تلك كانت فكرة طرحها الراحل عبد العزيز العميرى رحمة الله عليه راجيا من خلالها ان نتوفر على برنامج  تلفزيونى يحمل الاسم عينه ، ويسعى من خلاله لانصاف من رحلوا من الفنانين ـ الطيب سمسم وسيف عبد القادر ـ تنادينا حينها ، كان رفقتنا الراحل الفنان احمد زاهر الذى قام بتلحين عدة اغانى للفنان الطيب سمسم ، وكان صديقا من ثم للملحن سيف عبد القادر ، يرحمهم الله جميعا ، ولان سيف عبد القادر كان له القدر الوافر فى تلحين اغنيات لثنائى النغم "خديجة وزينب " يومها كانت العلاقة بين المطربتين فى اوج خصومتها ، لكنه صالح بينهما ...
بدأنا البروفات ، بحضور الفنان احمد زاهر والفنان سبت عثمان والفنان فيصل نصر عازف الفلوت ، كان عميرى قد اوكل امر التقديم لى ، ذلك بالضبط قبل رحيله الماكر ، الباكر  باسبوعين ...!
ولم نتمكن بطبيعة الحال من تقديم البرنامج ، لكنى وفيت بوعده لتكريمهم من خلال برنامج اعددته فى مناسبة تابينه بعد اربعين يوما من رحيله ...
يا لاوراق الخريف ، تلك التى ماتزال تتساقط وتضيع منى على صعيد شخصى ، يحملها ويطويها الموت ، ذلكم الكائن الحقيقى للاسف ، وتلك الحقيقة التى لا "لف ولادوران فى متنها "
يوم الخامس من اكتوبر للعام 2011 كنت على موعد مع سقوط ورقة اخرى ، ورقة جديدة ، ورقة كانت تحمل بين طياتها الاف اللوحات المرسومة وموزعة بين المدن من اديس ابابا ، الى هيوستن تكساس ، الى ايوا ، حيث قدمته لادارة مستشفى ايوا حيث كنت اعمل ، وشهد المعرض حضورا كبيرا اجمع مشاهديه على فرادته ...
ورقة الخريف كانت قد تمت ولادتها العام 1964 ورحلت فى العام 2011 ، اسمها محى الدين الزين ، هكذا وبلا مقدمات اطاح الخريف بورقة احسبها عصية على النسيان ، محى الدين الزين ، هكذا يظل الاسم ، وهكذا نظل نردده كاملا بلا نقصان ...
رحلت تلك الورقة الخريفية وفى الروح ناحيتها تساؤل لا يعرف المهادنة .. كيف ولماذا ؟
يا لتلك الورقة ...
كان يوم 25من مايو من العام  1999
ومن نافذة السيارة التى كانت تقلنا باتجاه حيث سنسكن رفقة ابنتى ، صاح محمد الصومالى كما كنا نسميه والذى كان المسؤول من جهة الوكالة التى تبنت حضورنا الى الولايات المتحدة ،صاح محمد مناديا بلهجته الصومالية المخلوطة بالعربية الثقيلة النطق "محى الدين " توقف محى الدين ، فتى فى اواخر عشريناته او اوائل ثلاثيناته ، اخضر اللون ، مبتسما ابتسامة عريضة اشاحت عن صف من الاسنان البيضاء الناصعة ، فتى نحيلا ، وتسالمنا من خلال نافذة السيارة ، كان متعجلا كعادته باتجاه العمل ، حيث كان يشتغل ليلا ، ويعود عند الصباح ، وعدنا ان نلتقى فى الصباح ومضى باتجاه عمله...
عند السابعة صباحا ، طرق الباب ، كنا نقاوم اختلاف الوقت كيما ننام ، لكن زائرا يقف امام الباب ، فتحت الباب فاذا محى الدين الزين يحتضننا معا حيث اطلت الان عزة من غرفتها ، تسالمنا كمن نتعارف منذ الازل ...
ـ امس ما سلمت عليكم ياخ ، كيف الرحلة وال.. كلام كتير
قمت لاعد الشاى ، شربنا شاينا وقبل ان ننتهى كان محمد الصومالى يقف فى الباب مستأذنا ان نتعجل لان امامنا مشوار طويل لاستخراج الاوراق والبطاقات ...وكل ما يلزم بقاءنا فى هذا البلد ...
تركنا محى الدين فى البيت ، وعدنا عند منتصف النهار ، كان نائما لكنه قبل ان ينام طبخ لنا ما لايحصى ولا يعد ، فهو طباخ باهر ، لكن صديقه الذى علم بوصولنا جاء للسلام علينا ، كان محمد مبارك السودانى الشهم الذى ما نزل سودانى ارض تكساس الا وكان عرابه ، أمرنا ان نقوم الى حيث أعد لنا ويما حافلا ، كنا نغالب النعاس ، لكنه الضيف الذى لايمكنك ان ترده ،وخرجنا الى مطعم صينى لاول مرة نأكل طعاما صينيا ، وعرج بنا عقب ذلك الى السينما ، حيث كان فيلم "حرب النجوم " فى طبعته الثانية كما اذكر ، عدنا بعد يوم طويل ، وانزلنا محى الدين الى حيث العمل ولم نفترق بعدها ...
تصادف اليوم التالى ان كان السبت ، وكان محى الدين لا يشتغل يوم السبت ، فقام رفقتى الى حيث المحلات ، مشينا ومشينا ، طوال المشى ذاك كنا نحكى عن كلية الفنون ، ومعهد الموسيقى والمسرح ، بيننا مشتركات جعلت وحدتنا امرا هينا ..
كانت المرة الاولى التى استمع فيها للمطرب مصطفى السنى والمطربة رشا شيخ الدين، ذلك حين اهدانا اسطوانتين لهما ومعهما مسجل لاول مرة اشهد السى دى ..!وادمنت الاستماع اليهما ...يا لمحى الدين الزين ...
كان يسكن معنا ، بالكاد يمشى لبيته للنوم ، يقول لنا
ـ لقيت لى اهل ياخ
وما ترك مكانا فى هيوستن الا واشهدنا عليه ، طفنا المعارض والمتاحف فى المدينة ، الدكاكين والمحلات ، يشترى لنا وله ، فالبيت واحد ، لا يطبخ لاننى نهيته عن ذلك وبات فردا فى اسرتنا بلا منازع ، يجئ الينا ونمشى الى بيته الذى كان فى نهاية الممر فى المبنى ..
حين قررنا السفر الى ايوا ، كان يوما قاسيا عليه وعلينا ، فلم يجئ لوداعنا لكنه لم يحتمل بعادنا فعاد الى حيث كنا ، عاش معنا فى بيتنا رفقته الطاهر بشرى قادمين من كاليفورنيا ، بقى معنا الى ان قرر هو هذه المرة السفر الى مينسوتا ، حيث رحل منها الى جوار ربه ، لكنه لم ينقطع عنا قط ، طوال الفترة التى بقى فيها فى مينوستا كان يتصل ويحكى ويحكى
لم يكن قد تعلم قيادة السيارة بعد ، فى يوم جاءنى صباحا باكرا ، كنت باتجاه البقالة ، قال لى
ـ ماشة وين من الصباح ؟
قلت له
ـ ماشة الدكان
قال
ـ خلاص بوديك
ـ قلت له
ـ يلا استعجل عشان الباص ما يفوتنا
ضحك بصفاء
ـ باص ؟ عاينى بالشباك فى عربية حمرا صغيرونه دى عربيتى
ـ يا سجم انت بتعرف تسوق من متين ؟
قال
ـ من الليلة ، اشتريتها امس وسقتها الليلة ، شنو ليك اخوك ما صعب ؟
قلت له
ـ ما بمشى معاك ، يازول انت تعلمجى ساكت تودينا فى داهية كلنا
قال
ـ هسى جيت بيها من هناك لغاية هنا ولاعندى رخصة ، لكن حديد ما بتجيك عوجة يا امنا معقولة اعمل ليكم حاجة كعبة ؟
ومشيت معه ، عدنا من حيث الدكان ، حدثت عزة عن امر "عربية محى الدين " قالت
ـ محى الدين يسوق عربية العربى الطقش دا ؟
كانت تعرف ان تسوق لكن لم تكن لدينا سيارة ، خرجا معا ، وعادت مبتسمة
ـ العربى طلع سواق حريف
بعد عدة ايام اشترينا سيارة خاصة بنا لكنها لم تعش طويلا حيث كانت عليلة من يومها ، لكنه اصر ان تكون عزة سواقتنا ، وترك لها سيارته ، كان يتركها لها كمن يترك سيجارة لمدخن ما ، وظل على تلك الحالة حتى اقتنت عزة سيارتها الخاصة
كان مغامرا ، يحب الحياة ، يذهبا هو وعزة حيث يلعبان البلياردو ، كان حين يهزمها تظل تلك "المكاواة " قائمة حتى تبكى عزة احيانا وتخاصمه ، لكنهما سرعان ما يعودا للطفولة معا ، يلعبان ويهزمها ويتشاحنا ويتضاربا كما الاطفال ، كانت طفلته المدللة ، لايترك جديدا من الافلام الا وياخذها اليه ، وان لم يأخذها فانه يؤجر لها الافلام ، ونقعد فى بيته ، تلك الحالة الوحيدة التى نبقى فيها فى بيته طويلا ، يجئ الينا وليد المنسى واحيانا عادل عبد الرحمن ، ياخذنا الحديث عن لوحاته ومعارضه التى طالما شهدتها هيوستن وايوا ...
قبلعدة اسابيع اخبرنى انه لم يعد يطيق الشغل وقرر ان يهب ما تبقى من ايامه للوحاته ، قال
ـ ما بعمل فى اى حاجة غير ارسم ، وساكن وشارب من ضهر الحكومة ، والرهيفة التنقد
وانقدت الرهيفة برحيلك يا محى الدين الزين ود السارة كما يحلو لى مناداتك وترد على يا بت سكينة الليلة طابخة لينا شنو ؟
كان نادرا ما ياكل ، لكنه حين يجئ الى بيتنا يقول انه فى بيته وياكل ويشرب ويحس انه مع فاطمة اخته وبناتها ...مع امى السارة يابت سكينة والله بحبكم زى شنو ماعارف لكن بحبكم
رحمة الله عليك ايها الصديق والاخ والحبيب العديل والزين محى الدين الزين ، لقد آلمنى رحيلك القاسى المباغت



Salma Salama [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]