ولها صوت بارع فى الحديث ولغة سردية تحفك فى محفات القول الرشيد وحيثيات القول المجيد اللغة ، تحملك عبر الكلام الى فضاءات الانس فتنسى مكان جلوسك ومن معك والى اين كنت تسير ، تغويك بالحكايا المتسلسلة من واحدة الى اخرى والحكايا لدنها غير قابلة للنسيان وانت غير قابل للملل ، حين تبدا بالحديث تنسال اللغة شجنا فنستزيدها ، كنا لا نمل حكاياتها ونحن فى الطفولة نتدثر بحكاياها فى الليالى الماطرة فى مدينة الابيض لم نكن اولئك الصغار بقدرما كانت تستهوينا الحكايات  (حين زارتنى فى القاهرة بعد غياب امتد.( كنت اعود كل

 ليلة الى حضنها تلك الصبية التى كنتها ذات زمن مضى اغريها كيما تحكى لى وتفعل عن طيب خاطر ولعمرى لقد دونت تلك القصص فى مجموعة لا اعرف ماذا حل  بها الان )

 

امى العزيزة امى

انتى كعينى وقلبى

انتى اعز على

من كل اهلى وصحبى

 

وهى كذلك فهى (العزيزة) التى تسال عن (ظروفنا ) وحروفنا وكلماتنا ، تسبح باغنيات غيابنا وترتب حناياناحتى ونحن فى تلك الاصقاع البعيدة معنا تجدها فى المنام والصحو فى الحضور حضور وفى الغياب حضور ، ترتب بشجوها (الحنين) الخلايا لدن كل منا فنستبين كم كنا نفتقدها اجمعنا

لا تمر لحظة دون شجن يذكرنا بطفولتنا فتنساب الحكايا كجدول، تحكى لك مغامراتك ومغامرات غيرك من اخوتك ، وتزهو بصبانا الحلو ، تلك الحكايا الملفوفة بسلوفان حب اجترحته لنا

 

هى امى ، الصديقة حين تعز الصديقات ، تنبه الى خطورة الموقف ان كان من تلك النواحى العاطفية الفجة ، لا تعير اى التفات لاى موقف هش ، فقط تقول لك:

ـ يا هو كدى ،دا ما نافع انسيهو دا جاهل

او تجدها تصفف لك شعر حكاية مماثلة فى دقة حتى لا  تستبين ايهما تتحدث عنه انت ام الذى حكت لك حكايته ، وفى نهاية الامر ترى الى خيبتك وحدك دون ان تقول لك كم انت خائب ، وذلك امر محسوم.

كانت محل الاستشارة لاى كان فهى الكبيرة لدنا وهى الام التى تتقطع حناياها لاجلنا منذ ان كنا صغارا فهى المرجع لاىّ منا

اذكر وكنا صبية بعد ، كنت عائدة من  درس العصر  حيث كانت تلك الدروس الزامية خاصة حين كنا ممتحنين  لمرحلة الثانوى العالى ، كانت المدرسة تبعد عدة كيلومترات من البيت ، نذهب راجلين رغم ذلك فلم تكن المواصلات بالامر المتاح فى تلك الايام الا للصباحات المدرسية ، فى العصر كنا واحد من امرين اما ان نبقى فى المدرسة حتى يحين (درس العصر)او نعود راجلين الى بيوتنا، ، بناءعلى رغباتنا الطفولية نبقى فى المدرسة حتى موعد الحصص العصرية ، نتشاغل بالدراسة او المطالعة التى كنت ادمنها، احيانا كنت اتوجه الى بيت ابنة خالتى اعتماد العبادى عليها الرحمة ذلكم القريب الى المدرسة ..او ابقى صحبة نفيسة عبد الرحمن زميلة الصبا ، او امال الركابى 

 كنت اذن فى المرحلة المتوسطة او الثانوية العامة منتصف السبعينات من القرن العشرين  كنا رهط من التلميذات عائدات من المدرسة ذلك الوقت (قبل قليل من ميقات صلاةالمغرب )حيث الرؤية ليست تلك الواضحة ، شخص ما استوقفنى ، مدّ الىّ بكتاب ، كنت ارتجف فى تلك اللحظة خوفا ، لان الصبية كانوا يلعبون كرة القدم  فى الميدان الذى يشق الحى الى نصفين ، بطبيعة الحال كان بين اولئك الصبية احد اخوتى ، لذلك اعترانى الخوف من ان يرانى ، فلبثت خائفة لم اكلم الصبى الذى مد الى بالكتاب بكلمة واحدة فالخوف هو سيد اللحظة ، لم اتبين من هو الا بعد سنوات من ذلك الحادث ، لعله الان نسى ما فعل بى تلك الامسية ( قالوا انه محاضر باحد الجامعات الكبيرة فى الخرطوم ، فقد كان يكبرنى بعدد من الاعوام) ، المهم اننى اخذت الكتاب ، لم اكن اعرف ما فى داخله ، لذلك حين دلفت الى الباب مرتعبة مددته الى امى ،  التى كانت تعرف جيدا كيف تقرأ  وهى خريجة المدرسة الوسطى فى ام درمان  تلك المدرسة التى ظلت متعلقة بها الى هذا اليوم ، تحكى لك عن تفاصيل الدراسة وتصف ما تعلمناه بالخائب وتصف السلم التعليمى بانه كارثة ادت الى اميتنا ونحن الذين كنا نفاخر اننا درسنا مراحل احسن بكثير من غيرنا من الاخوة ونحن فوق كل ذلك كانت تعدنا احسن حالا من احفادها الذين ماتت اللغة على ايامهم ايا كانت العربية ام الانجليزية  (ابنتى كانت تفاخر نديداتها انها تلميذة لجدتها وكذا ابناء اخوتى الذين تربوا معنا فى البيت )

 كانت ذات بال طويل لا تعنى المشاغبات الطفولية لها الا كل الخير ، المهم ان تلك اللحظة التى دلقت اليها بالكتاب كانت  لحظة مهيبة كنت اخشى ان توبخنى وان تقيم الدنيا ولا تقعدها كمثل الامهات اللاتى عرفتهن صارمات تجاه امثال تلك الافعال الصبيانية ، لكنها طالعت الخطاب "الزى" كان ملفوفا الى قلب الكتاب ، لم تقل سوى

ـ  انه زول ما عندو ذوق

لكن تلك اللحظة ابت ان تمضى بسلام لان حذيفة شقيقى الاصغر كان قد لمح الصبى وهو يمد إلّى بالكتاب ، وعاد بعد اللعب مستأسدا ، اخذنى الى جانب مهددا

ـ لو ما دفعتى لى حق السينما ، حاكلم امى

 هى سمعته ، فجاءت الى مكان وقوفه :

ـ تكلمنى بشنو ؟

ـ بالولد الاداها الكتاب

ـ دا ولد طايش قبيل قرينا الجواب وشرطناهو

وحطت رائحة الابتزاز ارضا مع كلماتها الاخيرة

لم تكن بالقاسية ابدا ، رغم ان كل الدوافع كانت فى صالح تلك الخاصية على العكس منها كان ابى، فابى كان رجلا متشددا معنا غاية التشدد مع ذلك فى داخله ينام طفل من الود واللطف ، لكن ربما لانه تربى فى وسط كالح الملامح لم يشا ان يغير تلك القسوة من على ظهر قلبه فلم تكن قسوة عظيمة كالتى نراها لدن الاخرين من ابناء جيله ، كان حريصا ان نتخرج فى اعلى المدارس ، رغم انه لم يقل ذلك لاحد منا ، لكنه كان يرمى الينا بذلك القفاز من التحفيز موازيا  يرينا كيف ان ابن فلان قد نال اعلى الدرجات فى الجامعة وابنة فلان فعلت نفس الامر ، يشهدنا على ابناء اهله من الذين  تلقوا اعلى الدرجات ويظل يضرب الامثال الى ما لانهاية، ولم ننتبه الى ذلك التحفيز  الا بعد رحيله

 اكتشفت على صعيد خاص انه كان يحمل ما كتبته فى الصحف السودانية   طوال سنوات الدراسة فى معهد الموسيقى والمسرح الى ملف اجترحه لتلك الاوراق  وما بعد التخرج وكيف انه كان يستمع الى برامجى الاذاعية  بنهم وحرص حقيقيين،ولم ادرك ذلك الا حين ارسل الى آخر خطاب له قبل وفاته بقليل، حدثنى فى ذلك  الخطاب عنها وانه ( عافى منى وراضى على ، و انه كان يعرف اننى احب تلك الكتابة التى جعلتنى معروفة لدى الناس ، وانه لم يكن ليقسو على الا لاجل مصلحتى )

يا لهما ..كانا على النقيض ، فهى كانت تحمل شعرة معاوية وكثيرا ، تتحداه بها

 كان احيانايقسو حتى على نفسه لكنه الحب الذى ما كان يعرف كيف يبوح به ناحيتنا او باتجاهها!.

  

مساء احد الاعوام فى منتصف السبعينات لعله العام 1974 وكانت امى حبلى فى آخر ابنائها ، كنت فى الصف الاول الاول الثانوى لم اكن لاميز ان كانت امى حبلى ام لا، لكنها هكذا ، نادتنى اليها:

 

ـ سلمى بتى ابقى عشرة على اخوانك ، انا ماشة المستشفى

ـ مالك ياامى ؟

ـ حاولد قيصرى

ـ ليه ؟

ـ لانو ، بعدين حتفهمى

وخرجت من البيت ، لم تكن المستشفى ببعيدة عن مكان سكنانا، كنا ندخلها من السياج الزى كان مواجه بيتنا ، تفصلنا عن المستشفى بضعة امتار  كنت خائفة لان النساء اللاتى كن يلدن بتلك الطريقة سمعت انهن يمتن فى الولادة بسبب رداءة المستشفى والتطبيب ، لكن امى لم تكن خائفة قط ، كأنى بها ترى الى ذلك الوضع على انه الاكثر صحة

خرجت اذن تاركة خلفهاعلى عاتقى كل الاعباء ، ولم اكن فى تلك السن الا بحاجة الى ان اكون ما اريد ، وما تكون عليه الصبايا فى سنى 

 لكنا فى تلك الازمان كنا نحمل عبء الاهل باكثر من اى شئ آخر ، كنا نحن الفتيات اللاتى نشأن فى تلك الايام تربينا على حسن ظن اهلنا فينا ، فكنا نتبارى فى ارضائهم ولانألوا جهدا فى ذلك مهما كلفنا من مشقة

(حين دخلت المدرسة الثانوية كان كل حلمى ان اغدو محامية تلبية لرغبة امى نفيسة (جدتى) تلك المراة التى كانت فخورة  باحد زوجات ابناء اختها التى كانت محامية وكانت كل رغبتها ان اعود فى مستقبلى تلك المحامية، تحدث صديقاتها عن تلك الرغبة العظيمة التى علىّ ان البيها لها ، ولم اتردد لحظة حين دخلت المدرسة الثانوية ، فى ذلك الحين كانوا يسمحون لنا بالانتقال عبر المدن التى نختارها ، فكان ان اخترت امدرمان ، ودخلت احد مدارسها الثانوية لكنى لم اهنأ بتلك المدرسة فسرعان ما عاد والدى من الابيض ليصحبنى او ليسحبنى الى مدينة الابيض بحجة اننى لابد ان ادرس كلية المعلمات ، فى زعمى ان تلك المدرسة لم تكن لتؤهلنى لدخول كلية القانون فى جامعة الخرطوم ،لذلك لم اكن تلك المجدة فى التعاطى مع الدروس ، وانتقلت الى فضاء آخر ، لم اكن بعيدة عنه طوال حياتى  ، فمنذ المرحلة المتوسطة كانت الكتب انيسى وجليسى لم افارقها قط  لذلك غدت الان احد همومى طالما اننى لن ادخل كلية القانون ، بت اكثر حميمية معها ، اطالع الليل والنهار ، كان استاذى عمر مودى احد العلامات الفارقة فى تلك الفترة الى جانبى ، علمنى كيفية التعاطى  مع اشياء جديدة ، الكتب السياسية والمعرفية لذلك لم اكن امّل القراءة والتحاور معه ، هو واستاذى محمود عمر محمود، كانا اول من اشرف على كتابتى المسرحية التى ازعم انها حولت مجرى حياتى الى هذه اللحظة ، لكن ابى كان مهموما من جانبه لان الاطفال كانوا فى حاجة الى من يعينه على تربيتهم على نحو مادى

كانت الكلية تمنح الطالبات عددا من الجنيهات تعينهن على مسير الحياة ، لذلك كنت لا اتوانى عن الدفع بتلك المنصرفات الضئيلة الى يد والدى

 

انجبت امى (هند) اخر العنقود ، لكنها لم تكن لتشكو قط حتى الآم الولادة التى تتعب النساء منها، كنت تراها عادية كأن لم يحدث شئ! فيما كان ابى يمرض وكنت من ناحيتى مريضةايضا ، هو اصابه اسهال غريب وكنت مثله ، لكنى تعلمت منها ان اكبح الخوف والمرض ، كانت لا تشكو قط الا فى القليل النادر ، حين لا تستطيع التغلب على الالم ، لكنها مع ذلك تجدها تلك الام التى ترعى بلا حدود

  

فى العام 1982 كنت قد طالعت لاول مرة رواية الكاتب الكولومبى جابريل جارثيا ماركيز (مئة عام من العزلة) وحينها كنت فى الصف الثانى فى المعهد العالى للموسيقى والمسرح كنت الحظ اننى كنت اطالع شخصية امى المماثلة لتلك الشخصية التى كانت الام وكانت الاخت وكانت الحبيبة التى تضفى على آل بيونديا كل تلك الحيوية ، كنت اسمى امى بارسولا تلك البطلة التى ما ماتت قط فى ثنايا الرواية منذ اول كلمة الى اخر لحظة ،لكن امى لم تمت حتى هذا الحين ، فلقد كانت الحياة التى لا تنضب

اليوم السابع والعشرين من شهر يوليو للعام 2006 كان يوما فارقا فى حياتنا اجمعين نحن الذين تربينا فى كنفها ، وما وسعت تعلمنا معنى ان نكون ابناء صالحين وبنات صالحات ، كانت تتاسى على مآل حالى احيانا حيث لم استطع الى الثبات فى موقع الزوجة قط ، لكنها كانت ترد ذلك الى مشيئة الله الذى حبانى موهبة لم يهبها لاحد كما كانت تزعم ، لم يكن ذلك اليوم سوى علامة فارقة فى تاريخنا نحن ابناء الحاجة سكينة بنت بابكر سلامة ، حقيقة لا اعرف لها سوى ذلك الاسم ، لكننا كنا نداعبها بقولنا ( سيكو ) وكانت ترحب بتلك التسمية ضاحكة تقول ولسان حالها يردد ( (كتر خيركم دا دلعى ولا كيف ؟)

كنا ندللها، نخاف عليها مر النسيم فهى من علمنا الى هذا اليوم معنى ان نكون ابناء صالحين محبين احدنا الاخر ،  كنت اقول عن ذلك اليوم ، الذى ذكرته

 فى ذلك اليوم قلت لزملائى فى الجريدة ـ الخرطوم ـ (اليوم احس بحنق ما ، متوترة لحد الانزعاج ، اذا لم يوافنى احد ببرنامج سانتحر ) وضحكت من فكرة الانتحار تلك ، لكنى اقدمت على امر لم اكن مؤهلة له ، عادة لم اكن اعود الى البيت فى تلك الساعة من العصر ، لكنى ما ترددت فى العودة ، فى المواصلات كنت احاول ان اقتل الوقت بحل الكلمات المتقاطعة  حين وصلت الى نقطة نزولى احسست ان الباص كان سيمضى دون ان انزل ، فتوترت بعض الشئ ، لكنى سرعان ما وصلت البيت ، كنت جائعة حيث لم اتناول افطارى ذلك اليوم على غير العادة ولم انادى محمد نور بذلك الصوت الذى اقترحه  لمناداته

 وصلت الى البيت اعلنت جوعى الماكر ، كان خالى حفيظ موجودا على غير العادة ايضا وعفراء شقيقتى كانت فى البيت ، قلت لهم متسائلة ان كان ثمة من يريد ان ياكل ، المهم اننى ( ختيت الغدا) واكلنا  لكن امى لم تكن على عادتها تلك البشوشة ، كانت تبتسم نصف ابتسامة كلما سالناها امرا ، او كلما حكينا نكتة رغم انها تحب النكات وتحب الضحك كثيرا، وكثيرا ما كانت تحكى لنا عن تجارب لم نكن لنعلم عنها الا منها ، لم انتبه الى ذلك لانها كانت تشكو صداعا حادا ، جلبنا لها عدد من الحبوب المهدئة ، لكن ذلك لم يشفع ، قلت لها :

ـ جبت ليك معاى الشعير يا حجوج ، وهسى ختيتو فى التلاجة اقول ليك نشربو سوا ، حاسة بانى محتاجة برضو شعير ، يا جميل

خالى حفيظ طلب فى حالة نادرة ان اصنع له شايا ، فتهلل الجميع انهم سيشربون شايا من يدى بعد غيبة طويلة ،

ـ قلت لها : امى شاى كيف ؟

فردت بفتور :

ـ ما دايرة

ـ قلت لها : بُره ابت اللبن

كانت تحب الشاى ايما حب ،لكنها ازمعت ان لا تشرب شايا ذلك اليوم اطلاقا ، نقلناها الى خارج الصالة ، فى الحوش حيث السرير الذى اعددناه لها ، جلست الى حافته ، واشارت ان نضع لها الكرسى لصلاة المغرب الذى كان قد حان فى تلك اللحظة ، حين كانت تتلو بعض الايات عقب الصلاة ، جئتها بعطر رششته على يدها وجسدها ، سالتها

ـ :كيف لطيفة الريحة مش  ؟

اومات علامة الايجاب ، فقلت لها :

ـ انه هدية من زول صديق اظنو قايلنى ( (معفنة ) كنت استدر ضحكها ، لكنها على غير العادة لم تضحك  توجهت لسريرها ممددة جسدها النحيل ، تالية الشهادة لثلاث مرات  واعقبتها بقولها (لا حول ولا قوة الا بالله ـ الله الله الله ) وصمتت عن الكلام المباح

لوهلة ظننتها ستنام ، لكنها كانت تومئ الى الم فى راسها دون ان تتحدث او تنبس ، سالتها عفراء من جانبها    ان تعد لها كركدى ، فاومات بالايجاب ، شربت منه جرعتين ثم ارجعتهما الى الارض ، اخرجت ما حوت معدتها من زبادى وكركدى وماء !

لم يكن حتى تلك اللحظة ليشك احد انها النهاية قط

تنادينا بالتلفون كل من موقعه ، جئنا طائعين الى حضرت الجلالة التى نعزها كثيرا ننهى لها كل عصى امر وندخل الى باحة قلبها طائعين فتفتح لنا ابوابه بدفئ لا يضاهى ، اجتمعنا وقررنا ان ننقلها المستشفى ، طلبنا ان يجئ الاسعاف ، فى تلك اللحظة لم استطع النظر الى ناحيتها ، لم اتبين ان تلك اللحظة ستكون الفاصلة بين  لقائى بها وبين دخولها الاسعاف وخروجها الابدى من البيت، ذلكم البيت الذى طالما سعت لاقتنائه وفعلت ما وسعها لذلك  حدثتنى كم انها رفضت اى عرض لبيعه ذلك انها كانت تحلم ان يلتم شمل اسرتها فيه حلمت ان نكون يد واحدة وقلب واحد وروح واحدة، فهنا اجتمعنا لاول مرة بعد عودتنا من الابيض

كانت تقول لنا (البنى ادم اهم شى انو يكون عندو بيت يا بيتى يا بتباتى ، يا ستار عيباتى ) كان هذا دعاؤها المفضل ، كثيرا ما قالت لنا فى ضحك  (بوصويكم على البيت الكبير ابنوه )وبنينا البيت تشايلنا ( طوبه ورمله ، واسمنتيه، ومونته) ) ليكون لنا دارا تعزنا كما كانت تقول ،تطلع من دارك ينقل مقدارك مثلها الاعلى

فى ذلك اليوم دخلت امى المستشفى وهى تكابد الغيبوبة ، لم تتكلم قط ، حتى رحيلها الفاجع ذاك

فى المستشفى

لم انم معها لسبب من الاسباب تعللت بها البنات من شقيقاتى لكنى لم اشأ اغضابهن ،فهن يعرفن وسائل التطبيب خير منى ، المهم ، اننى زرتها فى الصباح التالى ، لم اكن متفائلة لكنى لزمت الصمت  تماما  فلقد حدثنى صديق من الاطباء الذين اعرفهم ان تلك الحالة لن تتجاوز اليومين على اكثر الفروض ، خفت علىّ من الصدمة فحاولت ان اؤهل نفسى لتلقيها ، عدتها فى اليوم التالى ، لم تكن باحسن من السابق ، رغم محاولاتى الجادة فى الحديث اليها ، لكن بلا امل فى الاستجابة ،خرجت وكنت ادرك اننى لن التقيها مرة اخرى ، خرجت والحزن يسربلنى اجمعى ، اقترحت ان نذهب الى المسرح عسانى انسى وساوسى ،كانت صحبتى صديقتى الحنونة امنة امين ، لكنى فى المسرح انهارت روحى اجمعها ، عدت الى البيت، فى الحافلة بدات اكتب عنها  كتبت طويلا حتى كاد الباص يجتاز محطتى ،كنت ابدو منهكة وروحى فى الحلقوم ، لم اكن على استعداد لفعل شئ سوى الصمت  رغم التلفونات التى تلقيتها لكنى لم اكن مسرورة بها ، حاولت ان ابدو عادية لكنى لم استطع الى ذلك الكون سبيلا

كنت فى رحاب امى اتنقل من فيض الى آخر ، استدعى الماضى كله ان استطعت اليه سبيلا ،كان يجئ طائعا

 اتذكر الان بصفاء يوم ان كنت فى اول مراحل العيش هناك فى مدينةالابيض يومها لم اكن سوى صبية لم ادخل الشباب بعد لكنى كنت حريصة على دخول مرحلة جديدة  لم اكن مؤهلة لها قط ، كانت امى نفيسة (جدتى ) قد رحلت فى العام السابق ، تلك المرأة التى تربيت فى كنفها ،وكان حتام ان اعود الى اسرتى ، لا مفر ، فهذه اسرتى التى لا اعرفها وعلىّ ان افعل

 امى كانت فى تلك الفترة قد خرجت من احد الولادات لابن سيكون صديقى الابدى ، رغم الفارق الكبير بيننا فى السن لكنى احسه كائنا مغايرا ربما لان اسمه المغيرة ، وذلك الشاعر العربى الفذ بين اقرانه هو كذلك فذ ومغيرة ، جاءت تحمله وهو ابن العام بعد

دخلت اذن الى فضاء اسرى جديد لم اكن اعرف فيه احدا ، رغم ان الكل كان يعرفنى لكنى كنت ازعم اننى انتمى الى عالم آخر واسرة اخرى لها ملامح اخرى لكنى اندلقت الى ذلك العالم مرة واحدة بلا تحفظ كما هى عادتى ، دخلت ذلك الرحاب الاسرى لاجدنى ابنة لاسرة كبيرة فيها تحتم على ان انام مع الجميع دون خصوصية كما اعتدت دائما فى بيت جدتى فهناك لى دولاب خاص وغرفة خاصة ومقتنيات من ذهب وغيره لكنى هنا ، اظل قابعة فى غرفة محتشدة بالاطفال فى ليالى الشتاء والمطر ،استمع الى من ينتظر اما تلقمه ثديها وهى المجهدة المتعبة المريضة دون ان تبلغ احدا بذلك المرض !                 

                                     حين بدانا حياتنا فى مدينة الابيض كان على ان ادخل مدرسة جديدة ، واتعرف الى اصدقاء جدد لكننى كنت اتعرف فى نفس الان الى امى ، عرفتها عن قرب...

 تلك الايام شهدت شدا شديدا بيننا كنت فى اوج المراهقة ، ويبدو لى انها لم تكن تعرف كيف تدير تلك الحقبة فى تاريخ الفتيات ، لم اكن متمردة بقدرما كنت عنيدة ، لم اكن افهم معنى ان اتفاعل مع تلك الحياة الجديدة على ، فكنت دائمة البكاء على حياة عشتها وهى لم تكن تعرف اننى افتقد ذلك العالم الذى لا يشبه هذا الذى اعيشه الآن ، كنت اتغيب عن البيت متشاغلة بالمدرسة وكثيرا ،ادعى احيانا ان الدرس اخذ وقتا اطول ، او ما شابه ، اتوارى خلف الكتب ، لكنى لم اكن لاعرف ان الحياة ستمضى بى الى النهاية فى تلك الامكنة ، لم اكن اعرف انى ساتعرف الى امى بعد ذلك بتلك الشفافية

دخلت مرحلة جديدة بعد تلك المرحلة ، بدأت اتصادق وامى ، خاصة بعد ان تزوجت ، كانت تقول لى (الكتوف اتلاحقت ) لم نعد الام والبنت ، بل البنت الصديقة ، عادت صديقتى ، لم اعثر على غيرها صدقا وصراحة ، كنا حين نخرج معا يسالنى الناس :

ـ لاقيناك مع اختك

لم اكن استغرب الدهشة فهى لم يكن عليها اثر من آثار الزمن قط ، تمتلك  وجها طفولياووسامة غير عادية لامراة فى سنها...طويلة حتى انك تنحنى حين السلام عليها ، لها شلوخ عريضة ( عارض ) ووجه مريح حين تنظر اليها ، ابتسامة كما الاطفال ، ضحك كما الشهد ، وصوت كنت اقول لها عنه صوت مذيعة يا امى

  حين بدات صداقتنا كانت فى الار بعين وكنت فى اول العشرين من عمرى ، لعلها كانت تنظر الى بعين الاخت التى لم تنلها فى حياتها فهى الابنة  الوحيدة التى لم تكن مدللة بقدرمامحبوبة ، كانت لا (تنهر) او تتحدث اليك بفاسق القول ، ولعلى لم اسمعها تردد مقولة جارحة لاحد ، ليس لانها امى لكنها لم تفعل ، حتى فى احلك لحظات الغضب كانت تتماسك ولا ترد  بكلمة نابية ، لم ترد على احد فى مرة بكلمة غير لائقة ، وان تصادف وقالها احدنا فالويل له :

ـ دا كلام ما بتقال فى البيوت ، عارف لو عايز تقولو ...هناك فى الشارع ، ما اسمع كلمة زى دى فى البيت دا تانى مفهوم؟

هى امى سكينة التى ما توانت فى فعل ما هو مثمر لحياتنا بدءا من حرصها على شراء البيت الى تعميره الى التوصية بشان ان يظل مفتوحا مهما كان .

فى احيان كثيرة كانت ان اخطا احدنافى حقها تجئ اليه معتذرة ، لم يكن اعتذارا مباشرا لكنك تجدها تقول لك :

ـ انا الليلة زعلت فلان ( اى واحد من ابنائها ) ما قصدت لكين فلتت اعصابى بس ، تانى ما بعمل كدى لانو زعلو ما بقدر على

 

كنت اتساءل لماذا كل هذا الضجيج حولى وكنت متنعمة بحبوبة لا تضن على قط ؟ وظلت الاسئلة حارة لكن امى استطاعت الى تبريدها بمكيف الحب الذى لا يعرف الحرارة او البرودة فهو دافئ مثل قلبها ، وجدتنى اتكيف مع تلك العيشة التى لم تكن تروق لى الا بمساعدة جليلة من امى ، الهمتنى عدد من المعارف  وعلمتنى اكثر مما تعلمته فى المدارس ، لكننى بغتة اجدها تنسرب من بين يدى فى ذلكم اليوم من العام 2006،اليوم السابع والعشرين من يوليو لا استغرب ولا استبعد الموت لاى احد لكنى بموازاة امى لا استطيع الى فهم تلك الكلمات القليلة التى تعرف الموت لكنه يظل الحقيقة الوحيدة فى هذا العالم ، رغم انه الكائن الوحيد الذى ينهى لك اجمل الاحلام  لكنه حقيقة وحيدة منذ الازل والى الابد