عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
السؤال الثالث: ألا يوجد مشروع قومي متكامل الآن في السودان؟
يعرَّف الأستاذ التجاني الحاج (في ورقة غير منشورة) المشروع الوطني بأنه: "...في واقع الأمر، فإن إيجاد تعريف جامع مانع لمصطلح "المشروع الوطني"، أمر بالغ الصعوبة. لكن عموماً فإن أي حديث عن مشروع وطني لأي بلد أو مجتمعات، لا يخرج عن مناقشة العناصر التالية: مسألة الهوية، مسألة العلاقات الإجتماعية، المشاركة في السلطة، عدالة قسمة الموارد الإقتصادية وأخيراً القاعدة الدستورية، والتي تقف جميعها كمكونات حدّية لأي عملية بناء وطني. وبالتالي فإن الإتفاق حولها، أو التراضي على أي مستوى من مستوياتها، يمثل في نهاية المطاف جوهر فكرة المشروع الوطني.".
في تقديري إن المشروع القومي المتكامل هو الذي يستوعب في أطروحته كل مكونات المشروعات الأخرى المطروحة والمتصارعة الآن في الساحة السياسي السودانية. يمكن تحديداً الإشارة إلى أن مكونات المشروعات المطروحة الآن في الساحة السياسية السودانية تشمل الآتي (قابلة للزيادة بالطبع):
•    الهوية العروبية.
•    الهوية الأفريقانية.
•    الهوية الحضارية للسودان.
•    الإسلام ودوره في الحياة العامة.
•    العلمانية.
•    العلاقة مع الجوار (العربي والأفريقي).
•    التاريخ.
•    الثقافية.
•    التنوع.
•    التوازن التنموي وإقتسام الثروة.
•    إقتسام السلطة.
الملاحظ، وكما ذكرت آنفاً، أن إقليم المابان (النيل الأزرق) قد أفرز حركة سياسية/توجه سياسي أولي تمثل في مؤتمر الفونج في الستينيات، إقليم السافنا أبرز حركتين سياسيتين مميزتين هما جبهة نهضة دارفور وسوني (في درافور) وإتحاد عام جبال النوبة (في جبال النوبة) بالأضافة إلى أحزاب نوباوية أخرى وحركات إحتجاج سياسي أفرزت مختلف أشكالالحراك. مؤتمر البجا برز في الشرق معبراً عن إقليم البجا الثقافي. هذه الأقاليم الثلاثة بحركاتها السياسية وحراكها السياسي ـ الثقافي إنحازت بعد عقدين (أو أكثر) من إنشائها(أي في الثمانينيات) إلى الحركة السياسية ـ الثقافية ممثلة في الأفريقانية وذراعها الحركية (الحركة الشعبية لتحرير السودان) ثم تطورت لاحقاً إلى جماعة كاودا ثم إلى الجبهة الثورية كما هو مشاهد الآن. لكن كل هذه المشروعات المنطلقة من إقليم أو مجموعة أقاليم كلها تقوم على تركيز الغلبة لواحد أو إثنين من مكونات المشروع الوطني الكلية (سالفة الذكر). إذن الصيغة الوسط والمتوازنة والتي تضمن الإستقرار هي التي تستطيع أن تطرح (وتفعِّل في الواقع) بصورة متوازنة ومتزنة بين كل أو أغلب المكونات في الواقع السوداني (مثلاً العروبة، الإفريقية، الدين، العلمانية، التاريخ، الثقافة، التوازن التنموي، التنوع.... إلخ).في حقيقة الأمر أن جمع كل هذه المكونات المتناثرة للمشاريع السودانية هو ما يكون المشروع القومي ليست جمعاً حسابياً بل جمعاً مفهومياً تركيبياً بنائياً لذلك الشتات الفكري ـ المنهجي. يرى الكثيرون أن نتاج ذلك التجميع هو ما يعطي نتيجة (السودانوية) وذلك بإعتبار أن المشروع الإسلاموي والعروبي والأفريقاني وكلاهما يحملان (بذرة ضعفهما) لأنهما يحملان بصورة أو بأخرى نفياً لبعض مكونات الواقع السوداني وليس بمقدور أياً منهما العيش بمفرده وبصورته النقية كما هي مطروحة الآن.
السؤال الرابع: إذن ما المخرج؟
ربما يكون تفكيك هذه المشروعات وإدماج مكوناتها الأساسية لصالح مشروع قومي متكامل، على أن تتم هذه العملية المزدوجة (التفكيك والبناء) بصورة واعية وتدريجية ومدروسة كجزء من برنامج كبير لإعادة ترسيم السودان منعاً للإنهيار وخاصة بعد التصدع الكبير الذي إنهار معه حائط الوطن الجنوبي.
هناك معطيات أو مسلمات ضرورية لتحقيق ذلك:
•    هذه العملية لا يمكن أن تقوم بها جهة واحدة دون الآخرين.
•    ولا يمكن أن يؤتمن عليها مشروع واحد دون المشروعات الأخرى.
•    يمكن أن توكل لمجموعة أو لجنة قومية تشمل كل المشروعات والأطروحات والتيارات بوجود فاعل لشخصيات محايدة وعلى درجة عالية من الإستنارة يوافق عليها الجميع.
•    اللجنة في النقطة (3) لابد أن تستهدي بمقررات لمؤتمر عام (نسميه ما نشاء) يمثل كل السودانيين لوضع الموجهات العامة (والإتفاق حولها) وهي التي توجه وتهدي بناء المشروع القومي.
•    المناداة لمؤتمر قومي دستوري.
•    تحت مظلة حكومة قومية.
•    إلقاء السلاح الذي في يد كل الأطراف المتحاربة وإعلان العفو العام.
إن الحراك الذي يعتمل بهدوء ـ أو مصحوباً بالعنف أحياناً ـ في غرب السودان ستكون إحدى أهم إفرازاته هو تمرد القبائل العربية ضد الدولة على خلاف الشائع من الممارسة السياسية خلال الستة عقود الأخيرة. إن إفتراض وقوف القبائل العربية بجوار الدولة في حربها ضد القبائل غير العربية: مع الدينكا في الجنوب (البقارة: المسيرية الرزيقات) أو في حربها ضد النوبة (في حالة الحوازمة ـ أولاد حميد ـ الكواهلة في كلوقي أو المسيرية في لقاوا) أو في حربها ضد الزُرقة في دارفور (الرزيقات الشمالية والبقارة بكل فروعهم السلامات، التعايشة، بني هلبة، الهبانية وغيرهم) في تقديري إن هذا الإفتراض في طريقه للتلاشي. لقد بدأ في البروز تشكيل تقارب سياسي كبير له قوة دفع ذاتي قاعدي بين ما يُعرف بالقبائل العربية وغير العربية في سبيل خلق تحالف يستهدف الدولة والسلطة المركزية معاً. هذا يعني أن عقداً عمره أكثر من نصف قرن من التحالف الخفي والمعلن بين الدولة والقبائل العربية في غرب السودان قد إنفرط بتحلل أحد أهم الأطراف منه (القبائل العربية). هذا التطور يشئ بإنهيار العقد الإجتماعي بين المواطن والدولة في غرب السودان من جهة وينبئ عن تلاشي الدولة تدريجياً في تلك الأنحاء من البلاد خاصة وقد بدأت تظهر ملامح هذا في وهن وضعف وغياب أجهزة الدولة من حياة المواطن العامة.. مما يوحي بحلول عاصفة عارمة من الفوضى وإنهيار النظام الإجتماعي ـ السياسي والذي سيزحف تدريجياً نحو وسط البلاد.. حلولاً في النموذج الصومالي.
هذه القراءة هي في أحد جوانبها صافرة إنذار للزلزال القادم من الغرب.. والذي قد يأتي بما لا تحمد عقباه، فلزم الحذر والإحتياط: لا بالتأهب العسكري والإستعداد، لكن بمراجعة الحسابات والأطر والمسلمات السياسية التي حكمت البلاد خلال الثلاثة عقود الأخيرة وهي تعبر عن إنفراد سافر بالسلطة وبالدولة وبالمجتمع وتجييره لصالح جماعة وإثنية وإقليم واحد دون بقية البلاد.. هذا السيناريو مصيره أن يورد البلاد مورد الهلاك. إن سيناريو الشمول للجميع هو المخرج وليس سواه فلنسمه ما نشاء من المسميات وصفاً: حكومة إنتقالية قومية تضع الأشياء في مواقعها الصحيحة أو إسم آخر. إن المسؤولية الأكبر تقع على عاتق الأخوة الإسلاميين القابضين على زمام السلطة.. عليهم الأخذ بزمام المبادرة وعلى المؤسسة العسكرية القومية..وبالطبع على قادة القوى السياسية والإجتماعية في السودان والذي نعتقد بأن الطاقة التاريخية الموجبة التي تسري في أوصاله وتربط أجزائه ستظل مانعة له من التفكك.. لكن من الضرورة أن "نساعد يس بجكة" أو كما تقول الحكاية الشعبية: "أن الفكي والحيران حينما شعروا بخطر اللصوص يداهمهم في الطريق وهم سراة ليلاً، أمرهم الفكي بقراءة يس.. وحينما زاد الخطر وقررواً الفرار، قال لهم مبرراً ذلك:يس ساعدوها بجكة (جرية).. فجروا وهم يقرؤون يس حتى تم لهم الخلاص.