العام 1989كان عاما مثيرا ، علي الصعيد الشخصي ، وعلي صعيد الوطن من ناحية اخري ، فهو العام الذي ( كان ) سيشهد انعقاد المؤتمر الدستوري في شهر سبتمبر منه ، ذاك الانعقاد الذي حملناه امالنا وأشواقنا لحل ازماتنا باجمعها وكل ما تعلق بها لكن ذلك لم  يحدث وهو آخر ما حدثني عنه الراحل عبد العزيز العميري وازعم ان ذلك الحدث ( انقلاب يونيو) هو الذي عجل برحيل العميري ، فلقد قال :
-الانقلاب دا حق الجبهة الاسلامية ، وما في زول عندو مصلحة في عدم انعقاد المؤتمر الدستوري ، ولا البلد دي تمشي لي قدام ، وترجع لي ورا ( الا الناس ديل ) عشان كده انا ذاتي ماشي خالي ليهم  البلد ذاتا  ورحل بعد ثلاثة ايام من الانقلاب في الرابع من يوليو 89، تاركا ايانا يتاماه الي الآن ، مواعين   حياتنا فارغة
فارغة نحاول ملأها الأمر الذي ازعم استحالته ، هذا فيما يتعلق بالجانب الشخصي
قبل ذلك في رمضان ، من نفس العام ، لم يكن رمضانا ككل (الرمضانات) السابقة التي عشتها ، فلقد تميز بامر أعجز عن وصفه ، كان عليّ ان اكون ضمن من اسماهم الاستاذ صلاح الدين الفاضل ( تيم نمرة واحد ) رفقة الزملاء : صلاح التوم ، اسامة جمعة ، حسن دوكة ، طارق كبلو ، طلال عثمان ، التجاني حاج موسي ، سكينة عثمان ، اسراء زين العابدين ، عبدالوهاب هلاوي ،  ،رجاء حسن حامد ، سهام الكندي ، محمد خفاجة ، بقيادة المايسترو صلاح الدين الفاضل ، وغيرهم من المعدين والمخرجين ، والفنيين  والمذيعين ، والمذيعات ، والضيوف .
شهر كان له في نفوسنا وقع طيب ، وطعم حلو المذاق ، حلاوة الديمقراطية التي ما كنا ندرك سرعة انهزامها وتراجعها الي الصفر  او ما دون ذلك ؟
كان اليوم الاول من رمضان قد حل بيننا ، ولم نكن ندرك حلوله لانشغالنا في التحضير لبرامج رمضان ، الا في وقت متاخر ، وكان يصادف اليوم الاول لرمضان من ذاك العام ، الاحتفالات بالسادس من ابريل ، دخل علينا الاستديو الاستاذ صلاح الفاضل ، بالاوراق التي كنا قد سجلناها لبرنامج (صباح الخير يا وطني ) قائلا :
ـ يا اولاد، سلمي الشيخ ، اسامة جمعة ، بكره حيكون اول يوم في رمضان ، عارفكم سجلتو البرنامج ، لكين عاوزين الحلقة تكون نص ساعة لانه في رمضان ما بتتذاع زي المعتاد خمسة واربعين دقيقة ، يلا ، استديو خليل فرح فاضي
حينها كانت اشارة ضبط الوقت قد اشارت لما بعد منتصف الليل لم نكن نملك سوي حق التنفيذ لما اشار به الشيخ المبجل صلاح ، واستغرق الامر منا ما يزيد علي الساعة لاداء المونتاج ، لكننا لم نحس بانصرام الوقت ، بل كنا في حالة صحو جميل ، عززه صديقنا الراحل هاشم الريح ، الفني الفذ، جاءنا بعشاء وسحور لا ينسي .
خرجنا في بواكير ذلك الصباح في فجر ران علي الحياة بقدوم يوم جديد ، لم تكن بنا اعراض اعياء او فتر ، ولم نمل وجودنا ، بل عدنا الي العمل عند العاشرة من اليوم نفسه ، ملؤنا الحماس ، وجدت ان اسمي في خريطة البرنامج مكررا في ما يزيد علي الخمسةعشر برنامجا ، اذكر ان الاستاذ والصديق مدير الاذاعة صالح محمد صالح ناداني الي مكتبه ضحك في وجهي لحظة رآني وقال :
ـ بالطريقة دي لو الواحد فتح ما سورة الاذاعة حتطلع ليهو سلمي الشيخ ، الله معاك
كنا جماعة التفت في حب حول العمل الاذاعي الذي كان دائما وراءه صلاح الفاضل ، وهو بدوره من اعانني علي حفر اسمي في اخاديد الاذاعة رغم قصر الفترة التي امضيتها في العمل الاذاعي ، لتبقي اجمل الفترات في حياتي ابدا .
اتاحت لي الحوارات التي اجريتها مع العديد من الرموز في البلاد من التعرف اليهم ، وكان لي شرف ان احاور السادة (محمدابراهيم نقد،صادق عبد الله عبد الماجد ، د.الجزولي دفع الله ، محمد المكي ابراهيم ، فراج الطيب ، مصطفي سيد احمد ، علي المك )وغيرهم ممن سقطت سهوا اسماؤهم عن الذاكرة .
في ذلك الرمضان كان العميري له كل الرحمة ، وردة تحط علي كل أغصان البرامج ، فانت واجده في ( كلام في كلام ، مغنيا ، مع الفنان شاويش ، وفي حكاية من حلتنا ، مع سعد الدين ابراهيم ومعتصم فضل ، وكاتبا لبرنامج كاريكاتير ، الذي اخرجه ابراهيم البزعي ، وضمن البرنامج الدرامي الكوميدي ناس معية خطاب حسن احمد ، وفي برنامج من اعداد واخراج عفاف الصادق حمد النيل ، مكتوب باللهجة المحلية لاهل  دار  فور ، اخراج كمال عبادي ، وهنا لابد من الوقوف عند هذه النقطة ، فالزميل عبادي كان لا يحتمل مجرد ان تعبر الاستديو ، ناهيك عن الكلام ، كان اذا عبرت (نملة ) فانه لا محالة (بقلب الهوبة ) داخل الاستديو في حركة انذار ( مبكر ) ويظل يتمرغ بالارض حتى يسكت الجميع ، لكني في تلك الامسية وجدته مستندا الي حافة باب الاستديو ، وداخل الاستديو كان عبد العزيز العميري ( فاعل ما سائل) قائدا عاما علي حملة من الضحك ، بمشاركة تماضر شيخ الدين ، رجاء حسن حامد ، عفاف الصادق ، مريم محمد الطيب ، حسن دوكة ، وصخب من الضحك بلا اول ولا آخر ، من جانبه الفني كان يجلس الي كرسيه بانتظار ان تنتهي موجة الضحك ، شدتني عاصفة الضحك فدلفت باتجاه الاستديو ، وجدتهم في غيبوبة منها ، ضحكت معهم وخرجت ، سالت كمال عبادي عن السر الذي جعله صابرا علي كل ذلك الضحك فهز كتفيه ونظر الي ساعته ، كانت الساعة تشير الي ما بعد منتصف الليل !
حين عاد معزيا في العميري بعد ما يقل عن الشهرين من ذلك اليوم ، جاءني باكيا :
ـ تتذكري يا بت الشيخ اليوم داك ، لحدي هسي ما عارف المسكني شنو من الهوبة ، ولا قادر اعرف السبب الخلاني عملت كده ، حاجة غريبة مش؟ وبكينا معا تمنيت ان لو كان البكاء يعيده ، رحمة الله علي العميري

مشهد ثاني

العميري ، كان غرسة نخل رائعة ذلك الرمضان ، كنا وما زلنا نتمناها بيننا ، ليتها تظل لتقينا هجير الحياة، الاستديو كان عاجا بالناس الضاحكين ، من الذين يقدمون برنامج كاريكاتير الذي كتبه العميري ، كنا نقرأ في الحلقات التي سنسجلها ، صحبة المخرج ابراهيم البزعي ، تماضر كانت تجلس الي ارض الاستديو ، (تحل ) كلماتها المتقاطعة ،من احد الصحف اليومية ، فجأة اثناء البروفة قاطع العميري :
ـ البزعي، تماضر ما شغالة في المسلسل دا؟
ـ لا ما شغالة
ـ ما شغاله ؟ اديني ورقي ، يلا
جمع منا الاوراق كما اتفق ، وخرج بها من الاستديو ، خرجنا خلفه جميعنا ، اعدناه ، بدا وكأنه لم يكن ذلك الشخص الذي قذف بحذائه الي اعلي الاستديو مسببا كل ذلك النزول لقطع السقف ، كأنه لم يثر ابدا ، كأن ما حدث من غضب كان كذبة ، او فورة خارج النص ، عدنا للضحك ولتسجيل حلقات برنامج كاريكاتير

مشهد ثالث

شيخنا صلاح الفاضل ، كان يسميني ابو الدقيق ، لحماقتي ، وسرعة انفعالي ، وهذا ما وددت التخلص منه طوال حياتي ، وكثيرا ، حتي ان شقيقي الكبير كان يقول لي دائما
ـ سلمي اختي ، الدنيا دي فيها الوان كتيرة غير الاسود والابيض ، في الوان تانية
لكني لا اراها ، غالبا ، لحظة انفعالي ، علي اية حال ، استدعاني صلاح الفاضل ذات صباح ، المكتب كان مكتظا بالحضور ، ضمنهم كان فراج الطيب ، والذي كان تقدم  بشكوي ضدي لصلاح الفاضل ، مفادها انني اغفلت امر مسا بقة ما كان المجلس القومي للثقافة والفنون بصددها ، حين احسست بالسخرية في طريقة الكلام الصادرة عن صلاح الفاضل  امام الحاضرين ، غضبت وخرجت لا الوي علي شئ سوي المغادرة الكلية للاذاعة ، دخلت الي المكتب هناك وقفت امام دولاب الاشرطة مفرغة كل المحتويات ،
من اشرطة كانت تخص البرامج التي كنت اقوم باخراجها ، منها ما خص الاستاذ علم الدين حامد وبرنامجيه (صالة العرض ، وحروف ) لابراهيم البزعي ( كاريكاتير ) لصلاح الفاضل نفسه المسلسل اليومي الذي كنت اؤدي بطولته ، برنامجي صباح الخير ومساء الخير ، المفكرة ، وغيرها من البرامج التي تصل الي خمسة عشر برنامجا ، وكنت اذ ذاك اهم بالخروج ، فاذا بخطاب والعميري في مواجهتي ، وهما يلوحان لي :
ـ بت الشيخ شوفي تمرقي حنمرق معاك ، دي مسئولية كبيرة ، وانتي في اول السكة ، صلاح الفاضل حنخليهو يعتذر ليك ، اها ، تاني شنو ؟
اخذني العميري الي (ركن ) من اركان المكتب ، حدثني عن ضغوط العمل ، ورمضان ،
ـ ياخي زول زيك بشتغل ليهو كم برنامج من الصباح لحدي بالليل ، انتي مجنونة  ولا شنو ؟ بقيتي اشهر مننا ، بعرفك يا بت الشيخ سلامه  ، يا بلال عليا ، آي ياخي اضحكي كده ، ( هيع ) عليك الله في احلي من الضحك دا؟ (ايا) هسي اخونا حيقوم يلقط الشرايط (والدبابير ) كلها ،
و... اتجه بي الي مكتب صلاح الفاضل وضحكنا  مما اسماه صلاح ابو الدقيق وكان يعنيني ، قال لي صلاح لحظتها :
ـ تعرف يا ابو الدقيق ، العمل الاذاعي عمل جماعي ، ولا ما كده يا عميري؟  وانه الجماعة ما زي الزول براه ، صحي الزول وسط الجماعة ما بكون ظاهر ، لكين انت يا ابو الدقيق ، زول بحب شغلو ، يلا امشي شوفي شغلك .

مشهد رابع

اقف الآن علي عتبات منتصف العمر الجميل ، دعوني استعير اسم هذا الكتاب لامر في نفسي ، وهو كتاب لكاتبة امريكية ، توفرت علي ترجمته نابهة من نابهات مصر ، كنت قد كتبت عن هذا الكتاب ذات مرة ، وكانت اول مرة ينتبه فيها الي ما اكتب الدكتور حيدر ابراهيم ، ولاول مرة يعنيه امر كتبت عنه طوال فترة عملى فى صحيفة الاتحادى الدولية التى كانت تصدر فى القاهرة وعملت فيها من العام 1993وحتى 1999؟ ويبدو انني لم انجح في استمالته الا شفاهة لانه قال ما قال عما كتبت شفاهة رغم ادعائه الاهتمام بالكتب والكتابة ، وتحريضه الناس علي ذلك الفعل ، لايهم ، فلقد سبقه الي ذلك اللاهتمام الاستاذ بدر الدين عثمان ، الذي توفر علي مطابع ودار نشر (الميدلايت )  فى القاهرة ايضا ،كنت قد حملت اليه كتابي الاول (مطر علي جسد الرحيل ) اول مجموعة قصصية خاصتي ، المهم انه قال لي مبررا رفض النشر لتلك المجموعة :
ـ حقيقة ما عندك جمهور ، يعني لو كنتي زي اقبال بركة كنت حانشر ليك
قلت له
ـ:يعني الزول لو داير ينشر يجيب صف الجمهور عشان الناشر يشوفو وبعدين ينشر للكاتب ؟
وحملت كتابي وغادرته ، لم التق به الا في مدينة ايوا فى الولايات المتحدة ، ولم التق به بالفعل ، لان في نفسي كانت مقولته ، وحتي ذلك الحين اصدرت لي الشركة العالمية الاصدارة الثانية .وبعون الصديق الرائع هاشم ودراوى اصدرت اكثر من عمل ، لا املك الآن منها سوي نسخة من كل كتاب ، ( سرحت) لكني لم اعرف اين اقول ما قلته الآن ، عفوا ، كنت اتحدث عن  صلاح الدين الفاضل والعميري (حاف ) لاني احبهما بصدق ، وهنا ساتحدث عن الاستاذ صلاح الفاضل ، الذي اصفه دائما بانه (دهب الاذاعة المجمر ) ، قد نتفق ، وقد نختلف حول شخصيته ، لكني اكن له تقديرا خاصا بي ، فلقد علمني ان الحب هو اول ابجديات العمل الاذاعي ، وهوالمدخل الحقيقي للاذاعة ، علينا ان نحبها ، وننذر انفسنا لها ، ( قدر ما تديها بتديك ) هكذا كان يقول لي محرضا ،لذلك كان صلاح ، وسيظل لدي احد القامات التي لاتنحني في العمل الاذاعي .
حين بدأت العمل الاذاعي ، 88 كان صلاح في ذلك الحين ، رئيسا لقسم المنوعات ، ولم اكن اعرف اين اضع قدمي ، جاءني ذات مساء ، وكنت اذ ذاك اعمل مع الزميل شاذلي عبد القادر كمساعد مخرج لبرنامج صباح الخير يا وطني ، واكتب مجلة المساء التي يخرجها الزميل سيد احمد ابراهيم ، كنت انتظر التيم الذي اشتغل معه في المكتب ، وهلّ صلاح فى الساعة الثالثة بعد الظهر ، وضع امامي اوراقا متنوعة من التي لم اكن اعرف كيف تدار وقال :
ـ نايلة حتجيك الساعة سته
ـ نايلة العمرابي ؟
ـ في غيرا ؟
ـ عشان؟
ـ عشان حتشتغلو المفكرة ، سلام عليكم
ـ لكين يا
ـ انتي قريتي خياطة؟ مش اتخرجتي في معهد الموسيقي والمسرح ؟وبتعرفي يعني شنو اذاعة ؟
ـ ما حصل اشتغلت المفكرة
ـ خلاص الليلة حيحصل
الساعة كانت تشير الي الثالثة بعد الظهر ، هالني الموقف ، لكن لا مفر ، نزلت باتجاه الاستديو ، كنت لحظتهااتساءل
( برنامج يومي يعني اعداد ، اخراج ، ، قلت في نفسي ، ما بطال ، برضو فكرة)
دخلت الاستديو 
ادرت الشريط ، المسجل عليه المفكرة ، ادركت ماذا اريد ، وماذا عليّ ان افعل ، عدت لمكتب التنسيق ، طلبت من عم خفاجة  ( روزنامة ) للتاريخ الهجري والميلادي ، ومواقيت الصلاة ، عدت للمكتب ، بدأت اكتب المفكرة  ارتب المواد حسبما هو مطلوب ، وفقا للاهمية ، نظرت في ساعة يدي ، كانت نايلة امامي تماما ، نزلنا الاستديو ، خوف يطويني الي جانبه ، رعشة سرت فيّ رفت لها كل اعضائي ، اعانني الفني علي تخطي العقبة الاولي ، سجلت اولي الحلقات ، من برنامج كنت اعده للمرة الاولي ، استيقظت صباح اليوم التالي باكرا ، ادرت مؤشرالراديو بانتظار اول برامجي ، لم أفرح بما قدمت ، لكني ثابرت في لاحق الايام حتي جعلت لها مذاقي الخاص وايقاعي الخاص  ، وعاد برنامجا له مستمعيه الذين ينتظرون طلعته .

مشهد خامس

فبراير من العام 1989 مذكرة الجيش الشهيرة ، غبار امشير العالق يخيط الجو بغلالة كثيفة تنسحب علي السياسة والحياة بكاملها ، كنت في نفس موقعي في المكتب انتظر حضور نايلة العمرابي ، يقف امامي الآن الاستاذ صالح محمد صالح مدير الاذاعة :
ـ الاولاد ديل وين ؟
ـ منو ديل ؟
ـ شاذلي وصلاح التوم ؟
ـ مشوا البيت
ـ وانتي ما عندك بيت ؟
ـ ما عندي مواصلات ، بعدين عندي شغل مع نايلة وسيداحمد ابراهيم
ـ يعني بتعرفي تقري وتكتبي ؟
ضحكت من سخرية السؤال ، واجبت بارتباك
ـ بعرف طبعا
ـ خلاص دي مذكرة الجيش ، عارفاها ؟
ـ قريتا الصباح في الجرايد
ـ خلاص بكرة الصباح عاوز برنامج صباح الخير عنها
وخرج المدير
مضت اللحظات ثقيلة ، فلقد كان عليّ ان اسجل المفكرة مع نايلة ، وان اكتب واخرج برنامج صباح الخير يا وطني ، لاول مرة منفردة ، وهذا يعني الطوفان .
قلت لنفسي :
ـ  الليلة ووب يا بت الشيخ ، كان الحلقة طلعت كعبة سجمك ، وغنيت ( (طلعت الحلقة ) ضحكت مني ، كنت ما ازال في حالة من الانبهام ، وواصلت الحديث معي :
ـ  يا بت الشيخ ، يا حليلك يا المكتوبة بقلم الرصاص ، بمسحوك ، وتمت وختمت ، وعمك صالح كسر قلمك ، حتي القلم آيل للكسر ، ان لم...
السادسة مساء ، لم اكن قد تحركت من مكاني ذاك الا بالقدر الذي يسعني لطلب كباية شاي من عم قطبي ، الذي جاءني دون ان اسعي اليه ، يدخل الآن الثنائي الرائع حسن محمد دوكة ورجاء حسن حامد ، تعقبهم نايلة ميرغني العمرابي ، نزلنا الاستديو ، وجدنا اسامة جمعة وطلال عثمان ، اكتمل التيم ، فهما من اكثر الفنيين قربا الي نفسي  قلت لهما :

ـ سعيدة جدا لانكم الليلة هنا ، خايفة 
ـ من شنو ؟
ـ صالح اداني مهمة صعبة الليلة
ـ شنو ؟
ـ صباح الخير يا وطني
ـ يا حاجة قولي بسم الله ، معاك حسن ورجاء ، ما بتجيك عوجة ، ونحنا معاك
اكملنا التسجيل اودعنا الحلقة الي الاستديو المباشر ومعه شريط المفكرة ، في الصباح صحوت من نوم لم يكن الا كوابيس وهلاويس ،انهيت كتابة برنامج مجلة المساء عند السادسة صباحا ، الراديو كان قد بدأ بث النشرة اليومية الصباحية ، بدأت بعد ذلك المفكرة ، تلاها برنامجي الذي كنت انتظره ، البيت باجمعه كان يؤازرني ذلك الصباح ، كلما مرت الدقائق كنت احس خوفي يتراكم ، وضربات  قلبي ترتفع وتيرتها ، ( امتحان شهادة ) انتهت الحلقة ، لا اعرف ماذا فعلت ولا ماذا كان شعوري بالضبط ؟ خوف ، رهبة ، ابتسمت لي في سري ، ومنحت نفسي درجات ضئيلة حتي لا ( انشرح ) كما قلت لي سرا ، جاءني صوت امي مهنئا ، رفعت قليلا اسهمي ، والدي لاول مرة يخرج عن صمته فهو قليل ما ينفعل بما افعل علي الاقل هذا ما كنت احسه ، هنأني بدوره ، خرجت باكرا باتجاه الاذاعة علي غير العادة ، لا اعرف كم استغرقت الرحلة الي الاذاعة من ميدان البوسته ؟
مشوار كنت اقطعه ( كداري ) لكني كنت بطيئة الخطوات ، واحسست المشوار قد طال اكثر مما يجب ، وجدتني داخلة الي الباب الرئيسي ( وما قادرة امشي خطوة ) حين وصلت الي الباب المفضي الي السلالم المؤدية الي مكاتبنا داهمني صوت المراسلة الزي كان واقفا الي نفس مكان دخولي 
ـ استاذ صالح عاوزك
رددت مقولتي الشهيرة ( الليلة ووب ) الرماد كال حماد
مضيت باتجاه المكتب ، ( اقدم رجل واؤخر التانية) طرقت الباب ، امرني الاستاذ صالح بالدخول ، وجدته صحبة الاستاذ الخاتم عبد الله يونس ، جالسا الي كرسي بعيد عن مكتب صالح ، سلما علي بحرارة ، قالا بصوت واحد :
-حلقة ممتازة
دمعة جرت علي خدي ، مسحتها ، وابتسامة من الاستاذ صالح ردتني الي الواقع مدخلة الامن الي قلبي الواجف ، هربت خوفا ، فاجأني صوت الاستاذة ليلي المغربي:
ـ تعالي حلقة جميلة
قلت تلك هي ليلي واريحيتها المعتادة ، مردفة :
ـ  ولله ما عشان انتي هنا ، لكين بالجد حلقة جميلة .
قلت لنفسي :
ـ  دايرين يطيبوا خاطري ساكت
عبرت باتجاه المكتب ، سمعت صوت صلاح الفاضل يناديني ، قلت في نفسي
ـ  هسي صلاح دا مالو كمان ؟ عارفة حيقول لي دا شنو دا ؟ وهو ذاتو الجابو شنو الليلة ؟ ما قال مسافر ؟

ناداني مرة اخري
ـ يا بت ، يا سلمي الشيخ تعالي هنا
دخلت المكتب  ، هب واقفا، اخذني الي حضنه معلنا فرحته ، رايت بريقا في عينيه ، مد الي ّ بورقة طلب مني ان اوصلها الي مكتب السكرتارية ، لم اقراها ، اوصلتها وعدت الي مكتبنا ، ناداني قبل ان اصل ، خرجت الي مكتبه وفي نفسي انقباض ما، لحظة دخولي مدّ اليّ بورقة مكتوبة علي الآلة الكاتبة مختومة وموقعة بامضائه نسخة للمكتب ، وأخري باسمي ، نسخة للملف ، لغة لا  افهمها ، قال بلهجة آمرة :
ـ اقريها
قرأتها كانت تحوي اول شهادة لي ، شهادة تقدير ، عن برنامج اعده للمرة الاولي ، واخرجه ، وقف صلاح مهنئا
فانفرجت اساريري
ـ تهاني يا بت الشيخ
استرخت الورقة الزي كانت مرتعشة ، رميت بنفسي الي اول كرسي صادفني  قلت ما قاله صلاح الفاضل :
ـ المعركة الحقيقية بدت
بعدها لم يتوقف صلاح الفاضل عن كتابة مثل تلك الشهادات ، فبعد ان كنت مساعد مخرج لشاذلي عبد القادر صارت لي حلقاتي الخاصة ، واصبح لي حلقة في الاسبوع اقف علي اخراجها ، ثم عدد من الحلقات اسبوعيا ، وبت اخرج واعد برامج عدة  (اصداء 89 ) ( البيت الكبير ) و( مساء الخير يا وطني )بدلا عن ( مجلة المساء ) وكنت اكتبه واخرجه
بحلول رمضان من العام 89 كنا قد بدأنا ما اسماه صلاح الفاضل ايضا : المعركة الكبيرة ، معركة رمضان ، كنا ندخل الاستديو عند التاسعة صباحا ونخرج عند الرابعة والنصف  مساءا، لنعود في السابعة ونخرج فجر اليوم التالي ،  كان يجئ صلاح الفاضل عند العاشرة مساء بعض الاحيان راجيا مني تسجيل حلقة من صباح الخير يا وطني ، لان المخرج لم يأت ، كنت افعل صحبة التيم المحبوب امضيت اجمل سنوات حياتي العملية في السودان في الاذاعة ، يوم ان جاء من سيعين الخريجين الي الاذاعة كنت من بين الذين تقدموا لتلك الوظيفة ، سالني المسئول من لجنة الاختيار عن اسمي حين اجبته قال لي
(هو انتي لسة ما عندك وظيفة ؟ كيف يعني ؟ قومي امشي ، ما اظنك محتاجة لينا )
وكنت في ذلك الحين قد امضيت ما يقارب السنة منذ ان بدأت العمل ، وكان اسمي معروفا ، ولم يكن ليغدو بذلك الحجم لولا عون كل من عملت معهم (صلاح الفاضل ، صلاح التوم ، طارق كبلو ، اسراء زين العابدين ، حسن دوكة ، محمد خفاجة ، ابوبكر الهادي ، سوسن تاور ، اسامة جمعة ، عمر عوض ، سهام الكندي ، عبد العزيز الطاهر ، طلال عثمان ، شاذلي عبد القادر ، مبارك احمد المبارك ، اقبال محمد احمد ، ايمان محمد الحسن ، رجاء حسن حامد ، نايلة ميرغني العمرابي ، عثمان عمر ، احمد النيل ، فوزي عبد السلام ، عبود سيف الدين ،وكثيرون من الذين ساهموا معي في افساح مكانا لي بين اهل الاذاعة ) شكرا لهم علي حبهم وصبرهم علي مناكفتي لهم ، وشكرا لصلاح الفاضل الذي قدم لي المعرفة الاذاعية في يسر وفتح لي مغاليق ما كان لها ان تفتح لولا وجوده حولي ، فهو احد الذين تركوا بصمة في ذلك الجهاز الاعلامي لن تنمحي ابدا ، فله الحب ولي فخر انني عملت الي جانبه .

ايوا           مايو 2004
Salma Salama [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]