صوت من الهامش
كان الشاعر الجاهلي زهير بن أبي سلمى اكثر صدقا حين قال: وَمَهما تَكُن عِندَ اِمرِئٍ مِن خَليقَةٍ وَإِن خالَها تَخفى عَلى الناسِ تُعلَم، واكثر عمقا في فهم النفس البشرية، والاسلاميون في متاهاتهم تجدهم اعجز عن مدارات تناقضاتهم المركبة، واوهن زُمرة في اخفاء نزعاتهم المراوِغة في الافتتان بالحكم الثيوقراطي. ورغم فضح مشروعهم الكذوب وفشله الذريع، تجدهم بمختلف مشاربهم، يدارون تبرؤهم الصريح من تبعات حكمهم الكارثي على الوطن الجريح، ومآلات تخبطهم على المواطن المأزوم بصبيانيتهم السياسية.
السيد بحر إدريس ابوقردة، احد صنّاع نظام الإنقاذ، ومن ابرز دبابيّ ما عُرف بالميل 40 في افاداته لصحيفة التيار، وقع في عدة تناقضات، وقدّم اروع مثال للتوهان الفكري، واوضح نموذج للتأرجح و اللجاجة السياسية، فقد نقض غزله من بعد تمردٍ انكاثا، فالذي يقاتل اخوته في الوطن والإنسانية، ارضاءً للكاهن الذي يزعم أنه يستمد شرعية حكمه من الله، لا يجوز له التمرد والخروج على ذات القدّيس، ثم يؤوب الي طاعته، ويستمر في تمجيده، إن لم يكن متناقضا فجا، وتائها في فلاة السياسة الوعرة.
فالسيد ابو قردة يقول، التمرد كان ضروريا بالنسبة لهم للاعتراف بالقضايا، فبأي مصوغ استبسل في قتال الحركة الشعبية، وهو الذي وجد نفسه "مضطراً" للخطوة ذاتها، دون ابداء الندم والتصريح بالاعتذار، بل الأدهى والأمر، جاءت افاداته بشيء من المباهاة، ذاكراً بقدرٍ من المفاخرة، انّ ترتيبه كان رقم ستة بمعسكر خالد بن الوليد بقيادة على عبد الفتاح، واضاف بشيء من الخيلاء واظهار البطولة : ""قدرنا في ذلك الوقت أن نوقف الحركة الشعبية في الميل أربعين هم قعدوا في 41 ونحن قعدنا في 39 والميل أربعين كان هو النقطة الفاصلة إلى أن جاءت اتفاقية السلام، ونحن عملنا التفافاً بـ45 وضربناهم من الخلف". بالطبع، ليس هناك مأخذ على مواجهة التمرد عسكرياً من قبل القوات النظامية، المنقادة للسلطة "الشرعية" بل الاعتراض على السلطة الانقلابية، التي تفّصل ثوب القداسة لمثل هذه المواجهات وتحيلها إلى حرب عقدية.
والكل يعلم أن اصباغ القداسة على تلك الحرب، دافعه المزايدة الدينية، واسكات الأصوات والتحركات المناهضة للنظام الانقلابي خلال فترة رخاوتها، فلا صوت يعلوا فوق التكبير والتهليل، وكذلك اصبح الخروج الي "الجهاد" رصيد يُزايد به في الحصول على الوظائف الدستورية في الدولة، والمناصب القيادية في الحزب، أي انّ جهادهم كان "جهاد" وجاهة وإثبات الولاء. وبات الكل مدرك، أن الزجّ بالمدنيين الأصوليين في تلك الحرب اللعينة، دفع الغرب للاصطفاف من اجل تخليص الجنوبيين من الاضطهاد الديني، ووضع حد للزحف الأصولي جنوب القارة السمراء. وقد وجد هذا المسعى، هوىً في نفس على عثمان طه، عرّاب النظام بعد المفاصلة، وعرّاب الانفصال. وإذا احسنا الظن بالسيد ابو قردة، وقلنا أنه اجّل ادانة "جهاد" الجنوبين، حيث فضّل ان يكون تقييم التجربة جماعيا، فهو كذلك نجده متردد، والطبع أننا لا نطالبه بالإساءة الي ماضيه، بقدر استنكارنا لوقوفه في منزلة بين المنزلتين، والمسافة بينه والاسلاميين، تبدو اقرب من سواها.
وطالما انّ السيد ابو قردا، ليس نادماً على دوره الجهادي المتقدم في حرب الجنوب، فهو بذلك ضمنياً يجد المبرر للنظام في قتل اهله في دارفور، وبذات القداسة الكهنوتية، يحل دم رفاقه الذين ما برحوا قابضين على الزناد!!
فحين يقول "حكاية التمرُّد كانت ضرورية جداً لأنه لولا التمرُّد الذي قمنا به لم يكن يحدث اعتراف بالقضايا"، متناسياً أنّ التمرد كان ضرورياً ايضاً للحركة الشعبية، لذات السبب، وهو بذلك يكيل بمكيالين، ويجّرد "بطولته" المزيفة مع على عبد الفتاح ورفاقه من القداسة.
وليس مدهش، ان يبدي السيد ابو قردة ندمه الخجول على دوره في انقلاب نظام الإنقاذ على حكومة شرعية، ويظل مشاركاً له في الحكم، متنقلا بين الوزارات، ومسانداً له في اقصاء الآخرين، حيث قال: "ولو قدر لي المشاركة في الانقلاب مرة أخرى لن أقبل لأنني أعتقد أن أية تجربة تغيير عسكري غير مفيدة وبالتالي هذه هي النتيجة التي وصل لها كل الناس بكل توجهاتهم السياسية"
ضمن تناقضاته البيّنة، يقول السيد بحر: "ليس لدينا شغلة باستقطاب أحد لكي يصبح وزيراً أو موظفاً هذه ليست قضيتنا" ونحن نرى أن اتفاق الدوحة الذي وقعه مع النظام عام 2011م آلت إلى وظائف دستورية ووزارية، ونراه يدّعي الزهد، ويتسَنم حصة حزبه الهامشي من المناصب الوزارية، فإن كان فعلا زاهداً في التوزير، لفصل بين منصبيّ رئيس الحزب والوزارة. ونحن نرى أن مشاركته في الحكم غير مبررة، لأن حصيلة اتفاقه من النظام، اختصرت على "شوية" قرى نموذجية، وبعض الوظائف الهامشية، وهي حصيلة ضئيلة مقارنةً بعدد الأرواح التي زُهقت بدم بارد، ولا تزال في الثورة المسلحة بدارفور.
ونعتقد أن السيد بحر اذا صبر مع حزب المؤتمر الوطني، بإمكانه الحصول على وضع وظيفي افضل مما حصل عليه بقوة السلاح، أي أن تمرده "ما جاب تمنو"، لكننا لا نظن أن رفاقه الذين قاتلوا معه بصدق واخلاص، لم يقاتلوا من اجل تثبيت الحقوق على الورق فحسب، بل الحصول عليها عياناً بيانا.
صحيح، الفقير السياسي، "رأس غنماي بملأ بيتو"، والأخشتو ماتو.
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
للإطلاع على المقالات السابقة:
http://suitminelhamish.blogspot.co.uk