من يكون هذا المارى فى العصر ؟ هل هو غير الذى مرّ عند الاصيل ؟ ربما ، فهما متقاربان ومختلفان فى آن معا ، فالمغنية ربما كانت تعنى الطبيب الذى كان حين يحل "مارا " يتصايح الممرضين "الدكتور فى المرور اطلعو من العنبر " ونخرج طائعين من العنبر ،إذن كان للطبيب حظوته من الاحترام ، ويجئ الطبيب محفوفا بقدر من الاطباء الاصغر منه سنا ودرجة بطبيعة الحال ، يمر وهو يعتلى صهوة تلك الصرامة والوقار فى آن معا ، ولم يكن ينتقص كل ذلك من انسانيته ...
وما اكثر الذين كانوا يمرون ورحلوا ،كنت تراهم من بعيد فى معاطفهم البيضاء الناصعة فينشرح قلبك ان "دكتور فلان " هو الذى "سيكشف عليك " وتدخل خلف الستارة الكانت نظيفة ولامعة وترقد الى الكنبة الناصعة الجلد نظيفته "كنبة مستطيلة ،تتمدد عليها ، تجئ الى حيث ترقد ممرضة دائمة الابتسام تحييك تحية حتى تكاد تجزم انها لك وحدك، تسألك من اهلك وناسك ، تنفرج اساريرها حين تتعرف الى اسرتك او اهلك ، وتبدأ معك رحلة من التآلف تظنها لك وحدك ، فان كنت موعودا بحقنة ما تأخذ عنك الاحساس بوخزها فلاتحسها لفرط الرشاقة التى تتعاطى بها مع تلك الالة الحادة ...تمتد احاديث شهية بينكما ليقطعها دخول الطبيب الان الى خلف الستارة ، مبتسما كعادته ، لم يصادفنى طبيب لم يكن مبتسما طوال تجربتى مع الاطباء فى المستشفيات ، سواء كنت طفلة او امرأة ، نادرا ما تجده مقطبا ...
كان الطبيب دائما نظيفا وانيقا وجهه حليق ونظيف ،حتى ان كان ملتحيا فان ذقنه مشذبة وراقية، يداه نظيفتان حتى لتحس انه لم تمتد يده للمس شئ منذ ولادته .. تتمنى ان تكون لك يدان مثلهما ...يجرى بصره فى أدب عليك ، ويحدد من شكواك نوع الالم الذى تحسه ، لكنه لابد أن "ياخد ويدى معاك فى الكلام "
حين يتحدث اليك تحس انه يحدثك انت فقط بتلك اللهجة السابحة فى الانسانية ، لكنك سرعان ما تكتشف انها لغة لكل الناس اجمعين
فى مستشفى الابيض كان الاطباء يساهمون فى نظافة المستشفى يزرعون الازهار والاشجار والنجيل يتدافعون لوضع الصفائح على الاشجار "يعلقونها ويثبتونها الى جزوع الاشجار حتى ترمى الناس الاوساخ عليها فبات ذلك ديدن لدن كل الزوار والمرضى
أتحدث عن الاطباءفايام كنا صغارا لم يكن فى المستشفيات كثير طبيبات ، فلم اصادف طبيبة قط ، رغم ان تلك الايام كانت الفتيات قد تخرجن باعداد كبيرة ، ربما فى مدينة الابيض لم يكن فيها من خريجات بعد ، لكننا نعرف السيدة الفارهة المقام خالدة زاهر ، ونعرف آمال الدريدرى بحكم انها زوجة ابن خال امى الدكتور فيصل عليه رحمة الله ، وغيرهن من الطبيبات ، لكنى لم اصادفهن الا بعد زمان طويل تعرفت اليهن وتصادقت واياهن لغاية الان ...
فى مستشفى مدينة الابيض الملكى كما كان اسمه شائعا ، كنا دائما نرى دكتور مغربى اخصائى الاطفال منذ الصباح الباكر حاملا "خرطوم الماء " يرش الازهار والنجيل ،وتجده الى جانب البستانى كتفا بكتف ، فتحولت المستشفى على ايامه الى مزار للناس يستظلون فى اشجاره ويجولون بين حدائقه ...
كانت العنابر الكبيرة المصطفة فيها الاسرة على الجانبين محل نظافة وعناية تقدرها بمجرد وضع قدمك عليها ، الارض مغسولة بالمطهر الذى تفوح رائحته ، الجدران لامعة ونظيفة بيضاء من غير سوء ، الملاءات على الاسرة بيضاء مشدودة ، تقعد فى أعلى السرير مخدات لها حظ من النظافة بلا جدال ، البطانيات السوداء المكتوب عليها بحروف انجليزية تشى عن وزارة الصحة مشدودة هى الاخرى الى السرير تغطى جانبا من الملاءة ،السرير نفسه كان لامعا واسودا أو ابيضا فى بعض العنابر ، لاترى الا النظافة والجمال عابقا فى المكان ... وفوق كل هذا وذاك كان الممرضون والممرضات غاية فى الاناقة والرقة والانسانية ، لافرق بين مريض وآخرلديهم ، لبسهم مميز يتمثل فى الابيض من القميص الى الحذاء ، الرجال بناطلين وقمصان لامعة من فرط النظافة ، والممرضات بفساتينهن البيضاء وقبعاتهن البيضا وحذاء "الباتا الابيض " كنت ترى الممرضات فى ازيائهن تلك تصر لفرط "مكواتها "تسبقهن ابتسامتهن فى الحل والترحال ...
هذا المشهد كنت تراه فى كل مستشفى تزورها فى كل بقاع السودان من الشرق الى الغرب ، ومن الشمال الى اقصى نقطة زرتها فى مدينة كوستى ، لاترى سوى ذاك المشهد يتكرر...
حتى فى القرى حيث وقفنا على العديد منها ، والمدن الصغيرة ايضا ، حيث مساعد الحكيم "الحكيم كما ظل اسمه متداولا "حيث يمثل "الحاكم العام لتلك النواحى " يهابه الجميع ويوقره ويلجأ اليه من يريد مشورة ، فلم يكن هناك مستشفى كبير بل شفخانة أو مركز صحى صغير فيه ممرض غالبا وقابلة الى جانب الحكيم
هذا ما كان من امر"الفى العصر مرورو"الذى صبغ اغنيات البنات بحناء حضوره الانسانى باناقته وأدبه الجم ، وكل الصفات التى جعلت منه كائنا جديرا بالدخول الى فيحاء غناء البنات
مضى كل ذلك الى قعر التاريخ حاملا معه عبق البريد والبرق وناسهاواهلها والعاملين فيها من عمال وموظفين ونقابات كانت ملئ السمع والبصر ، حمل قعر التاريخ والى الابد السكة الحديد وحيواتها ، والتعليم ومجانيته والعلاج ومجانيته ايضا وتركت لنا تلك المفقودات اصابع نعضها ندما حيث لا يجدى ولا يعيد ما كان ...

Salma Salama [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]