موسم الهجرة الى الشمال نموذجا
تنويه
قدمت هذه الورقة ضمن منتدى الحريات احد كيانات المنظمة السودانية للعدالة والحرية والسلام  فى القاهرة يوم الاحد 15سبتمبر العام 1996لتناول موقف النظام الحاكم فى السودان من الادب وحرية التعبير على ضوء القرار الخاص بمنع تدريس رواية "موسم الهجرة الى الشمال " فى كليات الاداب بالجامعات السودانية " ضمن محور المثقف والسلطة وتحدث فى السجال كل من الاساتذة بدرالدين حسن على ،سلمى الشيخ سلامة ، عن المسرح والمراة فى ادب الطيب صالح ، ادار السجال الاستاذ سامى سالم
مدخل
حين تطالع رواية موسم الهجرة الى الشمال ستواجهنا هذه العبارة "سبعة اعوام وانا احن اليهم واحلم بهم"ص5"
وبعد سبعة اعوام من استيلاء البشير / الترابى على السلطة يحدث ما توقعه الكاتب "الطيب صالح"
ثمة ملاحظة اخرى يشير فيها الى الفيضان الذى اخذ فى طياته "مصطفى سعيد"
"وكان النيل قد فاض ذلك العام احد فيضاناته تلك  التى تحدث مرة كل عشرين سنة ـ ص 49 "
قبل اكثر من ثلاثين عاما نجد ان الطيب صالح  كان كانما يومئ الى هؤلاء القوم اذ يقول " الى الذين ينظرون بعين واحدة ويتكلمون بلسان واحد  ويرون الاشياء سوداء او بيضاء اما شرقية او غربية "ص "153 على لسان مصطفى سعيد فى احد محاولاته الكتابية ثم يمضى للقول  "نعلّم الناس لنفتح اذهانهم ،ونطلق طاقاتهم المحبوسة ولكننا لانستطيع ان نتنبأ  بنتيجة الحرية ، نحرر العقول من الخرافات ، نعطى الشعب مفاتيح المستقبل ليتصرف فيه كما يشاء ـ ص153 "
وبعد
ترى فاطمة المرنيسى فى كتابها "الحريم السياسى " "ص27"يعانى المسلمون من داء الحاضر كما تعانى الشبيبة الرومانتيكية الاوروبية  وتعيش صعوبتها لتكون فى الحاضر كتقزز من العيش ،فى حين اننا نعيشها كرغبة موت ،رغبة ان نكون غائبين ان نكون فى مكان اخر وان الهروب نحو الماضى هو طريقة ليكون المرء فيها غائبا ، انه هروب انتحارى  "

وحين يصف الطيب صالح الرواية موسم الهجرة الى الشمال يرى اليها انها قائمة على "تاثير فرويد فبالنسبة اليه الصراع فى الحياة يقوم بين "ايروس  الحب والموت ، الحب هو التعبير التام عن الحرية ،ماعدا ذلك مثل ان يصبح الواحد مليونيرا يدخل من باب الموت
هناك شاعران عربيان يمثلان هذا الكلام اعتبرهما من اعظم شعراء العالم الاول المتنبى والثانى ابو نواس ولكن انا ككاتب عندى عطف شديد على الناس الذين ينشدون التحرر عن طريق الحب ، ومن الممكن ان افهم وجهة نظر الناس الذين يفضلون اشياء اخرى على الحرية " "الطيب صالح عبقرى الرواية العربية ـ ص 215"
هنا يكمن الصراع بين الطيب صالح والسلطة القائمة فى البلاد
الخلاف الاخر بزعمنا هو الجرأة والتى يرى انه "بطبعى لست قليل الجراة ـ افضل عدم التجرؤ دون داع ـ لكن اذا كان يملك شيئا حقيقيا فانه يفرض عليه الجراة والكلمات " مصدر سابق
هذا اذن محور من محاور الكاتب / السلطة
وحين تتم المصادرة للرواية باعتبار انها لاتعبر عن المجتمع السودانى وانها مخلة بالاداب ، فهذا يعنى ان وراء الامر ـ المرأة ـ فهى من تسعى السلطة الان الى الى ايوائها مضارب مجهولة ، مضفية عليها مزيدا من الظلام والعتمة ، لكن الطيب صالح يرى غير ذلك تماما ، ففى حوار اجرته معه صحيفة العربى المصرية نجده يقول " المراة ليست محورية فى هذا العمل ـ موسم الهجرة الى الشمال ـ بمعنى انه لاتوجد امراة تقوم بالدور الرئيسى فى العمل ، لكن الانثوية من الافكار المحورية فى الرواية ، لان العدوان فى التاريخ  كله يقع على الجانب الانثوى بالمعنى العام "الحضارة انثى " وهنا مكمن الداء  ويضيف قوله " الحضارة انثى لان الجانب الحضارى الذى يضع ثقافة وفنا وموسيقى ، هذا هو الجانب الانثوى الذى لا يعلمه الناس ، لكنه الجانب الموازى للذكورى العدوانى ،الانثوية موجودة لان العدوان الذى حدث من مصطفى سعيد ايضا مثل العدوان الذى حدث من الاستعمار نفسه ، ولم اقل ان كل مايفعله مصطفى سعيد مباح لانه فى بلاد مستعمرين ، فالعدوان الذى حدث معه مثل عدوان المستعمرنفسه ، وضحايا مصطفى سعيد كانوا بشرا "
اذن نخلص لان المراة لدى الطيب صالح هى عالم بحاله ، فلو نظرنا الى نسائه فى معظم ما كتبه نجدهن يتطابقن الى درجة كبيرة وصورتهن فى الواقع ، خاصة فى الشمال الجغرافى للسودان
فبالنظر الى والدة مصطفى سعيد ، كانت امراة فى خصومة مع الزوج / الاب ، او ربما ترملت مبكرا ، فهو يفتح لك بابا للتاويل
سنجد العلاقة  منسوخة من تلك التى راى بها الطيب صالح الى والدة مصطفى سعيد
ففى المرة الاولى حين عاد من المدرسة قال
" عدت الى امى فى الظهر  ، فسالتنى ـ اين كنت ؟ فحكيت لها القصة ، نظرت الى ّ برهة نظرة غامضة كأنها ارادت ان تضمنى الى صدرها ، فقد رايت وجهها يصفو برهة وعينيها تلمعان ، وشفتيها تفتران  كأنها تريد ان تبتسم  او تقول شيئا لكنها لم تقل شيئا وكانت تلك نقطة تحول فى حياتى ، كان ذلك اول قرار اتخذته بمحض ارادتى " "ص 25 موسم الهجرة الى الشمال "
من خلال ما رايناه من نماذج للامهات السودانيات اكتشفنا رغم "حنانها ووجدانها الحاشد" ، الا انها فى لحظات وباتجاه الابن ـ الولد تحديدا ـ تقصد الى معاملته على نحو يبدو قاسيا ، ليس بقصد المفاضلة بقدر ما انتاج رجل يملا خانة الرجل بفراغها من الاب ، سواء بالموت او الطلاق ، بمعنى تركيز قيمة الرجولة والقوة داخل الابن / الرجل وبهذا المعنى يمضى الطيب صالح الى تقريب تلك الوجهة  ، و يؤكد زعمنا
" لو ان اباك عاش ما اختار لك غير ما اخترته بنفسك ، افعل ماتشاء ، سافر او ابق انت وشانك ، انها حياتك انت حر فيها ، وفى هذه الصرة ما تستعين به ، كان ذلك وداعنا لا دموع ولا قبل ولا ضوضاء مخلوقان سارا شطرا من الطريق معا ثم سلك كل منهما سبيله ـ ص 27 ـ موسم الهجرة الى الشمال "
هنا يتجلى نموذج المراة ذات الشخصية القوية ، تلك القوة التى لايمكن تسميتها بالقوة المظهرية ، حيث ان المراة التى يموت زوجها يتغير سلوكها نوعا وبصورة لاتخفى وتتحول الى رجل فى صورة امراة ، محاولة ان تمسك خيوط الحياة باتجاه اطفالها،  دون ان تفقد انسانيتها ، فهى تبكى ، لكن فى صمت ، ولعلنا نذكر شخصية "بت المنى بت مساعد " فى مسرحية "بيت بت المنى " التى اعدها للمسرح السودانى يوسف خليل محمد عن مسرحية "بيت برناردا البا "
نجد ثمة تشابه بين والدة مصطفى سعيد وبت المنى ، التى حين تضحك تبدو غريبة ، لانها تحس بثقل التركة التى تركها لها زوجها المرحوم ـ سبعة فتيات ـ اذن الطيب صالح لم يفارق التركيبة النفسية للام الوحيدة ـ رغم ان مصطفى سعيد يرى ان امه "تضع قناعا كثيف ، بل مجموعة اقنعة ـ ص 27 مصدر سابق  "
و" ليس ذلك بالضرورة من طبيعتها " نفس المصدر
لذلك كان مصطفى سعيد يبحث عن امراة اخرى ،رغم انه لم تماثل اى صورة صورة امه فهى دائما "فى العشرين "او دون العشرين ، "وجهها ذكى ومرح ، وعيناها تبرقان بحب الاستطلاع " ص 34"
وهنا سنرى تلخيص الطيب صالح لسيكولوجية الرجل السودانى بصفة خاصة حيث نجدها مبنية على الرؤية بعين والعيش بزاوية اخرى وتمثلت فى اجتذاب تلك "اللمبة " لكل انواع الفراش "غرفة نومى مقبرة ، ستائرها وردية منتقاة بعناية وسجاد سندسى دافئ  والسرير رحب مخداته من ريش النعام ـ  ص34" والعيش بزاوية اخرى يصحبها حب الامتلاك مثلما استعمرت بريطانيا معظم بلدان العالم الثالث سعى مصطفى سعيد الى احتلال نسائه فهو "جنوب يحن الى الشمال والصقيع ص 34" 
فاذا كانت بريطانيا "تنهب القطن وتصنعه فى مصانعها فى يوركشير "فان مصطفى سعيد يفعل الامر برؤيته هو المقابلة لذلك النهب "
"بدا لى كأننى اضاجع حريما كاملا فى آن واحد ـ ص 34"حتى فى قمة امتلاكه نجد ان صفة الصلف والاعتزاز بالذات كما ملازما "وذات يوم وجدوها ميتة انتحارا بالغاز ووجدوا ورقة صغيرة باسمى ،  فيها هذه العبارة : مستر سعيد لعنة الله عليك ـ ص35"الا ان العين برؤية اخرى "رغم انه يقال عنه زير نساء ـ ص 62"تجلت فى انه كان يأتمن واحدة على حياته "حسنى بت محمود "وهنا تتجلى الازدواجية فهو يعيش "هناك" بصورة ويعيش هنا بصورة يحاول الى ايهام الجميع بصورته الجديدة ، هناك يميل الى تعذيبهن بسادية مفرطة واكاذيب كن يتقبلنها بدون قيد او شرط بل انه يقول لمحيميد "اننى اترك زوجتى وولدىّ وكل مالى من متاع الدنيا فى ذاتك ،وانا اعلم انك ستكون امينا على كل شئ زوجتى تعلم بكل مالى وهى حرة التصرف ، انى اثق  بحكمتها  ـ ص 69"لكنه مع آن همند يرى غير ذلك فهى رغم توافق ملامحها مع مقاصده "الطموح ـ والذكاء " ورغم انها كانت تملك شروطه فى الانسياق باتجاهها "الذكاء ، صغر السن ، دون العشرين " مع ذلك لم يتعاطى معها كما تعاطى مع "حسنى بت محمود "
" فخدعتها وغررت بها وقلت لها نتزوج زواجا يكون جسرا بين الشمال والجنوب ، وحولت جذوة التطلع فى عينيها الخضراوين الى رماد ـ ص72"
علاقات المراة فى الرواية لا يمكن النظر اليها بعيدا عن الرجل ، فلناخذ مثالا "ود الريس " هو نموذج للرجل السودانى فى حالته العادية فهو فى البيت "مكشر ، مقطب " وبين اصدقائه "بشوش ، مرح " ومن هنا نجد ان عبقرية الطيب صالح كانت فى استلال النماذج من مكونات المجتمع السودانى خاصة فى الشمال الجغرافى ، وهى بالحق مكونات خاصة بالرجل السودانى
فالرجل الذى يمازح اطفاله وزوجه نادر الوجود "من الممكن ان نقيس على ابائنا "  فما من اب فى ذلك الجيل الذى يتحدث عنه الطيب صالح استطاع ان يكسر هذا الحاجز بينه وبين ابنائه وهو جيل يمتد ليشمل "ابوه ، وابائنا جميعا " فهو فى هذا السياق ذكر فى حوار اجرى معه انه "صديق لبناته" لكن ما يلفت فى تلك العلاقة قوله  " لكن ما بلغت العلاقة معهن ان تحكى لى واحدة عمن تحبه ، ربما لو سالت لقالت ، لكنى لا اسال ، لعل فى داخلى بعض شخصية من الاب المسلم العربى " ونضيف السودانى
فشخوصه ، ايضا مثله لاتسال ، لكنها "تقول " فى لحظات اللقاء بالاصدقاء كل شئ ، وكيف ترى الى المرأة من ناحية جنسية تظل عالقة بالذهن لاتريدها سوى "عذراء هنا نموذج ود الرواسى "فرخة عديلة من جوارى بحرى بلغت لتوها ـ ص78"
واذا اجرينا مقارنة بين كاتب اخر من العالم الثالث نجد نفس السياق والفهم ، حيث جورج امادو البرازيلى ومن خلال روايته ـ تريزا باتيستا ـ التى  كانت تضئ حياة الاخرين من خلال تفانيها نجدها هاربة من براثن ـ جنرال ـ كان يهيم بالعذارى والعذرية فى مدينة باهيا
اذن فود الريس  كان فى صباه  مهتما بالعذرية لكنه فى مرحلة اخرى نجده يهتم بالمراة القوية مجسدة فى حسنى بت محمود
يقول الطيب صالح "المراة ليست محورية فى هذا العمل "لكنها موجودة فى ثنايا النص ليس كانثى فقط ، بل كانسانة ذكية كما اختارها الطيب ، وقوية كما سنرى فى نموذج بت مجذوب التى تمثل اهم شخصيات الرواية النسائية  رغم اقتصار وجودها على فصلين فى الاول "كرجل " يرتدى زى امراة ، واضحة وبذيئة ، تلك الاشارة اشار اليها الطيب صالح بقوله " البذاءة نحن نعرفها وهى جزء من حياتنا ولكنى وظفت هذا الفصل الذى فيه بذاءة توظيفا ادبيا ، ادبنا ملئ بهذا او نحن جزء منه " نتفق مع الكاتب الاديب الطيب صالح فى هذه الجزيئة ، حيث النكتة البذيئة يتم حشدها فى لحظات الازمات لتعبر عن كثير من "المسكوت عنه" خاصة فى ظل الانظمة القمعية الديكتاتورية الشمولية وبضربة فى حاسوب الراس سترد عشرات ان لم تكن مئات النكات التى تمت حكاياتها فى ايام النميرى وما تقال الان فى ظل البشيروكل من تريد الايقاع به تلصق به نكتة بذيئة ، انظر ايضا الى تراثنا فيما يتعلق بالشخصيات ال"مخنثة " وتمركزنا حولها  احيانا بلا وعى بحثا عن الضحكة ؟
اذن بت مجذوب نتاج لكل هذا المحيط الاجتماعى "على ّ الطلاق ياحاج احمد كنت حين يرقد زوجى بين فخذى اصرخ صراخا تجفل منه البهائم المربوطة فى مراحها فى الساقية  ـ ص 79"
فالمراة لدى الطيب صالح هى التى تختار دائما يجعلها الاقوى ، ويجعل من اختيارها نقطة تحول ما "نعمة فى عرس الزين ، فاطمة بت جبر الدار فى ضو البيت "
فبت مجذوب غير بعيدة عن هذا الاختيار ، بل انه وضع لها حق الاختيار فمن بين رجالها الثمانية كان لديها من اختارته وبات اثيرا لديها "ود البشير " بل وجعل لها حق الدفاع عنه فى نبرة عالية تختلط فيها الانوثة بالحب الانسانى المطلق الذى يكرس له الطيب صالح "على الطلاق كان عنده شى متل الوتد حين يدخله فى احشائى لا اجد ارضا تسعنى ـ ص80"
فى الدراما هناك شخصية تظل عالقة بذهنك رغم "صغر الدور الذى تؤديه، رغم ضيق المساحة الزمانية / المكانية فى العرض  المحدد  " وفى الدراما ايضا ليس هناك شخصية كبيرة او صغيرة المهم الممثل ، هل هو صغير ام كبير؟
بت مجذوب من هذه العينة ، دورها فى سياق الرواية صغير لكنها شخصية كبيرة فهى مثال للمراة التى نطلق عليها "مسترجلة " ـ تدخن السيجاير ، تشرب مع الرجال ، لكنها مع ذلك تشكل حضورا انثويا طاغيا وهى نموذج المراة السودانية التى تخطت منتصف العمر ، فترفع عن ذاتها غطاء الخفر والحياء ، لكن ليس فى ابتذال ، تعلن عن صباها وكيف انها كانت "شبقة " تلك الخاصيةالتى يمكن مقارنتها باغانى البنات من خلال حوا بنزين او نصرة على " فهاتان المغنيتان تفرغان شحنة جنسية من خلال الخطاب الغنائى معلنات عن ماض سبق لهن ان عشناه وامل مازال عالقا كاسرات لتابوه "الجنس "
ففى سياق احد الاغنيات تجدهن يقلن
ـ ياعريسنا ما تتغفل
جاك صيد الخلا البتجفل
جاك صيلون قزازو مقفل
اظبط الساعة قطرك صفر
والامثلة عديدة لكن هنا تتجلى الايماءة الى العذرية واضحة
والمغزى الجنسى اكثر وضوحا
والايماءة فى رواية موسم الهجرة الى الشمال عبر بت مجذوب تاخذ نفس المنحى لدى المغنية الشعبية ، وحين تصف بت مجذوب مواقعاتها الجنسية فهى صادقة تمام الصدق ، فبالنظر الى حلقات النساء فى مجالسهن من خلال بيوت العزاء والافراح معا ، يتعزين بالاحاديث الجنسية ووقائعها المسكوت عنها الا فى  تلك الدوائر النسوية التى حتام ستجد بينهن اعداد من بت مجذوب ، لكن الطيب صالح يرى الى نسائه فى رواياته بعين الاحترام ، وهو زعم لم يكن خاويا قط ، حين يشبه الحضارة بالانثى ، يقول
" كنابالفعل معروفين  اننا لانطلق زوجاتنا ولانتزوج عليهن ،كان اهل البلد يتندرون علينا ويقولون اننا نخاف من زوجاتنا ـ ص 84"
لكنه يخفى وراء الكلمات ما يستعصى على البوح حتى فى سياق الرواية ، رغم ان الناس ترى الى المال والبنون زينة الحياة الدنيا ، والطلاق يقع لدى البعض فى خانة العيب ، لذلك يختار لمصطفى سعيد ان يعيث فسادا فى اوروبا ، ويختار له للسكون زوجة هى حسنى بت محمود ويفند من خلال بت مجذوب "نساء النصارى " تقول " حريم النصارى لا يعرفن لهذا الشئ كما تعرف له بنات البلد ـ ص84"
ويجعل بت مجذوب الصوت النفسى ان صحت التسمية ، فهى لاترضى بديلا عن بنات البلد ، حتى لنجده يعبر عن ذلك  بقوله "عقلك هو البرانى ـ ص 84" حتى انه يتطرف فى مناصرته لها ـ المراة السودانية ـ او تجده يجعلها مساوية لكل نساء العالم فى حالة اخرى " النسوان نسوان فى مصراو السودان او العراق او الواق واق السوداء والبيضاء الحمراء كلهم سواسية ص 86 "
معيدا للاذهان المقولة "تتساوى كل النساء بمجرد اطفاء النور"؟!
لكنه يفاضل بين كل النساء وحسنى بت محمود فهى الاثيرة الى قلبه فى رواية موسم الهجرة الى الشمال  يجمع فيها كل الصفات التى احبها ، فهى رمز للقوة والتحدى " قامة ممشوقة تقرب من الطول ، ليست بدينة ، ولكنها ريانة ، ممتلئة كعود قصب السكر، لاتضع الحناء فى قدميها ولا فى يديها ، ولكن عطرا خفيفا يفوح منها ، شفتاها لعساوان طبيعة ، واسنانها بيضاء منتظمة ، وجهها وسيم ، العينان السوداوان واسعتان يختلط فيهما الحزن والحياء ، حين سلمت عليها احسست بيدها ناعمة  دافئة فى يدى ، امراة نبيلة الوقفة ، اجنبية الحسن ، ام اننى اتخيل شيئا ليس موجودا حقيقة؟ امراة احس حين القاها بالحرج والخطر فاهرب منها ما استطيع ـ ص 92"
تشابه هذه المراة اليكترا و انتيجونا وكليوباترا ، تحس انها فى لحظة اخرى "امينة  زوجة سى السيد  لدى نجيب محفوظ" لكنها جماع كل تلك النساء، بل تفوقهن بانها حسنى بت محمود  الشخصية الفذة التى احبت لاجل ذات المحبوب وليس لانه ابن فلان وتظل امينة عليه حتى بعد رحيله او اختفائه ـ سيان ـ "كان ابا لاولادى ص 93 " ككل امراة ترفض الاخر بعد رحيل زوجها "على الاقل فى تلك الازمنة التى كتب فيها الطيب صالح روايته ، وتؤكد على ذلك باصرار حازم "بعد مصطفى سعيد لا ادخل على رجل ـ ص 99"
مع ذلك وفى مرحلة اخرى فى سياق الرواية هى "مجرمة "
فلقد لخص الطيب صالح قوتها فى رفضها الذى اسست له "اذا  اجبرونى على الزواج فاننى ساقتله واقتل نفسى ـ ص99" معروف فى السودان ان مثل ذلك الحدث ـ قتل الزوج ـ كانت  واقعة حقيقية درسها طلاب القانون فى جامعة الخرطوم فى الخمسينات حين قتلت زوجة زوجها لاشتباهها فى خيانته لها ، ولاندرى هل استبطن الطيب صالح تلك الحادثة وجعله مرجعا له فى هذا السياق ؟ ام انها مجرد حالة روائية ؟ حيث تؤكد حسنى للرواى ـ محيميد ـ انها ستقتل من يجرؤ ان يحل محل مصطفى سعيد  !
صوت المؤذن كان ينادى للموت وليس الصلاة فوقفت هى وخرجت دون ان اقول شيئا ـ ص99" لكنه لايترك الامر ليمر دون ان يقف مدافعا عنها فهو لايرى الى انها امراة وكفى "ان كانت امراة عادية فلماذا الاصرار ؟ ـ ص 100" ويدافع عنها كما يفعل المحامين امام القضاة  لانها ليست ككل النساء  فى القرية فلها مواصفات اخرى "هل تذكرها وهى طفلة شرسة تتسلق الشجر وتصارع الاولاد ، كانت وهى فتاة تسبح معنا عارية فى النهر ـ ص 103"
حتى بعد الزواج كانت تلك المراة القوية" لكن مصطفى سعيد كان قد رمى لها بالجرثومة التى قتلت ايزابيلا سيمور وجين موريس ، آن همند فقتلت ، وقبل ان تموت كانت كنساء المدن ـ ص104 "  
فهى احبت ، ولم تشأ الى ـ تدنيس ذلك الحب ـ عشقت ، فلم يهن عليها ان ترى معشوقا اخر حتى ان كان ودالريس ، خلقت لها جسرا لتمشى عليه وتقف وقتما شاءت ، خلقت لها جدارا من القوة الذاتية حصنها ليوصل بها فى خاتمة الامر الى  ان"اقامت عنده اسبوعين لاتكلمه ولا يكلمها ـ ص  "124
   وانبنى لديها حصن  مسيج بالاختيار ، الحس الوجودى كان عاليا لديها والحس الجرئ ايضا فالجراة جعلتها تطلب الزواج من محيميد "قولوا له يتزوجنى ـ ص 154" لكنه كان بعيدا فى تلك اللحظة فترك الخيار للحس الوجودى ان يفعل فعلته فقتلت ود الريس وقتلت نفسها لتجعل لمبروكة الضعيفة /القوية فيما بعد مجالا للتنفيس "ود الريس حفر قبره بيده وبنت محمود بارك الله فيها خلصت منه القديم والجديد ـ ص 130 "
مع ان بت محمود كانت فى العرف الاجتماعى فى محيط القرية "مجرمة " و"مجنونة ـ ص 133 ـ 134 " و كان ينظر اليها نظرة مغايرة فهى رغم قتلها ود الريس كانت مفتاحا للتغيير ، ذلك الامر الذى كان يبشر به تحديدا باتجاه المراة السودانية فى سياق الرواية ، فهو يلوذ بها كفاعلة تسعى الى قتل الوهم السائد لتفتح افقا جديدا للتحدى الاجتماعى ، وهو مايجعله نصيرا للمراة ، لكن شخصياته  النسائية جميعهن فى انسجام مع رؤيته فى موسم الهجرة الى الشمال حين مقارنتها "ببت مجذوب، ايزابيلا سيمور ، جين موريس ، آن همند ، حسنى بت محمود ، مبروكة زوجة ود الريس الاولى ـ التى كانت تحلم بالتغيير ، لكنها تنفست الصعداء  حين انجزته بت محمود ، فهى كانت تحلم باقتلاع نموذج من القهر والتسلط جثم على صدرها طويلا ، وهو ايضا ـ الطيب صالح ـ كان من خلال مصطفى سعيد "وزرعه" فى تلك البقعة "اوروبا " كان يحلم بالتغيير الاجتماعى من خلال صدام الحضارات ، حيث السيادة للخرافة لدى مصطفى سعيد وكان يوده ان يخرج من تلك الحالة التى تلبسته الى واقع افضل يسعى لانشائه ، وليس بالضرورة ان يكون "القتل "هو الوسيلة ، لكن ببذر التمرد فى وسط تسوده الاحادية ، لخلق ثنائية الجدل ، وهذا الى حد انتصار للرواية وهذا ربما كان محرض السلطة فى البلاد الى الحد من انتشار هذه الرواية التى تدعو فى عمقها للتغيير الاجتماعى رغم بطئه ، لكنه سيحدث فى لحظة ما ، وفقا للحتم التاريخى
نساء الطيب صالح فى روايته موسم الهجرة الى الشمال ـ خطابه الروائى ـ تلتقى جميعهن فى صفات "الذكاء ، التمرد ، الجمال " فشيلا غرينود "حلوة الوجه فعلا ، ذكية تؤمن بان المستقبل للطبقة العاملة ، وانه سيجئ يوم تنعدم فيه الفروق ويصير الناس كلهم اخوة ـ ص140"
ايزابيلا سيمور "فى الوجه طيبة واضحة وتفاؤلا بالحياة ـ ص141" جين موريس "مفرطة الذكاء  ـ ص158"
آن همند " وجه حى يتفجر صحة لا تكاد الصورة تحتويه فى كل خد غمازتان ، والشفتان  ممتلئتان منفرجتان والعينان تتوقدان بحب الاستطلاع ـ ص143 "
الى ذلك فنسائه فى متوسط  عمرى صغير ، ماعدا البعض منهن "فى الثامنة او التاسعةعشرـ ص 144" وجميعهن متن ليست ميتة طبيعية "السرطان ، انتحار بالغاز ، مقتولة ، قاتلة " مع ذلك كان "مستمتعا بهذه العلاقات ـ مصطفى سعيد ـ للحد الذى جعله يكتب عن جين موريس فى مذكراته " وقد كان حتما ان يصطدم طالعى بطالعها وان اقضى  بقية حياتى فى السجن اعواما واضرب فى الارض اعواما ن اطارد خيالها ويطاردنى ، وذلك هو الاحساس باننى لحظة خارج حدود الزمن قد ضاجعت الهة الموت ، واطللت من كوة عينيها على الجحيم ، انه شعور لايمكن للانسان ان يتصوره وقد ظل مذاق تلك الليلة فى فمى يمنعنى من اى مذاق سواه ـ ص156 "
نخلص الى ان مصطفى سعيد كان عاشقا للجنون والغرابة ، وبجنون يصل فى بعض الاحيان الى السادية المتبادلة والماسوشية من جانب نسائه ، فالجنون تجلى فى علاقته بجين موريس التى عذبته ولبث يطاردها ثلاثة اعوام حتى تزوجها رغم انها كانت تنظر الى ذلك الزواج على انه "مهزلة "
قد نختلف مع من راى ان مصطفى سعيد كان عطيلا ، فهو لم يكن عطيلا ابدا ، لان عطيل ارتكب جريمته على ضوء الغيرة ومصطفى سعيد كان يمارس "استعمار الجسد " بادواته الخاصة المستوحاة من بيئته ، كان يوزع الجرثومة ولا يود اقتلاعها ، عطيل لم يكن يكذب ، ومصطفى سعيد كان يرمى بشباكه بالكذب حتى على اكثر النساء اللاتى احبهن "حسنى بت محمود"
لم يقل لها الحقيقة قط ، لكن عطيلا كان بدائيا حتى فى علاقته بديدمونة علاقة الامتلاك هى  الاساس ، وليست روحية ايضا ، فيما كانت "صوفية مصطفى سعيد "احد مكونات طقوس علاقاته ، عطيل كان قائدا عسكريا ومصطفى سعيد كان مقهورا يحارب محاولا استعادة فوضى مفقودة فى قارة اخرى مع قوم اخرين ، مستفيدا من خبرته باللغة وجمال ملامحه وارثه الصوفى رغم تدينه 
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.