عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

 

سلمى الشيخ سلامة

 

 

الليل الذى لا يحمل صوت امى محمول على اجنحة الصمت هو ليل تعيس ، كانت امى تحب الليل لانها تدخل غار الروح وتنبش فى الحناياتفتش عن سبيل لنا فى الحياة ، تدعو وتدعو ان ( لا يخيب احدنا ) او يصيبه الفشل ، كانت تخشى ان يفشل احدنا لذلك لم تكن تهدا ايام الامتحانات ، تجدها تقف على راس كل ساعة تسال : هل استطيع ان احل لك مشكلة ، او تجدها تصنع الشاى ( عشان الواحد ما ينوم ) ذاكروا ، قرايتكم هى البتنفعكم ، ما فى زول دايم ليكم غير العلم ، لو ما اتعلمت ، ما كنت حاقدر اساعدكم ابدا ، الله يبارك فى خالى امين الدخلنى المدرسة

ابوى ما كان عارف انى بمشى المدرسة ، كنت بصحى الصباح بدرى ، بغسل ، واكوى ، بنضف مع امى ، ولو ما هى برضو ما كنت مشيت المدرسة ، كانت حريصة انى ادخل المدرسة ، مرات كانت بتضارى لى لو اتاخرت فى المدرسة ، لانو مرات بكون عندنا نشاطات او يكون فى ضيف جاى المدرسة ايام الانجليز طبعا بنعمل ليهو الحاجات زى الوجبات وكدى او المعارض بتاعة الخياطة والاعمال اليدوية  ، بنوريهو كيف المدرسة ماشة بدخلو معانا الحصص عشان يشوفو مدى حرصنا على الدراسة كنت بحب المدرسة ، وشاطرة ، يعنى لو كنت واصلت كنت حاكون واحدة من المعلمات البتعرفوهن ديل ، ناس ثريا امبابى ، وغيرها ،لمن دخلت الثانوى ، طبعا خالى امين كان مسافر فى مامورية فى جوبا اظنو ، عشان كده كان انى اتزوجت وما ندمانة انى اتزوجت ، لانى جبتكم ، احسن ناس خرجتكم ، والما اتخرج فى المدرسة اتخرج للحياة ، احسن عامل ، يعنى الدنيا الا الناس كلهن يبقو دكاترة ؟ نان كان بقو كلهن دكاترة البصلح الموتورات منو والبعدل المكسور منو ؟ الدنيا دايرة دا  ودايرة دا ، انتو تراكم الحمد لله وليداتى كلكن ان بقى الواحد حداد ، وان بقى دكتور كلكن واحد ، يا حليلكن ، بس للدنيا والزمان خلو البينكن عامرة) )

هى تلكم المراة الصلدة التى سهرت ايما سهر على كل واحد فينا دون ان تكل او تمل ، ذاكرت منذ الابتدائى الى الثانوى ، فهى كما تقول ( نحنا زمان درسنا لغاية ريدر سكيس،والانجليز هن الدرسونا يعنى مسز فريتول ) وتمضى لتحكى لك عنها تلكم المراة التى كانوا يخترعون لها الاغنيات وهى ما تنى تجوب الفصل بحثا عن تلك المزعجة ، لكنها لا تجدهاقط...

الفصول الدراسية كانت اربعة فى المرحلة الابتدائية واربعة فى الوسطى واربعة فى الثانوى  تبدأ الدراسة فى السادسة صباحا ( معناه انى اصحى صلاة الصبح ومن الساعة ديك لغاية ما ارجع البيت بكون فى المدرسة ، زميلاتى فى المدرسة كانوا ما كتيرات يعنى فى الفصل كنا بالعدد لانو الناس كانت بتعتبر التعليم فى مدارس النصارى كعب ، عشان كده كنا حريصات اننا لازم نتعلم ، ولانو ناس فاطمة احمد ابراهيم كانوا قدوتنا ، كنا متحفزات لدخول المدرسة الثانوية ، او نشتغل مدرسات، المدرسات كانن محترمات  وعندهن وضعهن الاجتماعى  المميز بالنسبة  للمجتمع يعنى ،  غير كدى كانت كل واحدة مننا عاوزة تبقى حاجة لانو الوكت داك الشغل ياهو التدريس والتمريض ، ناس خديجة عمر وغيرها من الممرضات يعنى الناس كانو بحترموهن ، لكين دخلتونى اكبر مدرسة اتعلمت الما علمتنى يا هو المدارس ، الحمد لله انى امكم

لامى قصص بلا نهاية تبدأها منذ الصبا لتنتهى فى الابيض ، تجمع الحكايا فى قالب  لعله من السحرية الواقعية ، لانها لا تترك لك مجالا الا لسماعها .. الابيض كانت المحطة التى التقيت فيها امى لاول مرة بعد كل ذلك العمر وجدتنى ( لم اتعدالثانية عشرة حين رحلت جدتى لامى)

فى تلكم الفترة تقرران نسافر الى مدينة الابيض ، لم اكن اعرف احدا قط ، سوى اسرتى ـ امى واخوتى وابى ـ لم اكن امتلك الشجاعة للسفر مغادرة امدرمان الى بقعة اخرى ، لكن ذلك كان لابد ان يحدث ، الالفة بينى وبين امى لم تكن تلك الالفة الحميمة ، صحيح اننى اكبر البنات لكنى لم اكن بعد قد اعتدت مفارقة ما كنت اعيشه من وضع متفرد ، فلى خصوصيتى التى انسحبت ابسطتها حالما وصلت الابيض ، ولى قولى فى الاشياء ، لكنه انحسر بدخولى الى بيت السكة الحديد فى مدينة الابيض ، حين انزلت (السقاطة) لاول مرة عن الباب ودفعته داخلة تلك اللحظة اعلنت سقوطى فى فخ جديد اسمه الاسرة الكبيرة ، التى فيها الاب والام والاخوان والاخوات البعض فى المدارس والاخر فى رياض الاطفال ، وكان على فوق كل ذلك ان اغدو اما فى غياب امى ، ان افعل ما وسعنى كيما اسد( الخانات) التى  تتركها امى بسفرها الى عزاء او مناسبة لا تودنا حضورا فيها ،وما اكثرها فهى تربت فى امدرمان بين اهلهاهناك ، البعض منهم قريب جدا ، والاخر لم تكن معنية به، فهى لا تسافر الا للاقربين الذين ترى انهم اولى بالمعروف ،تسافر امى وتترك كل ما يخصها من ( زوجها ) الى اصغر اطفالها فى رعايتى ، وكنت ادخل فى تحد مع نفسى وكثيرا ، كيف لى ان ارعى كل تلك الاسرة وفى البال اننى فى الثالثة عشر من العمر ؟ لكنى غالبا ما كنت اجتاز تلك الامتحانات التى تدخلنى الى متنها امى...

بدات فى تلك الفترة من العمر معرفة ان اغدو اما قبل ان اصبح اما حقيقية،وان اتعلم الطبخ وماذا يعنى ان اسهر على راحة طفل فى البيت اصابه مرض ، اركن الى روحى متساءلة كيف لى ان اطببه ولم اكن بالعارفة اصول تطبيب الاطفال ، لكنى خبرت كل ذلك عبر امى

فى بعض الاوقات كانت تمربنا احلك الظروف ، لم يكن البيت يشكو قلة الفئران فحسب، بل كان اكثر بؤسا من ذلك ، لكنها لا تشكو ، بل تثابر فى بيع ما امكنها من (الهبابات ، والفوط) التى ترسل فى سبيلها اخوتى الصغار الى محطة السكة الحديد كيما يعود الواحد بما يعادل وجبة للفول نشتريها من  (نادى السكة الحديد ) المجاور بيتنا ، ونستلذ بها 

لم نكن نضج بالشكوى كما يفعل غيرنا وما كان احد ليعرف ان ذلك حدث فى بيتنا ، نبيع الدجاج كيما نشترى اللحم ، والخضار ، نزرع فى خلفية البيت كيما نتحصل على مصاريفنا سعيدين بالكفاية التى ننجزهالاننا وهبنا انفسنا لتلك الحقيقة التى ارادتها امى ان نكون ما نريد ، فهى لم تتدخل فى دراسة اى منا لم تحدد كما تفعل كثير من اخواتها او اخوتها ، تركت كل واحد منا يحدد مساره ، ولم تتخلف عن زرع قيمة العمل لدى كل منا مهما كانت مهنته..

 حين بدات العمل فى الاذاعة السودانية كانت تصحو كعادتها للصلاة فى الفجر ، تجدنى ما زلت يقظة امامى كتبى واوراقى تنادينى

ـ محمد عبدالرحيم انت لسه صاحى ؟

ومحمد عبد الرحيم هو زوج خالتها ، وهو المؤرخ المعروف ، كانت تحكى لنا كيف انه يحب القراءة والكتابة والتوثيق ، لذلك كانت تلقبنى بذلك اللقب ، ولا تنى تحدثنى عن ضرورة مراعاة الصحة فالانسان العليل لا يقدم لاهله او عمله اى شئ طالما انه غير مرتاح ، واقوم الى النوم فى تلك الساعة ...

فى ذات يوم كنت اجلس الى سريري ولم اغفل لحظة عن رواية كنت اقرأ فيها ( فرسان الرمال )للكاتب البرازيلى جورج امادو، كنت ابكى بصوت مسموع ، جاءت الى حيث كنت اجلس ،كانت خائفة ان يكون قد حدث لى مكروه، حين وجدت الكتاب فى يدى ، ضحكت منى وقالت لى:

ـ يا بتى الكتب ديل بجيبن ليك مرض ، ما قلنا ما تقرى لكين البكا لزومو شنو ؟

لكنى الحيت عليها ان تقرأ الرواية ففعلت ، حينها ضبطتها متلبسة ولم اقل شيئا سوى انى رردت عليها بقولها (القراية ما ابيناها لكين البكا لزومو شنو)

كنا اذا اردنا ان نتآمر على امى نجلب لها مجلة    (صباح ) او ( المغامرون الخمسة او مجلة ميكى) لحظتها كل ما نبتغى فهو مجاب لانها حين تطالع تلك المجلات والكتب فانها لا تعى سوى الضحك ، ونحن من جانبنا نفعل ما نشاء حتى اذا ما انتهت مهمتناوعادت الامور الى نصابها سالتنا عما حدث فنجيبها انها الفاعلة وانها هى التى اذنت لنا بفعل كل ذلك ، لكنها لا تغضب ، وتحكى لنا كيف انهم كانوا يفعلون نفس الامر بامهم، فقط الادوات هى المختلفة

(كنا لمن ندور حاجة من امى الله يرحما ويغفر ليها بنجى ليهاحقيقة العيال هم البسوو كدى ، يعنى خالكم حميد يا حليلو ، لمن يدور يمشى السينما بجيها يسالا  ـ يمه القروش وين

وهى بتكون عشان السكرى دايخة بين نايمة وصاحية توصف ليهو ويشيل ويمشى لمن يجى راجع نص الليل تسالو :

ـ وين كنت ؟

يقول ليها :

ـ كنت فى السينما ،

تقول ليهو :

ـ الاداك منو ؟

يقول ليها

ـ انتى ،

تستغرب ، فيقول ليها

ـ انتى وصفتى لى محل القروش ،

تضحك ، لانها بتكون بين نايمة وصاحية )

تمتلك امى نواصى عديدة للباقة واللياقة ، فهى التى تصالح بين الازواج حين يختلفون ، وهى التى يعود لها صاحب كل وجعة فيخرج من لدنها فرحا كانما ولد من جديد

لم اشهد كل اولئك البشر فى حضرة تشييع فى الفترة الاخيرة بالمقدار الذى شهدته يوم ان تم تشييع امى  يا لها من امراة ، فنحن على سبيل المثال لم نجتمع كاخوة منذ امد طويل ، جاء جمعنا كاننا نعلم اننا نودعها ، جاء كل من احبت الى تشييعها ، من كل الانحاء فى العاصمة وما حولها ، كل الذين جاءوا لزيارتهاعادوا من المستشفى الى البيت لحضور وداعها  وداع ملوكى بالقدر الذى تكونه الملوكية وهى تستحقه لانها امراة هى الكمال ان كان للكمال حد فهى التى تصله ، لانها مؤهلة لذلك..

حين دخلت المعهد العالى للموسيقى والمسرح جاءتها احد بنات خالتها محتجة

(المعهد دا محل الصعاليك ، كيف تخلى بتك تقرا فيهو ؟ )

كان ردها باردا وحكيما

:ـ دى رغبتا وما اظن اقدر اغير حاجة هسى وبعدين الصعاليك ديل فى اى حته قاعدين كان فى المعهد وكان فى الجامعة ، البنية دى الحاجة البتحبها وما اتعودت احدد لواحد من اولادى نوع الدراسة دحين خلاص البقى بقى وما اظن يتغير )

بعد تخرجى فى المعهد واشتغالى فى الاذاعة جاءت نفس بنت خالتها وادلت باقوالهافى شان عملى فى الاذاعة لكنها ايضا كانت نفس تلك المراة :

ـ هسى يعنى بعد ما قرت كل السنين دى واتخرجت ، اها تشتغل وين ؟ ما ياهو فى الاذاعة او التلفزيون ، يا اختى الزمن دا الاولاد ما زى زمنا انحنا،كل زول بعرف محل راحتو وراحتا فى الاذاعة، يعنى حناكل زمنا وزمن غيرنا ؟

هى هكذا امى لا تود ان تجعل من نفسها وصيا على احد على الرغم من ان ذلك حق من حقوقها ، لكنها لا تكثرث لذلك فهى فى قناعتها الراسخة المؤسسة على الحس الديمقراطى تتصور ان كل واحد ( حر )فى ان يقرأ ما يريد ويتخرج كيفما شاء ،فقط تعتقد ان مهمتها قد انتهت بالتخرج .

لم تكن تغضب الا فى القليل النادر ، وكنت اندهش لحظة ان يقول احد اخوتى ان امى مصابة بارتفاع الضغط ، ذلك انها نادرا ما تغضب ، ليس بسبب العجز او الضعف بقدرما بسبب السماحة التى تلبسها ثوبا ، الم تكن تلك المراة التى نضحك منها حين (تهيج ) وتفلت عيارات الغضب لدنها ؟

كنت فى احد المرات قد سافرت الى مدينة من مدن السودان فى رحلة مدرسية وكان ان عدت بما لدى تلك المدينة من ازياء لعلها مدينة بورتسودان ، اعجبتنى ( برنيطة ) كما اسمتها امى ، فى  ذلك الحين كان المغيرة هو المفضل لدى من دون الخلق فى بيتنا ، لذلك اهديته البرنيطة ، لكن احمد الصغير انذاك لم يكن يدرك ان تلك البرنيطة ليست سوى شئ خاص به ، فلم يتركها لصاحبها ، وتشاجرا ذلك الشجار الطفولى ، وجاء من يحمل الخبر الى امى عن تلك المعركة ، كانت حسبما اذكر ( تعوس ) فى الراكوبة الواقعة فى اقصى بقعة من البيت ، لم تحتد ولم يشغلها مجرى الاحداث ، من مكانها ذلك تعالى صوتها ناهرا :

ـ يا ولد ادى اخوك البرنيطة يبرنط قلبك

ما نزال نضحك فى تلك العبارة الطفولية الصادرة عن امى

يا لامى ، فهى انسانة لم تكن سوى طفلة كبيرة والا لما استطاعت ان تفعل كل الذى فعلته لاجلنا

فى المدرسة الثانوية لم اكن فى حال يسمح لى ان اكون سوى ما كنته فلم تكن دراسة التدبير المنزلى احد همومى ، كنت كل ( حصة ) اجابه بالطرد من لدن الفصل ، اخرج راضية مرضية بل احيانا يعترينى الفرح ، حين كاشفت امى فى ذلك الصدد قالت لى (جيبى لى انا بخيط ليك )

كنت كلما اكملت صفا دراسيا تسالنى الزميلات

( اها امك جابت كم ؟)

لم تكن الامور تستهوينى على العكس من امى تماما، فلقد كانت احسن من يخيط لنا الفساتين فى المناسبات حتى اذا كبرنا بتنا نتعالى عليها ونرفض ما كانت تحيكه لنا ، مع ذلك كانت تفعل ليس رغما عنا لكن (بالمنطق ) :

ـ الزول كان ما عندو ما بعاين للفى ايد الناس  ودى قدرتنا ، كان ما دايرين خلاص على كيفكن، لكين الزول احسن يعمل البقدر عليهو ، والحياة ما ها هدوم ، العلم يا هو سماحة البنات ، باكر لمن تتخرجن البسن الدايراتنو ، على كيفكن، لكين هسى دا العندنا وما فى غيرو

ونذعن لها صاغرين لانها لم تتجاوز الحقيقة قط

تلك المراة التى ما توانت ان تبيع كل ما ملكت من مصوغات ذهبية لتكرمنا بها فى اكمال مصاريف البيت والمدرسة

فى الصباح ونحن ذهاب الى المدرسة كانت اول ما تفعله ان تضع لكل واحد من الاطفال افطاره الذى كان عبارة عن ( ساندوتش من العسل الذى تتوفر على صناعته فى البيت ، كانت تغلى السكر وتضيف له نقطتين من الليمون حتى يصير حامضا بعض الشئ وتلفه فى كيس من النايلون ، واحيانا تضع لنا ما تبقى من العشاء فى بستلة من الالمنيوم )  لم اكن تستهوينى فكرة الافطار ولعلى الى هذا اليوم لا اتعاطى افطارا ، ليس بسبب ان تلك الاطعمة لم تكن تروقنى ولكن بسبب اننى كنت ادخر 

(قروش الفطور لشراء الكتب نهاية الاسبوع )وتلك قصة اخرى

امى يا لامى كانت تخترع الاكلات بدون لحم ، كثيرا ما تغدينا باكلات تعرف وحدها كيف تصنعها ، وتشهدنا عليها حتى نتعلمها وتقول :

ـ الدنيا ما معروفة احسن تتعلمو تعملو من الفسيخ شربات

وهذا ما كانت تفعله

كانت تقطع البطاطس لانه ارخص خضار فى السوق ، او الباذنجان ، وتقليهما فى النار حتى يتحمر لونهما ، ثم تضيف اليهم قليل من الصلصة ولا يشترط ان تكون الصلصة المعلبة فهى كانت تصنعها وحدها من الطماطم فى المواسم وتدخرها لزمن ماكر ،ثم تضيف الى تلك الاطعمة البهارات وبعض الدقيق حتى تجعل لها قواما، وتقدمها لنا مع السلطة غداءا هنيا مريئا كما كانت تدعو لنا وتحمد الله على نعمته وتدعونا لنفس الفعل ...

تعلمنا منها ان نقنع بما لدينا ، رغم اننا تربينا فى تلك الاوضاع القاهرة لكننا لم نتطاول على احد ، بل ظللنا نردد مقولاتها عن القناعة والزهد

كثيرا ما كانت تحكى لنا عن جدى ذلكم الزاهد فى كل شئ فى الحياة وحين التقيناه علمنا اجمعنا من اين جاءت امى بكل تلك القناعة فى دواخلها حتى رحيلها كانت مثل ابيها قنوعة وراضية ، لم تكن تبحث عن شئ سوى ما يسترها وعيالها ، لم تتطلع الى علو ما كانت تستطيع الى بلوغه ولسان حالها

( مثل ما طار وقع )

ولم اعرف ذلك المثل ومعناه الا حين قالته امى مؤمنة ان الانسان ليس من حقه ان ينظر الى اعلى دون ان يكون مؤهلا لتلك النظرة وكانت تسخر من اولئك الذين يتبجحون بما لا يملكون وتقول مثلها الشهير (الما بتشوفو فى بيت ابوك بخلعك )

كنت احيانا احتد معها فى النقاش حول ان الانسان ينبغى ان ينظر الى اعلى مهما كانت العواقب عليه ان يسعى ، لكنها كانت ترفض الفكرة لان الانسان كما كانت ترى

( البنى آدم ولد البيئة لازم يتعايش مع واقعه ، لانه لو اختل توازنو ما بنعدل دحين الواحد يمد كراعو قدر لحافو واليوم اليتطاول يا هوالبقع )

كانت حميمة مع اخوتها لاتعاتب منهم احدا حتى ان كان يستحق العتاب وتبرر ذلك

 ( الناس بقت مشدوهة ما زى زمان ، يا حليل زمان زمن الدنيا بخيرا ، كنت متحانين ومتعاصرين ، هسى بقى كل زول فى روحو ، لكين والله اخوانى ما مقصرين معاى فى شى ، شالو معاى وربو معاى للكسوة دى ما قصروا فيها ما خلو شى فى الدنيا دى ، دحين الحمد لله فى المحنة وانشا الله تنعدل عليهم جيهة ما قبلوا ، يا حليل زمان الدنيا بى خيرا )

 وتبدأ تحكى لك عن مامون وعبد الحفيظ وفخرى ، ومحى الدين وحميد هكذا كانت تناديه وفتحى ، الذى كثيرا ما اوصتنا به خيرا فهو اصغر اخوتها وتعده ابنا لها ، فهو منذ ان سكنا بيتنا(فى امبدة ) هذا او ما بعد ذلك بقليل فهو يسكن معنا ، لا ترضى فيه

( عضة النملة )

كما كانت تقول

اذكر انى فى ذات مرة مؤخرا كنت قد احتديت وخالى ( الافندى ) فاذا بامى تهيج وتغضب ايما غضب

( ما عندو زول غيركن ، يعنى يمشى وين ؟ يا هو اخوكن ويا هو حبيبكن ، تانى اسمعك تتكلمى معاهو كدى والله ازعل منك )

ولم اشأ ان اغضبها منى ، منذ ذلك اليوم لم افعل ، ولعلى فى ذلك اليوم كنت امر بظروف نفسية سيئةجراء فقد احد الاصدقاء ، المهم ان الخال ما يزال يجهل تلك المشادة الحادة الاولى والاخيرة مع امى منذ عودتى التى لا اعرف سرها الى هذه اللحظة فبعد غياب امتد لخمسة عشر عاما وجدتنى منجذبة الى هذى البلاد ، عدت اليها ، لم اكن تلك التى خرجت قبل الآن ، عدت اكثر حميمية وامى ، لا استطيع ان اخرج دون ان اوقع على امر الخروج من البيت كنت انظر اليها وهى نائمة قيلولتها لحظة خروجى واحس اننى لن التقيها فى حال عودتى ، كنت احرص حين عودتى ان اكشف غطاء وجهها واتاملها وهى نائمة ، احيانا افعل واحيانا اسالمها من بعيد حتى لا ازعجهافى منامها

فى الصباح كنت اقدم لها جريدة الامس فى الغالب لانى اعود متاخرة وتكون هى اما نائمة او ان الاضاءة لا تعينها على القراءة ، كانت تطالع الصحف بنهم غريب ، وتحلل الاخبار ، لا يعجبها الحال المائل ، كانت تحرص ان تناقشنى فيما اكتب ، وتقول لى محذرة

( يا بتى خليك فى السليم )

 لكنها مع ذلك كانت معجبة ب(فياقة حريم العمود الاسبوعى الذى كنت اكتبه فى جريدة الخرطوم  )

مرددة مقولتها

(الكلام الصح ما بدوروه الناس ديل  خلى بالك من نفسك ياامى)

 لم تكن تدرك مدى حرصى على ان تقرأ عمودى كل  يوم سبت ، كنت فى احيان كثيرة حين امد لها بالجريدة تسالنى:

 ( اها الليلة مشاكلة منو ؟)

فى حين اننى لم اكن ( اشاكل احدا) ، سوى اننى اريد لكل شئ وعلى نحو مثالى ان يبدو ، كانت تقول لى :

ـ امريكا ما زى هنا ، هناك الناس بعرفو قيمة الانسان عليك الله يا بتى ارخص من البنى آدم هنا فى؟

لم تكن تخاف الحق ولا قول الحق تنادينى احيانا كثيرة وتوجهنى دون ان تدرك كم ستظل تلك الكلمات محفورة  تقول

( الزول يا بتى بعيش مرة واحدة فى الدنيا  دحين الصاح يا هو البمشى ، وما فى حاكم عادل للاسف جانا لغاية الليلة ، غايتو انشاء الله يجى ، لكين نحنا ما بنحضرو ، وكل الحضرناهن ديل ، دا اسجم من دا)

كانت تحدثنى عن اننى احتاج لاحد ان يقف معى

 ـ ماضرورى يكون زى ما انتى عايزاهو ، وزى ما متخيلاهو ، الرجال يا بتى ما بنقدرو ، وانتى الدنيا بتقول ليك باكر بتكبري وبتكونى دايرة زول يقيف معاك ، صحى عارفاك انك بتحبى حريتك ، لكين كمان الزول بدون رفيق ما سمح ،الدنيا بتقول كلام ونحنا بنقول كلام

ذات مرة خطبنى احد الاصدقاء وكنت اعلم رايها المسبق فى امر ( حريتى ) التى تقول عنها اننى احبها مثل الهواء الذى اتنفسه ،حين الح على قلت  له 

 ـ هاك دا تلفون امى اتصل عليها اذا وافقت ما عندى مانع ..

وكان ان اتصل بها ، وقالت له ما توقعت ، ومن جانبه اعلن انه لن يقبل بتلك ( الحرية ) وافترقنا ، لكننا ظللنا اصدقاء الى يومنا هذا .

هى امى التى تعرف كيف تدير الحوار الشهى فى السياسة , وتنحاز الى الجانب الاقوى دائما، كانت لا تود ان ترى اى احد مهزوما ، خاصة فى السياسة وتقف الى جانب حسن نصر الله وبن لادن ، كنت اقول لها

(تعرفى لو عرفو انك مناصرة لبن لادن سجمك يا حجوج)

وكلما شاهدت بوش او كونداليزا رايس ، كانت تسبهما سبا وتلعن الصهاينة ، فلقد كانت تفرق بين اليهودية والصهيونية على نحو دقيق

حين حكيت لها عن اليهود وكيف انهم يعانون الاضطهاد بين الامريكان ، لم تكن تصدق ما اقول ، لكننى كنت فى كل مرة اردد عليها كم انهم بشر طيب ومضطهد فى تلك البلاد وكم انهم يعانون الى الان من اوضاع سيئة لم تكن تصدق فى بادئ الامر ، لكنها عزت الامر الى انهم مساكين

(من هتلر لي بوش )

رغم انهم الان افضل حالا من ايام هتلر

كانت تحكى لنا عن الحرب العالمية الثانية وكيف ان تلك الحرب نالت منهم ( ابن خالتها الصبى ) وكيف ان عائشة الفلاتية كانت تغنى لتلك الحرب وان الاذاعة فى ذلك الحين كانت الوسيط الوحيد لتلقى المعلومات عن الحرب ، وانهم كانوا يقتنون راديو  (كبير بشتغل بالبطارية الكبيرة ، كان الناس ما عندهن راديو فى البيوت بختوه غالبا فى النادى او فى الميادين ، وكنا ممنوعين نمشى هناك ، لكين بكلمونا بالحاصل كلو ، بنعرف الاخبار من اهلنا ، خاصة المتعلمين ، وما كانوا كتيرين ، لكين زمان الزول ما ضرورى يكون قارى الجامعة الخلوة دى بتعلمو كل حاجة بس يفك الخط )

الاذاعة كانت فى البوسته ، الفنانين بجو يسجلو ، ناس حسن عطية واحمد المصطفى ، وناس عثمان الشفيع والكاشف ، البنات ما كانت فى غير عاشة الفلاتية وفاطمة الحاج امكن الله اعلم ما بقدر اقول ليك فى ولا مافى ، لكين كنا بنسمع ناس عاشة الفلاتية صوتا جميل خلاص ، والحفلات ما كانت زى حفلات هسي دى ، كانت البنات الكلام دا فى الخمسينات كنا شباب فى الوكت داك ،كنا بنلبس الكلوش ، والتياب  (الحمام طار،القمر بوبا) يعنى التوب بطلع مع الاغنية لمن ظهر عثمان حسين كان فى ( عشرة الايام ، وشجن ، والوكر المهجور ) يعنى كل اغنية باسم من اسماء التياب، والموضات كانت بتجينا من مصر ، لكين ما كنا شديدين عليها ، يعنى الناس العندهن قدرة هم البلبسو الموضة ، والاخوانهن بسافرو برة برضو كانوا ببارو الموضات ، لكين نحنا ناس مساكين  الحمد لله ما عندنا قدرة ومستورين

فى المدرسة ما كانت فى واحدة بتمشى الا (مبلمة)كنا بنخاف يلاقينا زول بنعرفو يمشى يكلم اهلنا اننا بنمشى المدرسة ، لانهن كانوا بفتكرو المدارس دى حقت النصارى ، والبمشى ببقى نصرانى ،عشان كدة البلامة كانت حاضرة ، لكين بعد الاستقلال بقينا نمشى عادى مافى واحدة بتتبلم ، بالعكس بقت البلامة عيب

البنات زمان ما كانت الواحدة بتتكلم مع خطيبا زي هسي ، الواحدة لمن يخطبوها كان ولد عمها او ولد الجيران ما عندها الحق تقول ( بغم ) ترضى بيهو وتنستر معاهو ، ان بقى ( لبن عشر ) برضو ياهو قسمتا ، والبتطلق ديك ، وا شيلة حسها ، الناس ما بتريحا ، لكين هسى الزمن اتغير كتير ، البنات بقن متل الوليدات واحد

حتى رحيلها لم تسالنى قط عن اسباب انفصالى، لكنها  كانت موقنة اننى لا استطيع الى الحياة الزوجية سبيلا ،وانها مع ذلك تتمنى لى كل السعادة ان كانت مع احد او غير ذلك ، فى آخر ايامها معنا ، كان قد تقدم لخطبتى رجل لم اكن اعرفه الا عبر التلفون ، لكنها ضحكت من فكرته ، وقالت :

ـ الناس العديل بتشوفن عندها فيهن كلام ، هسي يعنى من التلفون داير يقنعك ؟الله يهون يا بتى اكان دايراهو اخدى ، لكين اتعلمتى على انك تطلعى وكتين ما دايرة وترجعى متين ما دايرة ، لا ضقلا يعتر ولا ابويا ينتر ، دحين بتقدرى على ( غلب الرجال ؟ ان بتقدرى اخير ليك )

لكنها كانت تضحك من فكرتى فى الحياة غالبا ما كان يضحكها اننى اسخر من كل شئ حتى نفسى ، لا آبه للغد فقط اقول لها ( احنا اولاد النهار دا ياامى )

امى سكينة تهبك الامان حين تهل داخلا بيتها وداعة تكسوها وملامح تشابه ام كل منا ، وقار يجئ ولا يراوح مكانه تحس انها شخص اليف الى روحك

عليك كل الرحمة ياامى

 

  \\\\\\\\\\\\\\\

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.