حيث حى العرب وبيت جدى لابى ، وعمومتى ، واصدقائهم من الفنانين والشعراء الذين كانوا يشكلون حضورا داخل نسيج الذاكرة ، رغم رحيل جدى الى بيت الثورة لكن لحى العرب موقع اثير ، ثم انى ادلف الان الى حى القلعة حيث بيت خالى مامون ، وزوجته وابنه ، بيتهم الذى اول ما تمرفى  طريقك اليه  هو بيت الشيخ المقرئ عوض عمر ، الذى كان صوته يوقظنى فى الصباح
امد الان بعنقى الى جدار الذاكرة الى العباسية ارنو ، حيث الجيرة من الفنانين الذين تربينا على اصواتهم ( زيدان ابراهيم ، عمر الشاعر ، ابراهيم حسين ، محمود تاور ) ترى الى الشارع تلتقط عيناك دكان عم جعفر، وتمشى قليلا تجد ميدان الربيع، الذى كان قبلة لنا فى العبور الى بيت( ناس الدر بت خالى فخرى فى العرضة ، او حين نكون باتجاه زريبة الحطب اعلى العرضة ) 
تبتعد قليلا من الناحية التى يقف يها بيتنا تجد انك لابد ان تمر ببيت الشاعر صلاح احمد ابراهيم الذى  كان يعرف( بالفيلا) تجدهم يعاقرون الغناء والشعر صحبة الفنان محمد الامين ، والشاعر هاشم صديق ،يتوسطهم على المك
اعود الى الابيض حيث لاترى سوى النيم يحف بيتنا ،والمدينة من ثم ،رمال ناعسة مندس في جوفها الحسكنيت كالقنابل الموقوتة ،  وتلك اول مرة انصاع للنظر الى ما تحت اقدامى ( ذات يوم عدت البيت باكية ، سالتنى جدتى عن سربكائى ، قلت لها ان واحدا من اولاد الشيخ اسحاق حمد النيل ضربنى على وجهى وطلب الى ان لا ارفع راسى عن الارض لاننى (بت ) كانت فى ذلك اليوم فى حضرة جدتى واحدة من اقربائها ، التى اغضبها ما سمعت ، فقالت لى :
ــ اوعك تسمعى كلام الراجل المتخلف دا ، واوعى  القاك مدنقرة فى الواطة عاينى فوق ، ابعدنقطة فى السما اوصليها ، خلى عندك طموح ، سامعه ؟)
لكنى الان مضطرة لذلك الفعل حتى لا تلسعنى الاشواك !!
كنت افكرفى هذى وتلك ، والمسافة التى غدت بينهما الان ، كنت تعبت من لهث المقاربة ، فلا نهر نزوره هنا ولا حديقة الموردة التى تزيل عنك كابة الحر ، لا شئ هنا سوى صوت القطار يئز حين وصوله ، او لحظة مغادرته المحطة
فى مدى قصير وجدتنى انحاز الى الابيض ، مع كل النواقص التى كانت تعترى المدينة من الماء الى الصخب المدينى هناك ، وهذا ما احالنى الى القراءة بشكل جيد ، دخلت قاموسى كتب جديدة روايات من نوع ( العبرات النظرات ، زقاق المدق ، ) احسست ان مستواى الاطلاعى قد تدهور وتحولت من كتب كبيرة الى اصغر منها مما قادنى الى صديقى محجوب عوض الكريم ومكتبته العامرة
احس ان (غربتى ) دخلت طورا  ، ومرفأ جديدا، مرفأ اعاننى على تجاوزه صوت الفنان عبد الرحمن عبدالله ، فاحببت الاتكاء اليه ، فشكرا له على ما فعل
كنت اقول عنه ( لحنى الذى اشهره حين يعز الغناء ، فيعيننى على الصمود فى وهدة الغربة ، ارقص على وقع الحانك ، واهزها نخلة تجود ولا تبخل بكل لحن بسيط جميل عميق رمزا لحميمية صادقة اتدفق كما رمال عروس الرمال ، فغناؤك كنت احسه ينقر باطن روحى ليصل الى اوردتها الى كل جسدى يستكين ويجرى مجرى الدم ) كنت اراك سيف الكلمة وغمد اللحن السهل الممتنع ، اعرض صائلة جائلة بدفع غنائك احس الكلمة حين تخرج
يا بلوم ارجوك يوم تحلق
شيل رسايل الشوق المحرق
تلقى زولا ضامر رشيق
احكى ليهو الحاصل على

اول مرة عرفت فيها غناؤك كنت فى المرحلة المتوسطة ، ماكنت ادرك ان للابيض ذاك الطعم الذى اضفيته عليها ، طعم شهى ، فادمنتكما معا ، كنت أهاجر خلف صوتك الى كل مكان غنيت فيه بدءا من نادى السكة الحديدالمجاور لبيتنا  الى الاحياء المجاورة ، لا يهم اين المهم ان تكون انت من يغنى ، حتى اسمتنى صديقاتى (كرسى كزام) وهوكناية عن متعهد حفلات فى الابيض على ايامنا ، ما ان تبدا الحفلة حتي تتقهقر كل القيم المسيجة المانعةايانا عن الخروج  ، كنا نتحايل على اهلنا بالقول الكاذب احيانا والصادق اخرى ، لا يهم ان كانوا يعرفون من ستغنى لهم ام لا ؟ لكنا نجرؤ للخروج تحت جنح الغواية ، لنستمع اليك ،دون كبير اهتمام لما نلبسه او ماتتزين به البنات عادة للحفلات ،لاننا كنا نتزين بصوتك ،نسعى الى مكان وجودك سعى العاشق لمحبوبة عز عليه لقاؤها ، نبارى حفلاتك    (كالصعاليك )المتمرسون على ذلك الفعل ، وان عز علينا الخروج ، كنا نخر الى اسرتنا قانعين نستمع الى دفق صوتك من على البعد ، وننام غلى هدهداته
حين تخطيت المرحلة المتوسطة ، كان نصيبى ان ادرس كلية المعلمات كنت حافزى للصمود داخل تلك الاسوار ، والداخليات التى ما احببناها لولا حداك فلقد كان شعارنا ( الاولى مدرسة والطيش مدرسة ) لكنك كنت تحفزنا ، تحفر دواخلنا عميقا حين تردد :
المعلمة نور لبلادا
كنا نستميت للبقاء هناك ، فلقد اضأ ت لنا دربا ما كان لاحد غيرك ان يفعل
ولا كانت خطانا ستكون بذلك الوضوح ، والرصانة لولا وجود اغنيتك (المعلمة ) فاحببنا تلك المهنة لحب زرعته فينا
ايا من وهبتنا الحماس للتدريس  والتعليم سلام يغشاك
فلقد اصبحت واحدا من اعمدتنا الفنية فى كردفان نتكئ اليها وظهرنا
( قوى) صرنا نفاخر بك اهل امدرمان ، ونتحداهم ان يكون لهم مغنى بحلاوة صوتك ،وطلاوته
كلما عدنا فى اجازات الصيف الى امدرمان من الابيض ، كنا نترقب برنامج ( رسالة كردفان ) التى كان يعدها الاعلامى النابه عوض محمدانى كنا نرغم كل ابناء جيلنا على سماعك ، لانهم دوما يردون ( انتو غرابة غير الصمغ ما عندكم شئ )وكنت صمغنا الذى يلصقناالى تلك البقاع ، كنت واحدا من اهم مواردنا ، وكانوا كلما اوغلوا السمع بت لديهم اكثر قربا ، فنافسونا فى حبك  والاستماع اليك ، وباتت رسالة كردفان ملتقانا ،فالكاسيت لم يكن قد غزا السوق كما هو الان ، وانت لم تكن قد انتقلت الى امدرمان بعد ، كنا نراك متحصنا بالابيض وكردفان ناثرا عطرك بين تلك الربوع ملهما اياها ، مانحا كل الامكنة عبير الكلام معنى ومغنى ، مغنى اصاب سهمه قلوبنا فما برحت تصحو على امل ان يكون ثمة حفل تشدو به فنتسابق الى حضوره ، هنيئا لك يا ايها المغنى العذب بحبنا الذى املى علينا ان نحفظ اغنياتك عن ظهر قلب

جدى الريل ابو كزيمه
تعال نتمشى فى الغيمة
ما غيمة ريد تكب فى الرهيد
شواطيهو الخدر ديمه
حين تغنيت باغنية ( يا ضابط السجن ) للشاعر محمد حامد ادم ، كنا نحتشد بتلك الاغنية ونصادم بها كل من يقف مساندا نظام مايو ، لكنها تخثرت حين حولت ( ضابط السجن ) الى (اجمل حلم ) صحيح ان المعنى لم يفارق كثيرا لكنه ما عاد بتلك القوة التى كانها:

صبرك لحظة واحدة
يا ضابط السجن
اتزود بنظرة وارجع انحرم
خمسة شهور طويلة
مرت ليلة ليلة
مع الدمعة الهميلة
تشرح سايلة حالى وتكتب فى مسيرا
قصة وردة جفت من فرق الخميلة

تلك ايام كانت الحريات فيها تتهاوى تحت ضربات الامن والايقافات تطال المبدعين ، متجاوزة حد المعقول ، كانت الا رض الابداعية تميد تحت قهر السلطة فانبلجت كلمات الاغنية وسط اللجة لتبدد بعض ما كنا نعيشه من ظلام وقهر ، لكنك لسبب او لاخر سحبت لجام ذلك الحلم وارخيت عنان صهيل الكلمة الشاهب والبستها لجاما ولثاما ما كسر حدة اللحن ولا ابعده عن ذاكرتنا فظلت كما هى ( ضابط السجن )
وانت ظللت ما كنته ابدا ، طاؤوسنا وبلبلنا ، هدهدنا المهفهف حولنا برفيفه الاليف ، نرهف السمع اليك كلما حاصرتنا الغربة واجتاحنا الحنين لبقاع نراك ( هشابها كلما طقوه ) زاد معدل الصمغ ، و( حمرا  ننجم ) تحت ظلال تبلديه ، نشربك ( كركديا ) باردا وحلوا ، نمسح بك دمعة الفرقة ، نلتحف اغنياتك نروم دفئا فى الليالى الباردة ، نردد اغنياتك كما نردد الدعوات لنعود الى حيث تكون تمسح عنا وعثاء السفر وعناء الترحال ، هنيئا لنا بك ، هنيئا لك بحبنا الباقى ابدا

ايواــ  2003/

Salma Salama [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]