امى ، إمرأة من طراز فريد لكم كانت تشقى لاسعادنا ، رحمة الله كلها عليك يا امى ، تقوم من آذان الفجر لتصلى وقتها حاضرا ، ثم تدلف الى الراكوبة فى بيتنا فى الابيض حى السكة الحديد ، تلك الراكوبة التى كانت أجمل مكان عشنا فيه طوال إقامتنا فى مدينة الابيض، هناك حيث تبدا شعائر الحياة الاولى ، حيث نار الشاى تشتعل ولا تنطفئ طوال اليوم ، تبدأ امى يومها عادة بحلب الاغنام قبل ان تخرجها الى الراعى ، تضع اللبن على تلك "الحلة " التى كان لها خاصية تجعل من اللبن "مقنن"لتجعل من لبن الاغنام أمرا مستحبا ، فيما كنا نرفض تلك الرائحة التى كانت تحبها على العكس منا ، اجدنى حزينة الان لان ذاك اللبن الذى لم نكن نعلم فوائده الا الان ، حيث يحوى فايتمين دى ، الذى صار عقدة من عقد حياتى لقلة الشمس وانعدام لبن الاغنام هنا ..!لحظة ان يغلى اللبن ، كانت ترمى اليه بحبات الشاى ، لتبدأ فى الحال إعداد الافطار للاطفال الذين سيتوجهون الى المدارس ، فإن كان البيت يشكو قلة الموارد عمدت الى السكر تخلطه بقليل ماء وحبات ملح ونقاط من ليمون تجعله عسلا خاصا بها ،تحشوه فى الرغيف الحار الذى كان يحمله والدى من الفرن وهو فى طريقه الى البيت عقب صلاة الفجر، اثناء ذلك كنا نحن البنات نسعى بين الغرف نعيد ترتيب الحياة فيها ، اللحافات نعيدها الى مواقعها فى الغرف ، ننظف ما استطعنا اليه سبيلا ، ونسرع لان الباص سيفوت من يتأخر ، وكنت على وجه الدقة الوحيدة التى يحملها الباص الى المدرسة فى المرحلتين المتوسطة والثانوية وللغرابة كانت نفس المحطة ..!
نعود بعد الظهر الى البيت ، لا احد منا بمنجاة من تلك العادة التى مفادها ان يرمى الجميع حقائب المدرسة الى أقرب موقع ويجرى ناحية المطبخ ، ولعمرى تلك العادة ما تزال محمولة بيننا كانها وثيقة عهد ، ليس عقب العودة من المدرسة وحسب ، بل حتى إن عدنا من دعوة غداء او عشاء لايهم ، فالمطبخ وطعام امى اشهى من كل طعام ...ندخل المطبخ إذن ونفتش فى "الحلل " بحثا عن ما ناكله لغاية ان يحل ميقات الغداء المرهون بعودة والدى من العمل
فى اول الشهر كان ثمة غداء من النوع الغير عادى فالحال ميسور ، والغداء غير الذى اعتدناه فلابد اننا على موعد مع حلو قمردين او فى بعض الحالات حلو" ليمون أو كركدى " عادة حين تصنع لنا حلوا ما تتم عملية "اختطاف للحلة "وجريا بها بين الغرف ، وعادة ما يقوم المختطف بالبصق فى الحلة حتى يتسنى له ان ياكلها وحده ، ومن لوازم الحلو غالبا حلة من الارز لاجل ان نخلطه بالحلو ، وإن تعذر الحلو كانت الملوخية وفى الغالب كنا نفضل الرز مخلوطا بالسكر ...


Salma Salama [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]