عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.


في هذا المنعطف لابد من طرح بعض التساؤلات الملحة وذات الصلة بالموضوع علها تشكل مدخلاً أو تكون أساساً للحل أو نحوه:
السؤال الأول:
هل، من سياق ما أوردناه من وجهة نظر أو على الأصح قراءة لشتات الأطروحات السياسية الإجتماعية الموجودة في السودان، ما يعني أنه لا يوجد مشروع قومي مكتمل الملامح في السودان؟
الإجابة:
هناك صراع خفي بين ثلاثة مشروعات/أطروحات قومية: المشروع الأفريقياني (العلماني) والمشروع العروبي ـ الإسلاموي (العقدي) والمشروع القومي (التوفيقي). وفي إطار حدة االصراع الخفي و(العلني) بين المشاريع الثلاثة فإن المشروع القومي التوفيقي يحاول خلق تقارب وتصالح بين المشروعين الأكثر تباعداً وهما الأفريقاني العلماني والعروبي ـ الإسلامي (العقدي)، وكل واحد من المشروعين المتصارعين يري أن الإستجابة للمشروع القومي التوفيقي (الذي تنادي به الأحزاب التاريخية الكبيرة) هو في الحقيقة إنصياع للآخر طالما في إعتقاد كل منهما أن المشروع الغريم ربما يسعى للكسب وترجيح الكفة من خلال الإستغلال للأحزاب القومية (التقليدية) والتي هي أيضاً غير محايدة، على سبيل المثال: كثيرون من عرب دارفور يرون في حزب الأمة في الآونة الأخيرة بأنه أصبح مطية/نصير للزرقة أكثر منه للعرب في دارفور. وكثير من النوبة (مثلاً)  يرون في حزب الأمة بأنه مطية/نصير تاريخي للعرب وأنه شارك بفعالية في تسليح العرب وأنه مسؤول عن مجزرة الضعين وهكذا. أما الحزب الوطني الإتحادي/الإتحادي الديمقراطيفبالإضافة لضعفه خلال الثلاثة عقود الأخيرة أصبح تقاربه مع التضامن النيلي (الوسط النيلي) أكثر وضوحاً وهو امر لا تخطئه العين.ويرى الكثيرون أن مهادنة حزب الأمة للمؤتمر الوطني التي قادت في النهاية إلى مشاركة عبدالرحمن الصادق المهدي في أعلى هرم السلطة كمساعد للرئيس وفي ذلك دلالة واضحة على مارآه الإمام/ حزب الأمة من ضرورة لمد جذور التواصل مع هذا التضامن النيلي ممثلاً للوسط النيلي وهو القابض على السلطة والأكثر فعالية في المجتمع وفي الإقتصاد والثقافة. وطبعاً هناك من يرى أن إنضمام نصر الدين الهادي المهدي للجبهة الثورية (ذات الغلبة الطاغية لصالح المشروع الأفريقاني) هو دليل آخر على وضعية (المشروع القومي التوفيقي) ممثلاً في حزب الأمة في محاولاته لمد حبال التواصل بين النقيضين أو الخصمين اللدودين (المشروعين المتناحرين وهما الأفريقاني (السودان الجديد) والعروبي ـ الإسلاموي ممثلاً في الوسط النيلي ـ لاحقاً التضامن النيلي). وبالتمام والكمال، ذات التحليل ينطبق على وضعية الحزب الإتحادي الديمقراطي أيضاً، كما في حالة تمثيل السيد جعفر الصادق محمد عثمان الميرغني (مساعداً للرئيس) والتوم هجو (عضو الجبهة الثورية) وعليه، فقد أصبح المشروع القومي كما يمثله مجازاً الحزبين الكبيرين تماماً كحالة من يمسك على غصنين في ذات الوقت ليحدد بعدها إلى أين يقفز حسبما تقتضي المصلحة وحسبما يكون ميزان القوى. وهذا دليل آخر على أن الصراع الأكثر حدة وشدة في البلاد هو القائم بين مشروعي الوسط النيلي (العروبي الإسلاموي) والكيان الأفريقاني. وفي ذات الوقت يتنافس المشروعان على كسب المنطقة الوسطى التي يمثلها المشروع القومي (الحزبين الكبيرين والشيوعي والمؤتمر الشعبي).
السؤال الثاني:
أين موقع المشروع الإسلامي من هذه المشاريع المتصارعة (علناً) أو (سراً) في الساحة السياسية السودانية، وهو المشروع الذي بهديه ووحيه وبنية تطبيقه أستولت النخبة الحاكمة الآن على السلطة في السودان بالإنقلاب المعروف في 30 يونيو 1989 على الحكومة الديمقراطية المنتخبة والتي كان على رأسها حزب الأمة؟
الإجابة:
المشروع الإسلامي موجود ـ على الأقل ـ كفكرة وكمشروع نظري ما زال في عقول وتصورات الكثيرين من الإسلاميين. لكن في تقديري، عملياً تنازل المشروع وأصحابه عن الكثير من مفرداته ومكوناته لصالح إنتماءت أخرى وخاصة العروبية والإثنية والمناطقية. قد يقول قائل أن هذه التنازلات منمكونات المشروع الإسلامي الأساسية قد أملتها ضرورات ملحة في اللعبة السياسية وخاصة:
_ تمدد ونمو تأثير المشروع الأفريقاني ليس داخل الأقاليم الطرفية ذات الغلبة أو الوجود غير العربي الفاعل في جبال النوبة والنيل الأزرق (الجنوب الجديد) ودارفور وشرق السودان، ليس ذلك فحسب بل إن الفكرة الأفريقانية قد وجدت بعض القبول وسط الكثير من المثقفين الليبراليين وتعاطفت معها بعض الشرائح من المجتمع المدني والأكاديمين وغيرهم من الشرائح الطليعية في الطبقة الوسطى خاصة في المجتمعات الحضرية.
_ إنشقاق الإسلاميين في العام 1999 وخروج الترابي من السلطة كان الضربة الأكثر والأكبر تأثيراً على تماسك كيان الحركة الإسلامية والنخبة الإسلامية الحاكمة وعلى تماسك وإنسجام وإتساق أطروحة المشروع الإسلامي (بناءه ومفرداته النظرية) مع (حراكه العملي) على أرض الواقع. إنشقاق الترابي وإبعاده قد ترك المشروع الإسلامي (كما يرى الكثيرون) بلا قيادة روحية وفكرية وكأن صاحب الفكرة قد أخذ فكرته وإنصرف أو (صاحب الأمانة قد أخذ أمانته وإنصرف). وعلى صعيد آخر فإن أطروحة الحركة الشعبية الداعية للأفريقانية والسودانوية رغم برامج الدولة الداعمة (مباشرة) وأحياناً (غير مباشرة) للتباعد بين القوميات المختلفة خاصة العربية وغير العربية (المسيرية ـ الدينكا) و(الحوازمة ـ النوبة) قد جذبت هذهالأطروحة الكثيرين من أبناء القبائل العربية. وللدهشة فإنه بعد إتفاقية نيفاشا قد دخل عشرات الالاف من أبناء البقارة في مناطق الرزيقات (جنوب دارفور) والمسيرية (غرب كردفان) والحوازمة (جنوب كردفان) إلى صفوف الحركة الشعبية والجيش الشعبي.هذا بالإضافة للتعاطف الإقليمي مع الحركة الشعبية ومع أطروحة الأفريقانية وخاصة في الجوار الإفريقي (جنوب الصحراء) وربما تعاطفاً من بعض الجهات الأخرى (إسرائيل) وغيرها من الكيانات. ولاحقاً قد إنضم ربما الآلاف (وكما تشير الدلائل) من شباب الكيانات العربية في أقاليم كردفان ودارفور الجنوبية إلى الجبهة الثورية السودانية المناوئة للحكومة المركزية في الخرطوم.
كل هذه الضغوطات من مختلف الإتجاهات وبمختلف التأثيرات جعلت المشروع الإسلامي يقدم بعض التنازلات المنهجية ـ الفكرية لصالح التكتيكات المرحلية (إذا أحسنا به الظن) التي تبقي عليه في السلطة بغية مقاومة ومنازلة (المشروع الأفريقاني العلماني المتحالف مع السافنا جزئياً) بإستنهاض الحمية القومية وهي في هذه الحالة (العروبية). هذه التنازلات بدأت في الظهور إلى حيز الوجود عند بروز تنظيم المؤتمر الشعبي العربي الإسلامي والذي لدهشة الكثيرين ـ من المراقبين للتطورات الفكرية للتنظيم الإسلامي أن يُحدث هذه المزاوجة (الشاذة) بين الحركة الإسلامية والحركة القومية العربية والتي في جوهر نشأتها تكمن فكرة العلمانية، بل و(اللادينية) حيث أوردها باعث الفكرة الأول ساطع الحصري والمنظر الحركي (الذي وضع الفكرة موضع التنفيذ) ميشيل عفلق (ذو الأصول النصرانية). في صلب الفكرة القومية (القومية العربية) قد تم طرح الدين كرافد ثقافي للعروبة لا يقل أهمية من جوهرية الإنتماء للعروبة وتاريخها قبل وبعد الإسلام. هذا ماكان على الصعيد الإقليمي في منتصف الستينيات. أما على الصعيد القومي ـ ومن الطرائف أنه وفي ذات الفترة التي برز فيها تنظيم المؤتمر الشعبي العربي الإسلامي إيذاناً بتحالف الإسلاميين مع التيارات العروبية الراديكالية تحديداً فترة التسعينيات فقد تولى أحد قادة التنظيم الإسلامي ـ فكرياً وحركياً ـ تولى وزارة الرعاية الإجتماعية في السودان والتي سرعان ما تغير أسمها إلى وزارة التخطيط الإجتماعي.. والتخطيط الإجتماعي عند علماء الإجتماع قد لا يعني تحديداً ـ فقط ـ المترادفة الإنجليزية بدلالتها العملية(Social planning) لكنها قد تعني أيضاً الهندسة الإجتماعية أو الهندسة الثقافية (بإعتبار أن لفظي إجتماعي وثقافي قد تستعملان أو تعنيان نفس أو ذات المعنى، ويصبح المعنى الإجمالي هو (social engineering). والتخطيط الإجتماعي أو الهندسة الإجتماعية تعني كلاهما إعادة ترتيب، وإعادة صياغة أو إعادة بناء إجتماعي ـ ثقافي جديد. كان ذلك البرنامج الذي عبرت عنه وزارة الرعاية الإجتماعية تحت سيطرة أحد قادة التنظيم الإسلامي يهدف إلى إستنهاض المسألة القبلية وإعادة تفعيلها في الحياة العامة وفي الحياة السياسية في السودان كبديل عملي للكيانات السياسية القائمة وكترياق مضاد لتمددات الغريم الأكبر/الأول وهو الأطروحة الأفريقاينة. إذن من الواضح كلما زادت الضغوط على المشروع الإسلامي أصبح يستلف من المخرون السياسي أو الرصيد السياسي من خارج أدوات المشروع حتى فاقت هذه الأدوات من خارج المشروع الأدوات التي من داخله ووصل الأمر بالتنظيم الإسلامي (وأيضاً نتيجة لليأس والإحباط) أن طرح أحد أبرز قادته في مؤتمر للحزب الوطني في العام 2005، أطروحة السودان المحوري أو ما عرف بمثلث حمدي والذي هو المثلث الذي تمثل دنقلا نقطته في الشمال مع سنار جنوباً وكردفان الشمالية غرباً. وقد أوصى صراحة بتركيز التنمية في هذا السودان المحوري الذي تشكل وأصبح بناءاً قومياً متناغماً ومنسجماً منذ مملكة سنار حتى أضحى العمود الفقري للسودان وأن ثقافته الغالبة هي العربية ـ الإسلامية.هكذا إنحسر المشروع الإسلامي إلى مشروع جهوي ـ عنصري حسب أطروحة مثلث حمدي نافياً للأخرين الذين أصطفوا ضده الآن في كاودا في الجبهة الثوريةوفي "الجنوب الجديد".
ان المشروع الإسلاموي موجود لكنه متشرنق الآن داخل الكيان العروبي في السودان، هذا من جهة، ومن جهة أخرى في حالة إحتماء بالجهوية والعصبية الإثنية. هذا الإحتماء (الإثني العصبي) قد أضعف الإقليم النيلي الأوسط (وهو الإقليم الثقافي الأكبر تأثيراً في السودان_ كما ذكرنا) وقد أُضعف أكثر من خلال تراجع المشروع الإسلامي وميل نخبه الحاكمة أكثر نحو جزء من الإقليم وهو المنطقة شمال الخرطوم ـ الجزء الشمالي من الإقليم النيلي الأوسط متجاهلين وسط السودان الجغرافي وهو إقليم الجزيرة ذو الزخم والتأثير الإقتصادي الأكبر وإقليم النيل الأبيض. وقد عبر عن ململة منطقة الجزيرة والنيل الأبيض من تهميش (شمال الخرطوم) كتابات تشئ عن ظاهرة التضامن النيلي والذي يتكون عماده الإثني من مجموعات الشايقية ـ الجعليين ـ الدناقلة (بصورة تقريبية غير جازمة). وقد كان السبق في الإشارة التضامن النيلي لذلك لكاتب ألمعي ومثقف لامع من منطقة الجزيرة هو الأستاذ عبداللطيف سعيد. والطريف أنه أورد هذا المصطلح (التضامن النيلي) بإعتباره الصخرة التي تحطمت في وجهها طموحات الصادق المهدي (المدعوم بصورة أكبر من أقليم السافنا الثقافي وقليل من الوسط) وحسن الترابي الذي سعى لمقاومة نفوذ هذا التضامن النيلي مسنوداً أيضاً (إلى حد كبير) بإقليم السافنا الثقافي. وقد أصبح أحد ملامح المفاصلة بين الإسلاميين هو المكون الجهوي (الغرب أو إقليم السافنا الثقافي) مع الوسط النيلي الذي إنكمش لاحقاً إلى التضامن النيلي.. في الجزء الشمالي من الوسط النيلي.
جغرافياً أصبح وجود المشروع الإسلامي الآن أكثر حصراً في المدن في وسط السودان..  وأصبح يتشكل أكثر فأكثر ـكما هو تاريخياً ـ كظاهرة حضرية. وهذا يؤكد بعض الإفتراضات السوسيولوجية حول طبيعة الإسلام السياسي بأنه ظاهرة حضرية وذات إرتباط أوثق بالطبقة الوسطى الدنياهذا في أحد جوانبها. وفي الجانب الآخر ـ بالذات ـ في شكلها المتشدد (السلفي) هي حركة يمكن إيجاد بعض إرتباطاتها أو تمظهراتها الطبقية من خلال ظهورها أكثر وسط فقراء المدن والطبقات الإقتصادية الأكثر حرماناً وتهميشاً. لكنها تظل في مختلف أشكالها عديمة الجذور وضعيفة التمددات في الريف الذي ظل مخلصاً للإسلام الصوفي أو الإسلام الشعبي. إن كتابات بعض الإسلاميين النابهين أمثال الدكتور التجاني عبدالقادر تؤكد ما ذهبنا إليه في أن أصل الأخوان المسلمين الطبقي تشكله شرائح الطلاب وصغار الموظفين أكثر منها شرائح الطبقات الميسورة الحظ (الوسطى، الدنيا والعليا).
وعلى صعيد آخر فإن المشروع الإسلاموي مازال يظهر وده القديم ومغازلته لكيان الإسلام التقليدي في السودان خاصة الحركة الصوفية (من خلال مؤتمرات الذكر والذاكرين) وتنشيط علاقات الزعيم ـ التابع وعلاقات الدعم الإقتصادي وأحياناً التمثيل السياسي المحدود للطرق الصوفية أو البيوت الصوفية في المؤسسات السياسية. وهذا التوادد يشمل حتى المجموعتين الإسلاميتين الأكبر في السودان، الأنصار والختمية، وقد بذلت الدولة جل جهدها لتمثيلهما في المؤسسة السياسية والذي يعتبر إضافة للمشروع (الإسلاموي) أو صنوه المشروع النيلي الأوسط والذي تقلص إلى التضامن النيلي لإثنيات شمال الخرطوم القابض على دفة "الدولة القومية"في السودان الآن.