عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

تزامناً مع تيارات الحركة الوطنية في سعيها لنيل إستقلال السودان كان تخوّف النوبة وغيرهم من المجموعات الغير عربية دافعاً لنشأة وقيام حركة الكتلة السوداء (1942) والتي في محصلتها النهائية كانت محدودة الفعالية لكنها تسعى نحو حماية دستورية لتلك الجماعات من هيمنة الأغلبية (ثقافياً ــ حضارياً ــ سياسياً) عبر التأسيس لخصوصية سياسية لشعوب النوبة وللإقليم (جبال النوبة) الذي يقتسمونه مع عرب البقارة. لقد كوَّن النوبة والعرب المحليين بعد مساكنة إمتدت لأربعة قرون أو تزيد ــ مزيجاً إجتماعياً خاصاً لا يمكن رده إلى مكوناته الأصلية (نوبة ــ عرب). لقد نضج هذا الكيان الإجتماعي الجديد من سكان الإقليم وتحددت ملامحه ونضجت تقاطيعه وبرز كمجتمع يحمل ذات خصوصية النوبة وعمومية المجتمع السوداني بثقافة الأغلبية والتي إن لم تكن أغلبية ديمغرافية عددية فحضارية ــ تاريخية ثقافيةكما تقول وقائع التاريخ والإجتماع السوداني. كان مأمولاً في ذلك المجتمع الهجين أن يكون أنموذجاً للسلام الإجتماعي وقاطرة للنهضة الإجتماعية الشاملة في الإقليم لكن كانت الحرب أسبق لإجهاض ذلك ولم يتوانى الطرفان المتحاربان في إستغلال عرى ذات المجتمع وثوابته في زيادة أوار الحرب عن طريق الإثنية المتحاربة التي تخطت مرحلة الإثنية المسيسة.


في عام 1964 برز إلى الوجود تنظيم إتحاد أبناء جبال النوبة من مجموعة صغيرة في شكل روابط حضرية لأبناء النوبة المتعلمين(من شرائح الطلاب والأفندية والعمال وصغار التجار والحرفيين) من كادقلي والدلنج وتلودي ومهاجرهم في الخرطوم، الأبيض وكوستي ومدني وبورتسودان. وخوفاً من دلالات قصور التنظيم في التعبير فقط عن خصوصية النوبة ومطالبهم السياسية دون غيرهم فقد تم إحداث إصلاح سياسي ــ هيكلي في بنية الجسم الجديد ليستوعب عمومية الإقليم والواقع الذي تمثله الكيانات الثقافية ــ الإثنية الأخرى الشريكة في الوجود الجغرافي (العرب والفلاتة) فأصبح الجسم السياسي الجديد في عام 1967 هو إتحاد عام جبال النوبة، وكلمة عام التي (أضيفت للمسمى الأصلي) قصدت أن تنفي عن ذلك الجسم السياسي الجديد غلبة الخصوصية (النوبية) وتؤكد شمول الآخرين. وفي الحين ولجه ناظر عرب الحوازمة الرواوقة في كادقلي (عثمان بلال) وكثير من نخب الحوازمة (أحمد الزبير النعمة) والفلاتة والجلابة وحتى أولئك السودانيين الذين من أصول شامية (يطلقون عليهم محلياً لفظة الخواجات) أمثال المرحوم حبيب شامي وهو مسلم (وشقيق الرأسمالي الكبير بالإقليم الراحل يوسف شامي المسيحي).

إن حرص النوبة على الإحتفاظ بخصوصيتهم (كنوبة) موازياً ومساوياً تماماً لحرصهم على الإحتفاظ بعموميتهم كسودانيين وهذا هو الرابط الحميم والجدلي مع الآخر ــ العرب المحليين والآخرين على مستوى الوطن الكبير والأكبر. هذه الجدلية بين الخصوصية والعمومية وسط النوبة هي التي عبرنا عنها في موقع آخر ببروز الظاهرة الأنثربولوجية: تنوب العرب وتبقر       (من بقارة) النوبة
وذلك إمعاناً في توصيف الكيان الإجتماعي الهجين الذي برز في واقع الإقليم نتاجاً للمساكنة بين النوبة والعرب عبر القرون. إن الفطنة ورجاحة العقل الوطنية تستدعي رعاية هذه الهجنة لا ردها إلى مكوناتها أو عرقلة نموها وتطورها ــ لتصبح ثراءاً للواقع المتنوع في هذا الإقليم وفي السودان ككل.. لكن ذلك لم يحدث، مما يجعلها فرصة تضاف إلى دفتر الفرص الضائعة في الإقليم والوطن.

كانت المطالب الأساسية لإتحاد عام جبال النوبة (خلال الستينيات) كلها خدمية في المبتدأ وفي المنتهى: مدارس أولية، نقاط غيار، شفخانات، قابلات (دايات)، ردم طرق موسمية، وأهمها جميعاً إلغاء ضريبة الدقنية المهينة للكرامة النوبية (وهي ضريبة تفرض على الشخص النوباوي لذاته لا على قاعدته الضريبية من دخل نقدي أو محصولي أو ثروة حيوانية أو عقار). لم يكن من كل مطالب الحركة السياسية النوباوية خلال الفترة من (1942 ــ 1983) مطلب سياسي أو (إداري) واحد، بل كلها مطالب خدمية. لكن للحصيف والنابه الذي يدرك آليات وطبيعة حراك المجتمعات سيتبين أن ذلك الحراك وتلك (الململة) كانت في الحقيقة مؤشرات لتطلعات الروح والوجدان النوبي المتعطش للتعبير عن ذاته وعن خصوصيته في خضم أغلبية جامحة في هيمنتها.. إنه حراك يبحث عن الإعتبار والشمول على نقيض الإهمال والإستبعاد (التهميش).

لكن وللأمانة لقد كان القصور الأكبر في وعينا والذي في مرحلة لاحقة قد عبّرنا عنه في التعامل الرسمي والشعبي (إلى حدما) والمبني على أن جبال النوبة ما هي إلا أرض بكر وعذراء لنشر الإسلام والثقافة العربية لتُخْرِج منها النوبة من الظلمات إلى النور دون كثير حساسية أو إكتراث لحقوقهم الدنيوية: الحقوق السياسية والمدنية والثقافية، ودون كثير إعتبار أيضاً لخصوصية الإقليم في وجه تيار المركزية القابض والمتمدد في مركزيته منذ الإستقلال. لقد أحس الوجدان النوبي (الجواني) أنهم في إطار الدولة القومية: ضحايا أكثر منهم رعايا، وحينما يكون الإصلاح يصبحون رعايا أكثر منهم مواطنون وأصبحت المماثلة تشئ بلا أدنى شك بأن لدينا في الشمال العربي ــ المسلم مسئولية (أخلاقية ــ حضارية) تجاههم تماماً كمسئولية الرجل الأبيض تجاهنا جميعاً إبان فترة الإنقضاض والتنافس على إستعمار إفريقيا خلال القرن التاسع عشر، وهي حالة وصفها بعضهم بالإستعمار الداخلي عطفاً على التجارب الإنسانية المشابهة في هيمنة فئة على أخرى في داخل حدود الدولة الوطنية والوطن الأم

كان العمل السياسي عقب الإستقلال في جبال النوبة جزءاً أصيلاً ومتناغماً مع عزف السيمفونية السودانية القومية تسيطر عليه الأحزاب القومية الفاعلة: وقد مثل النوبة في البرلمان (من جبال النوبة) السيد نصر الله صارمين، السيد حماد أبوصدر والسيد كججو كوكو وغيرهم من حزب الأمة في حين مثل الحزب الوطني الإتحادي المك رحال مك النوبة كادقلي والمك جيلي من أحفاد المك آدم أم دبالو من الجبال الشرقية (تقلي) وغيرهم.

بعد أقل من ثلاث عقود من نيل الإستقلال في (1956) ودون أن يلحظ أحد فقد تضاءل دور الأحزاب القومية رويداً رويداً ووهن رباطها وإرتباطها بالإقليم وشعبه (خاصة النوبة) وفي المقابل تزايدت وتائر الوعي والحراك السياسي النوبي حتى سيطر على كل أو أغلب الساحة السياسية في الإقليم. هذا التطور مرده إلى تكلس الأطروحة القومية (الرحبة) وتناقص وتائر الفاعلية في كل الأحزاب السياسية القومية (الأمة، الإتحادي، الشيوعي، الأخوان المسلمين..إلخ) وفي ضمور الأطروحة والفعل القومي الديمقراطي نتيجة لتمدد الممارسة العسكرية في الساحة السياسية (حكم عبود ونميري شكلا ما جملته 22 عاماً) هذه التطورات السياسية القومية السالبة في المواعين (الأحزاب والعسكرتاريا) وفي تحجيم وكبح الممارسة الديمقراطية أدت إلى عدة توجهات سالبة (لكنها طبيعية) في الفعل السياسي النوبي:
الطلاق والفصال (التدريجي) بين النوبة والحراك السياسي القومي من خلال الأحزاب الكبرى نتيجة للغياب الطويل للمارسة الديمقراطية الحرة والتي كانت حتماً ستؤدي ــ مع أخريات ـــ لتطور إتحاد عام جبال النوبة إلى حزب إقليمي فاعل يٌشبع رغبات وطموحات النوبة السياسية ويضمن مشاركتهم والتعبير عن خصوصيتهم وذاتيتهم وينتج عن ذلك رضاؤهم .. وسيجني الوطن من ذلك التطور سلاماً إجتماعياً مفضياً إلى الإستقرار والتوحد (كصيرورة تفاعلية مستمرة) ليس فقط في الإقليم، بل في الوطن كله.
إن حرمان النوبة من ذلك الحق الطبيعي (المشاركة عبر تنظيمهم ــ إتحاد عام جبال النوبة) فتح المجال تدريجياً للعمل السياسي السري والذي سرعان ما إستجابت له مغازلة الحركة السياسية العسكرية الجنوبية للنوبة عزفاً على وتر الخصوصية (التي أنكرها الفاعل السياسي الأساسي ــ الشمال) ووتر الهوية (الأفريقانية) والتي لا يعبر عنها القادة السودانيون (من الشمال) إلا حينما يحطون الرحال في جوبا أو في إجتماعات منظمة الوحدة الإفريقية (حينها) حتى أضحت (الإشارة إلى أفريقيتنا) إحدى محسناتنا البديعية أكثر منها آيديولوجية هويوية أو إستراتيجية سياسية ذات دلالات بعيدة على أمن وسلام وإستقرار ونهضة بلادنا داخل الوطن الإفريقي الكبير (أفريقيا) ووصلاً بينه وكياننا العربي ــ الإسلامي وإثراءاً لكليهما وللسودان. وبالتالي كانت تلك واحدة من الفرص التي ستضاف إلى دفتر الفرص الضائعة أيضاً.

الكبت السياسي وحرمان النوبة من التنظيم السياسي الحر قادهم تلقائياً إلى العمل السري وقد توج كل ذلك في العام 1984 (أي بعد عشرين عاماً بالتمام والكمال من بداية نشأة إتحاد عام جبال النوبة في 1964) بدخول تنظيم النوبة الوليد (السري) ــ كمولو ــ إلى جانب الحركة الشعبية بقيادة يوسف كوة مكي، يونس أبوصدر، عوض الكريم كوكو، وتلفون كوكو أبوجلحة ولاحقاً دانيال كودي وجقدول كوكو، وجميعهم من قادة تنظيم الكمولو الذي نشأ في عام 1972 في مدرسة كادقلي الثانوية. وتوالت وتطورت الأحداث بهذا الحدث (دخول النوبة للتمرد) والذي عنى نقلة نوعية في صراع الجنوب والشمال في السودان بدخول طرف شمالي أصيل لصالح الجنوب. وقد كانت تلك خسارة إستراتيجية فادحة للشمال ولتوحد الإقليم. كان المحرك الآيديولوجي الأساسي الذي أصطف خلفه الكثيرون من أبناء النوبة (والعرب الطرفيين) وكذلك الأقاليم الطرفية خاصة دارفور (في عهد بولاد أولاً والحركات المسلحة لاحقاً) وشرق السودان (جبهة الشرق) نداءاً ذا شقين:
- التظلم الإقليمي الجهوي نتيجة لإنحياز الدولة تاريخياً وبصورة أكثر تكريساً في العهد الحالي (الإنقاذ) للوسط والشمال النيلي.
- الهوية الإفريقانية: نتيجة لفشل الدولة في إبراز هذا المكون في الشخصية والهوية السودانية ولإنحياز الدولة بصورة واضحة (ومستفزة للاخر الغير عربي في السودان)، من خلال تبني الأطروحة العربية ممزوجة بالإسلاموية كما عبر عنها تنظيم المؤتمر الشعبي العربي الإسلامي والذي رغم إبعاده عن الساحة السياسية ظل كامناً كآيديولوجية فاعلة في المجتمع وفي الدولة يحدد حراكها وتوجهاتها وبرامجها لحد ما.

ونواصل…………………



نقلا عن صحيفة السوداني