كل عام والجميع بخير
حين دخلت الى المطبخ حيث اشتغل الان ، فى هذه المدرسة الصغرى ، كنت ابدو كما اشارت ميرى كفراشة اتنقل بين الاشياء ، كانت خطواتى متسارعة على غير عادتى منذ شهر تقريبا ، اليوم ال30 من اغسطس بدأنا الافطار ، ضحكت حين اشرت الى نفسى بشهر اغسطس وهو بالحقيقة الاول من شوال ، لكننا نتعاطى مع هذه الاشهر بالتجاهل غير اللائق بها ، امى كانت تطلق الاسماء المحلية على هذه الاشهر العربية ، فتسمى هذا الشهر "الوحييد" ولا اعرف من اين جاءت وحدته تلك ؟
قلت لميرى : لقد افطرت اليوم
هنأتنى فيما اشارت مارغى الى انى " ستعودين تاكلين معنا وتشربين ؟ لقد اديتى واجبا عظيما يا لك من انسانة متدينة ، الان بوسعنا ان ناكل دون ان نتوارى عن اعينك ونشرب كما كنا نفعل " عادة كانت ميرى ومارغى تتحفظان فى امر الطعام امامى مراعاة لمشاعرى ...!
ولم يكن ذلك امر خاص بهما ، بل ان "دوون " قالت لى اليوم وكنت فى غرفة الطعام فى الطابق العلوى ادفع بالمصعد الى الطابق الارضى ، فيما كانت تعد طعامها
ــ اسفة اننى اتناول غدائى امامك ، لا ينبغى ان نفعل ، أليس كذلك ؟
قلت لها ضاحكة
ــ لقد افطرنا اليوم ، انتهى رمضان
هنأتنى وتمنت لى احتفالا طيبا
على غير العادة ، ومنذ عدة اسابيع بدا اليوم غائما سحب ظللت السماء ، كانت سحب داكنة تنبئ عن مطر هتون افتقدته المدينة طويلا ، فمنذ ان هلّ شهر اغسطس وحتى الامس كانت الشمس هى ظلنا الذى لاظل بعده ، لكن هذا اليوم كان كما قلت لنفسى محتفى معى بالعيد الذى ما كان سعيدا حيث لا احد رفقتى ...!
فلم تطرق اذنى اصوات المهللين والمكبرين المنبعثة من المساجد فى الاحياء فى امدرمان او امبدة او الابيض ، لم يطرق بابى الاطفال الفرحين بالعيد وهم يبدون فى ملابسهم التى لا شك نامت الى جوارهم فى السرير ، ولم اشهد طفلا يجرى خلف اخواته الكبار يلحق بهم وهو يبكى وينادى " استنونى " ملابسهم جديدة او مغسولة ونظيفة ، نهضوا لارتدائها باكرا ، بنات غسلن شعورهن وسرحنها بتلك الفيونكات الملونة والاشرطة المنسدلة وضفائرهن ،لم تكحل عينى امهات فى منتصف العمر الجميل يحملن مصلاياتهن وخلفهن جرى الاحفاد يتدافعون ممسكين بثوب مغسول ومكوى بعناية واحذية تصر من المشى ، جديدة ونظيفة ولامعة ، فساتينهن المختصة للعيد باكمامها الطويلة وطرحات تغطى رؤوسهن البدت عليها آثار الحناء والبياض فى تنافس حميم ، يدخلن بيوت الجيران عقب عودتهن من صلاة مباركة ودعوات لاتخفت اصواتها للكل "علينا وعليكن يتبارك " او هن عائدات من زيارة لمن رحلوا وتركوا الحياة الى عالم يعرفن مقدار صعوبة الاوبة منه ، يوزعن الكعك المعمول لتلك المناسبة ، مصحوبة تلك الزيارة بالدعوات للاحياء والاموات بالرحمة والمغفرة ...
ادنو من مؤشر الراديو هذا الصباح ، كنت ازعم التعزى ، لكنى ما وجدت عزاء ا واحدا يقينى انسدال الدموع الان ، لم يأتنى صوت العم مختار وهو يتمنى ان يعود العيد بالخير ، مصحوبا بتلك الاغنية التى ما مللنا سماعها فى العيد "يا عيد تعود ياعيد " لم يحل صوته الدافئ الضخم الفخم الملئ حيوية ومحبة للكل مليئا بزخم الادب والمعرفة ، صوت حدثنى مرة عنه وعن سره "زمان لمن كنا فى بخت الرضا ، ما كان فى مكرفونات وكان لازم لما نعمل مسرحيات يسمعنا كل الناس القاعدين قدام المسرح من اول مشاهد لاخر مشاهد ، فكنا بنقوم بتمارين عشان الصوت يبقى عالى وواضح النبرات والمخارج " ...
يا لصوت ام كلثوم غاب هو الاخر هذا العام فلطالما كانت احد علامات العيد فى مصر ايام عشت هناك تغنى ويردد الشارع رفقتها "يا ليلة العيد انستينا " بل على العكس من كل ذلك جاءت اصوات المذيعين مخنوقة بعبرات لامرئية جاءت تحمل اوجاع المدن والنجوع فى ليبيا وسوريا واليمن ، لكنها بالمقابل كانت حفية وحميمة من مصر وتونس ..!
كنت تحس اصوات الطلقات مع كل جملة خبرية ، وتشتم روائح الموت فى سوريا وليبيا حيث تحول الهروب الى نحر القذافى وبات هو من تطارده الجموع "زنقة زنقة ودار دار "
لم استمع سوى لصوت الفنان الراحل النعام آدم وهو يردد "مر العيد وفات " رغم انه لم يبدأ جواله بعد لكنه مرّ ...تمنيت لو عادت بى الايام للماضى ...
30 اغسطس 2011 
Salma Salama [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]