عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

 
"الحلو " لم يكن شائعا لدى الكثير من الناس فى السودان خاصة نحن ابناء الاقاليم ، تعلمناه لاحقا ، لكن تحليتنا كانت خاصة بنا ، رغم ان امى عليها كل الرحمة تجيد صناعة الاطعمة وخاصة الحلويات ، لكن ، حين وصلنا الى مدينة الابيض العام 1969 كانت النساء لايمشين الى السوق  الا نادرا ، رغم انهن يشتغلن بالبيع  فى السوق ، ولديهن مواقع معروفة بهن يبعن من خلالها خاصة فى سوق ابو جهل ، لكن ، مع ذلك كانت النساء يمشين الى السوق خلسة ، أمر محير ذاك الذى كان يحدث ، لكن سرعان ما انتفت تلك الاستحالة وبدت النساء يمشين الى السوق بصورة عادية ...
قالت امى
ـ ابوك كان بجيب لينا حاجات الشهر من دكان تاجر صاحبو ، يعنى البهارات والزيت والسمن والفول والكبكبى ، المهم حاجات الشهر كلها ، ومن واحد تانى برضو بجيب لينا الاقمشة ، كنت بخيط براى ، بعد بقيت امشى السوق براى ، حتى دخل بيتنا الكاسترد ، وزمان قبال ما امشى السوق قدر ما اكتبه ما يجيبو لينا ، وكنت بسوى التحلية يا سلطة فواكه كان الفواكه راقدة ولا الرز بالسكر ...!
فى بيتنا كان الارز يشكل عنصرا حيويا لكنه ليس طعام لكل يوم ، فقط حين يكون دوره قد حلّ ، أو جاءنا ضيف مفاجئ ، او انها قررت ان نتعشى "رز باللبن " وحين جادت علينا "بالحلو " كان حلوا مصنوعا من اللبن او الكركدى ، او الليمون أو القمردين ، وهذا يحين زمانه عقب انصرام ايام رمضان الكريم ، وغالبا ما يكون رفقة "حلو القمردين " الارز لزوم ان ناكله مخلوطا بحلو القمردين ..
فى رمضان لم يكن لدينا من سبيل لذاك الحلو قط ، ولا الرز من ثم الا حين يكون "رز باللبن للسحور " والقمر دين للشراب فقط لكنه شراب محدود ، فالقمر دين غالى ، لذلك تتم صناعة عصيره فى حضرة "زولا عزيز " ويتم "نهرك " او "الحدرة " باتجاهك إن أكثرت من شرب القمردين ..!
وهو كان ومازال يحمل نفس المذاق ، ونفس العبوة تقريبا ، ملفوفة بورق اصفر شفاف ، ومكتوب على الورقة التى بداخل ذلك الورق الشفاف "صنع فى سوريا " حتى "هنا فى امريكا مستورد من سوريا "
رمضان كريم ، كل عام وانتم بخيرايها الاعزاء فى كل مكان من الوطن الحبيب ،  فرمضان فى الابيض ، تلك المدينة الاثيرة لدىّ ، نكهة خاصة به ، لم تفارق حياتنا جميعا الان والى الابد ، فمنذ أن مشت أقدامنا على ارضها العام 1969 وحتى خروجنا منها العام 1983 ظلت تلك السنوات نقش فى عمق ذاكرة كل منا ، لها مذاق مغاير ونكهة خاصة بكل فرد فى اسرتنا...وبوح خاص به ، يبوح به لمن يشاء ، وها أنى ابوح لكم ونحن فى غمرة هذا الشهر الفضيل اعاده الله علينا وعليكم بالخير واليمن والبركات
الساعة الان الثالثة بعد الظهر ، الصمت يخيم على أنحاء البيت ، سوى ان الراديو فى المطبخ يعلن الساعة الثالثة بتوقيت السودان المحلى ، أمى نائمة فى الظل الواقع بين حائط الديوان  وحائط الحوش ال"ورانى "ثمة "عنقريبان " ممددان الى جوار احدهما الاخر ، واحد تنام فيه امى متوسدة مخدة فقط ، لان ال"توب مبلول " والاخر عليه نفس الاشارات "عنقريب بدون لحاف "تتوسد فيه هدى عليها الرحمة وخنساء اطال الله عمرها مخدات لنفس السبب ، فلم تكن المراوح قد دخلت المدينة بعد ، فكل البيوت تهويتها جيدة ,لم يكن من تلوث بيئى يحول دون الهواء اللطيف ، والمدينة محاطة بالخضرة مما يكسبها برودة جيدة لاتحتاج الى مراوح ، مع ذلك فلقد كانت فى البيت مروحتان واحدة فى الديوان والاخرى فى غرفة والدىّ ، صمت فى البيت يعلو يقطعه صوت الراديو وتلك النشرة التى كانت امى تهتم بسماعها ، حيث احيانا تذيع من رحلوا  عن دنيانا ..
الاطفال فى خارج البيت الان ، لكن لابد من الغداء ، لانهم لا يصومون بطبيعة الحال ،أحاول الى ذلك ، مع أداء أمر آخر كلفتنى به أمى "نضفى الفول وختيهو فى النار فى حلة البريستو عشان يستوى للفطور "
وحتى يعود باردا فالحلومر يتم وضعه فى الثلاجة من وقت باكر ، حتى لا يحتاج الى ثلج كثير يحتاجه الجيران "كانت ام الحسين الغبشاوى كثيرا ما ترسل اطفالها الى البيت لأجل الثلج فى العصريات "
الأن تفوح رائحة البليلة  من حلة وضعتها امى على نار هادئة ، هاهو آذان العصر يعلن ميقات الصلاة ، وعلينا مراعاة فروق الوقت ، تنفض الان البنات وامى الثياب المبلولة عن اجسادهن ويتوجهن للصلاةـ ان كان والدى موجوداـ فالصلاة جماعية ، نتفرق عقب الصلاة ، الاولاد باتجاه الشارع ينظفون الحوش الخارجى ويضعون البروش والسجاجيد إن لم يكن ثمة أمطار "أحيانا كنا نصوم رمضان فى الخريف " والا فالافطار فى الديوان ، وإفطارنا نحن البنات وامى والعيال فى الراكوبة ، فهى لم تكن راكوبة كما كل الرواكيب فهى مكان أنسنا ، واجتماع شملنا ، بعناقريبها المنثورة فى داخلها ، وطبليتها المغطى سطحها بالالمونيوم حيث نضع عليها صينية افطارنا فى رمضان وغداءنا فى الفطر ، تلك الطبلية التى ما كان بيت يخلو منها ، حيث تقوم بدور عظيم فى "ربط مكنة اللحمة الى طرفها وكذا الكبكبى ولا شك انها ستحل محل الصينية لفرم الخدرة " الان الراكوبة ازدحمت فيها النيران ، فالفول ازدادت درجات غليانه لان امى رفعت معدل النار ، حيث "الوقت روح "وثمة "منقد آخر " للتقلية والعصيدة ، تزداد الحرارة ارتفاعا ، لكنها تخف تحت لطف البرامج الاذاعية الخارجة من إذاعة الشرق الاوسط او القاهرة او صوت العرب ، مسلسلات نتابعها  على الهواء  فلم يدخل التلفزيون بعد الى ساحات حياتنا ، نتابعها بنهم واهتمام ، حتى إذا ما كانت الساعة الخامسة الا ربعا عدنا الى "استوديهاتنا"فى إذاعة امدرمان  حيث المسلسل اليومى الرمضانى ، بنهايته نعود الى الاذاعات المصرية
ثمة تخصصات فى بيتنا كما فى أى بيت ابان شهر رمضان ، فالبنات عليهن "المويات " ورصها فى الصوانى التى يخرج بها الاولاد الى الشارع ، امى كان عليها "العصيدة وملاح التقلية " وما تبقى "نتشايله " لكن .. أكثر ما كان يعكر صفو اليوم الرمضانى "غسيل العدة" كنت غالبا افض تلك الغضبات من اخواتى ، واقوم بغسلها حيث انهن لا يختلفن عن الكثير من الصبايا فى عمرهن ، فاقوم طائعة الى ذلك الفعل "القاسى " عقب صلاة المغرب مباشرة ، حيث تمتد تلك العملية الى ماقبل صلاة العشاء بقليل او تزيد احيانا إن كان ثمة ضيوف ، لكن لايهم ، فلدى من يؤانس تلك الوحشة ، الراديو يظل مفتوحا الى جوارى ويستمر حتى وقت متاخر من الليل حين يعود والدى من صلاة العشاء يكون ذاك أوان "خت العشا" ونتعشى معا هذه المرة ، فالعيال الصغار ناموا ، احيانا إن لم يكن لدينا مدارس فالسهرة تمتد والونسة تحلو مع امى عليها الرحمة ، تحكى لنا عن رمضان زمان وكيف كانت الحياة سهلة ، والاشياء فى متناول الناس ، لكن الان كما كانت تقول "زمنكم صعب "، نتآنس حتى السحور احيانا ، تقوم الى ما تجود به علينا وتفرقه علينا تحدثنا عن السحور وضرورته ، نصلى الفجر وننام على امل اللقيا فى الصباح
لك الرحمة يا امى ولوالدى ولاختى الشقيقة هدى ، رحمة تتسع ، وتصوموا وتفطروا على خير