عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.



بالنسبة للنوبة فقد أضعفت كل هذه الصيرورات الرباط الوجداني النوبي مع الشمال (العربي) في حين بدأ في التنامي ميولاً وجدانياً مع الجنوب (ولكن هذا ملئ بالتناقضات الثقافية ـ التاريخية رغم المحاولات لتأسيسه على قاعدة سياسيةوعلى هوية أفريقانية مسنودة بتاريخ الإستبعاد والإسٍتعباد لكليهما). لكن ومن جانب آخر فإن ذلك أيضاً  يعزى لقصور الأخ الشمالي ولتناقص الثقة فيه وأحيانا لممانعة وتأبي الأخ الشمالي بنفسه وهجرته وجدانياً نحو الشمال البعيد (العروبة) أكثر فأكثر. مضافاً إلى كل ذلك إن كل أحزابنا القومية قد شهدت تطوراً في صياغاتها الفكرية  نحو اليمينية والمحافظة من خلال القبول التدريجي لأطروحة الدولة الدينية (وإن كانت هلامية رمادية ــ قلقة) نتيجة للحصار الفكري المضروب عليها من مدرسة الإسلام السياسي بقيادة حسن الترابي، ثم الحصار الفكري ــ الحضاري الذي فرضته على كل القوى السياسي أطروحة جعفر النميري بإعلان الشريعة في عام 1983 إيذاناً بتأسيس نظام إسلامي في السودان. وهذا ينطبق بالضرورة على أحزاب الأمة والإتحادي الديمقراطي، وهما الحزبان الأقدم والأكثر شعبية مقاسة بنتائج آخر إنتخابات ديمقراطية في السودان (1986). لقد وقع الحزبان الكبيران ــ نوعاً ما ــ تحت إستدراج وتأثير الأطروحة الإسلاموية التي تبنتها الحركة الإسلامية (جبهة الميثاق الإسلامي ثم الجبهة الإسلامية القومية) وغزت بها الساحة السودانية بصورة وضعت فيها الأحزاب الكبرى في وضع أشبه بالإبتزاز أمام الرأي العام وأمام عضويتها يعينها في ذلك مقدرة تنظيمية هائلة للحركة الأسلامية وسيطرتها تدريجياً على تلابيب ومفاصل الإقتصاد من خلال البنوك الإسلامية المدعومة والممولة من ذات الإتجاه الذي إنحزنا له شمالاً (رأس المال العربي): أنه نموذج آخر لآليات الإقتصاد السياسي حيث يكون الإقتصاد هو الماكينة التي تحرك وتقود عربة السياسة والثقافة، وهذا ما حدث في كل السودان الذي أضحى عربياً ومستعرباً  خلال الثلاثة عقود الأخيرة أكثر مما كان قبل ذلك ) إن إقتصاديات البترول في دول الخيج قد أسهمت كثيراً في إزكاء حركة الإستعراب في السودان مضافاً إلى ذلك ثورة المعلومات والإتصالات وهجرة السودانيين الكثيفة خلال الخمسة عقود الأخيرة للدول العربية، كلها عوامل ساهمت في هذ التطور(.

وفي ذات الوقت زادت فجوة التنمية إقليمياً خلال العقدين الأخيرين حتى أضحت التنمية دالة للإثنية مما زاد من تعقيد المشكل السياسي والذي هو أصلاً (ذو أبعاد ثقافية ــ حضارية ــتاريخية ــ إقليمية) في البلاد، وبالتالي زادت من غربة النوبة الوطنية، إذ ظل معظم سكان الإقليم يعيشون على ذات البنية الإقتصادية (والتكنولوجية) التي ظلت قائمة قبل قرابة المائة عام: إنعدم التحديث خاصة في بنية الإقتصاد الزراعي والرعوي وبيعت تلك المنشآت التي كانت قائمة على قلتها وقلة فعاليتها(مؤسسة جبال النوبة الزراعية وبرامج التحديث الزراعي)، لكن كان وجودها كافياً كعربون لحسن النية ــ على أقل تقدير من قبل الدولة القومية (الوطنية) لسكان الإقليم جبال النوبة.


في عام 2011، أي بعد 47 عاماً من بروز الحركة السياسية النوبية ذات المطالب الخدمية مثل إلغاء ضريبة الدقنية وزيادة القابلات، أصبح المطلب الذي أقرت به الدولة (بعد طول عناء) بالإضافة لخصوصية الإقليم، هو المشورة الشعبية. فبينما عنيت لقادة الدولة عملية تشاورية ديمقراطية لإستصحاب الرأي العام المحلي في تحديد فجوات إتفاقية السلام الشامل والإصلاحات السياسيةالمرتجاة في الإقليم، فقد عنيت المشورة الشعبية لقادة النوبة المحبطين داخل الحركة الشعبية بأن العملية في الحقيقة هي "جني تقرير مصير" (mini-self determination)، أي بمعني آخر، هي عملياً يمكن أن تتطور إلى تقرير مصير مكتمل الملامح (بأسنانه) حسبما يقول التوصيف المحلي. إذن لقد تطور المطلب عند بعض قادة النوبة خاصة الأكثر راديكالية داخل الحركة الشعبية ــ قطاع الشمال ــ إلى تقرير مصير الإقليم، في تخطي واضح لكل ما إشتملت عليه أطروحة "المشورة الشعبية" من معاني، والذي يناقض إطار إتفاقية نيفاشا التي أشارت صراحة إلى حق تقرير المصير لجنوب السودان  لا لجبال النوبة أو النيل الأزرق واللذان تعتبران إقليمان شماليان بالأصالة (Par excellence) حسب حدود 1/1/1956، ولم يكن في ذلك لبس.

لكن وعلى صعيد آخر، إن الغافل هو من لا يستوعب حركة التاريخ ولا يتحسس نبضه ولا يدرك إتجاه صيروراته، ولا يقبل بحتمياته وقد كنا بلا جدال ــ نخباً ومثقفين سياسيين من الشمال ــ من هذه الزمرة الغافلة، وإلافكيف تمنعنا في الإستجابة لمطالب الحركة السياسية النوباوية المتواضعة (سالفة الذكر) حتى أخذتنا الأحداث على حين غفلة في جبال النوبة بصورة تشئ بإقتفائها أثر الأحداث في الجنوب الذي ذهب.


ما لم يخطر على بالنا في السودان، وفات علينا وضعه في الحسبان، أن كل هذا الحراك في ساحة جبال النوبة يتم على مرأى ومشهد من العالم الحر ومن حراكه الليبرالي المفعم بالأنسنة وبغلبة الضمير: إن ميدان المعركة الحقيقي (بين الدولة والنوبة) لم يكن هو جبال النوبة في الجزء الجنوبي من السودان، بل لقد أصبح الميدان الفعلي هو العالم كله:
-    في التايمز أسكوير (Times Square) في نيويورك.
-    وفي باحة البيض الأبيض وميدانه الفسيح على واجهته.
-    وفي ميدان هايد بارك في لندن.
-    وفي الميادين العامة في فرنسا أمام برج إيفل.
-    وفي ساحات وقاعات العواصم الباردة في تونتو (كندا) والنرويج والسويد (بما فيها قاعة جائزة نوبل).
-    وفي قاعات وميادين الحراك اللبرالي والديمقراطي النشط في جامعات الغرب في هارفارد وبوسطن ولوس أنجلز.
-    وفي قاعات اللوبيات المختلفة المناهضة للعنف:لوبيات الخضر، وجماعات حقوق الإنسان ومجموعات النساء، ومشاهير السينماء والمسرح والكتاب، وكل من أفرزتهم التجربة الإنسانية من أصحاب الضمائر المناهضة للعنف وضد إستلاب حقوق الإنسان (وإن حركة حقوق الإنسان أصبحت حركة كونية تخطت حدود القوميات والأديان والثقافات). ويكون التعاطف أكثر حينما تكون كل تلك العقوبات الرسمية ــ بما فيها التقتيل ــ لأناس يحملون ملامح السكان الأصليين مثل النوبة (Indigenous people).

لم ندرك إطلاقاً أن ميدان المعركة الحقيقي قد اصبح هو العالم الحر الفسيح والضمير الحر الوقاد والإعلام الحر النقَّاد وكل المؤسسات الناجمة عن ذلك والتي تتحرك بإمكانيات مالية لاتقل عن 10% من الناتج القومي العالمي في حراكها لإصلاح العالم وكإحدى متلازمات العملية الديمقراطية التي تسد من ثغرات وفجوات الممارسة الديمقراطية في العالم الحديث إدراكاً منها بأن الديمقراطية ليست بالضرورة النظام الأمثل، لكنها الأقل مثالباً مقارنة بالنظم الأخرى كما وصفها تشرشل.

كل هذه الجماعات مجتمعة مضافاً إليها الجسم الأكاديمي الهائل ومراكز البحوث العالمية ــ الإستراتيجية الراسخة والهامة والتي أصبحت بمثابة العقل المخطط بهدوء لحلحلة (أو تعقيد) أزمات العالم ) مثال لذلك تصور حل مشكلة أبيي أو بروتوكول أبيي هو ربما أحدى مخرجات معهد السلام الأمريكي أو بروكينز إنستتيوشن، ومن قبل كانت نيفاشا التي بنيت على تصور دولة واحدة بنظامين مما مهد للإنفصال لاحقا (، والفضائيات والتي لم  تجعل من العالم الكبير قرية كونية فحسب، لكنها تحارب بشراسة وتفاني ضد الظلم مدفوعة بالضمير الحر أو الأجندة المستترة (لا يهم)، لكنها تحارب بسلاح أكثر مضاءة من سيوف على وأكثر فاعلية من ذهب معاوية.

كل هذه الكيانات والجماعات والمؤسسات تقف اليوم مع شعب النوبة، حيث أصبح من المألوف أن ترى صباح مساء على شاشات القنوات الفضائية العالمية وعلى صفحات الشبكة العنكبوتية (Internet) أو الـــ (Youtube) النساء والأطفال والكهول من شعوب النوبة شبه عرايا يكسو وجوههم الخوف والفاقة والحزن وهم يختبئون في كهوف أجبرتهم للعيش فيها طائرات الأنتينوف الحكومية التي ترميهم بلهبها دون رحمة ودون مبرر عقلاني. إنها فينظر العالم توثيق وإدانة ضد الحكومة في الخرطوم وضد رمزيتها التي تعبر عنها: العروبة والإسلام. إنه توثيق لممارسات تفوق بكثير ــ في نظر الكثيرين في العالم ــ ما تم للنوبة في القرن التاسع عشر من سوء معاملة بلغت شأواً بعيداُ في اللإنسانية حتى وصلت مرحلة الإسترقاق. لقد كان تجار الرقيق منا والسلع منهم.. الآن نحن الحاكمون وهم ضحايا حكمنا.. هذه هي الصورة المرسومة في مخيال النوبة (الجواني) وفي وعيهم وفي دفاتر العالم الحر من حولنا وحتماً في لاوعينا وإن تمنعنا نحن عن الإفصاح عنها في أقوالنا ــ رغم إبرازنا لها في اعمالنا وتصرفاتنا.

ونواصل…………………


نقلا عن صحيفة السوداني