عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.


هذه التأملات إستجابة لسؤال سألنيه أخ مسئول حكومي كبير مهتم بقضية جنوب كردفان/جبال النوبة حينما إلتقينا صدفة في فندق في عاصمة أفريقية قبل أشهر. فبادر بسؤالي: أرجو أن تساعدني أن أفهم: ماذا يريد النوبة بالضبط كده؟ وزاد قائلاً ومتسائلاً: النوبة ديل عايزين شنو يعني؟ فتحريت الصدق في السؤال فآليت على نفسي أن أسهم في صدق الإجابة عليه إذ هو سؤال محوري  بلا شك، والذي آمل أن تضئ الإجابة عليه جزءاً من قضية النوبة وقضية جبال النوبة، حيث الإثنين ليستا بالضرورة متطابقتان، لكنهما مرتبطتان (عضوياً) وجدلياً  كأرتباط "البصلة وقشرتها"، كما نقول بالعامية السودانية. وبالتالي ربما أضافت هذه الإضاءات المأمولة نفعاً في فهم للمشكلة السودانية الكبرى التي أقعدت أكبر قطر أفريقي، بل وقصمت ظهره وجعلته على خلاف المأمول فيه في لعب دور محوري أفريقياً وعربياً، بل على النقيض لقد اصبح هو المشكلة التي إستدعت تدخل كل الجيران عربياً وأفريقيا وحتى الغريب البعيد.

في عام 1955 وفي غمرة أحداث المخاض الوطني وحراك الإستقلال المصحوب بالنذر والإحباطات الأولى لمشكلة جنوب السودان مع شماله، نادى الأمام عبدالرحمن المهدي (زعيم الأنصار وراعي حزب الأمة) ثلاثة من قادة السودان الأكثر فعالية ونفوذاً في الساحة السياسية حينها (السيد الصديق المهدي، السيد إسماعيل الأزهري، والسيد عبدالله خليل) في حضور ستانسلاوس بيساما ــ القيادي الجنوبي المطالب بالفدرالية بين الشمال والجنوب ورئيس حزب التحرير وقال لهم الإمام عبدالرحمن المهدي باللفظ الواحد:
" لقد عجز الأتراك عن هزيمة الجنوبيين ولم يستطع والدي المهدي السيطرة عليهم كما لم يتمكن الإنجليز من دحرهم إلاَّ بصعوبة هؤلاء الجنوبيين كما أبلغني بيساما، يريدون أن يحكموا بلدهم بالصورة التي تطمنهم في إطار السودان الموحد، أذهبوا وأعطوهم ما يريدون" (منصور خالد: السودان تكاثر الزعازع وتناقص الأوتاد، 2010، ص20).

لم يستمع قادة السودان حينها إلى وصية الشيخ الحكيم السيد عبدالرحمن المهدي، وتمادى الجميع في الإغفال أحياناً والمماحكة والإستخفاف بخصوصية الجنوب ومطالبه المشروعة أحيانا أخرى، فزاد أوار الحرب الأهلية وتوسعت دائرتها عملياً ومفهومياً فإستقطبت زخماً إقليمياً ودينياُ (كنسياً) ودولياً، وصاحب كل ذلك إرتفاع السقوفات المطلبية الجنوبية حتى وصلت مرحلة تقرير المصير والذي شاركنا فيها جميعاً أحزاباً وقوى سياسية وإجتماعية وثقافية بدرجات متفاوتة، وإن حملت حكومة الإنقاذ (الحالية) الوزر الأكبر من كل ذلك. وأخيراً فقدنا جنوب السودان (25% من الأرض و30 من السكان) في 2010، أي بعد 55 عاماً من كلمات الشيخ الوقور الإمام عبدالرحمن المهدي لقادة السودان في عام 1955. وبعد إن فقدنا جنوب السودان لم نحصد سلاماً بعد.. إذ ظل الجرح الوطني دامياً في مواقع كثيرة من الجسم السوداني.. وربما سيظل إن لم نغوص في جذور المشكلات والجراحات إستئصالاً للأسباب لا تطبيباً للأعراض. وهنا تستحضرني بعض الأسئلة في حالة جبال النوبة:

هل خضعت جبال النوبة تماماً للحكم التركي (1821 ــــ 1882) من الدلنج شمالاً إلى الليري جنوباً، ومن لقاواة غرباً إلى كاوداً شرقاً؟ الإجابة لا.

وهل خضعت جبال النوبة تماماً وبذات التوصيف الجغرافي أعلاه للدولة المهدية(1885 ــــ 1899)؟ الإجابة أيضاً لا.

وهل جبال النوبة بجبالها ومجموعاتها السكانية التي تقارب الثمانين إثنية (من النوبة)  بلهجاتهم وتواريخ حيواتهم المختلفة والتي لم يوحد بينهم إلا كونهم جميعاً "غير عرب" ولكونهم جميعاً خضعوا لتجربة إذلال متشابهة جعلتهم في مقتبل الأيام في خانة التهميش من مجمل الفعل القومي الثقافي ــ الحضاري ـ السياسي ـ الإقتصادي، كما هو بائن للعيان في صيرورات حياتهم الإجتماعية في المجتمع السودان. ألم تكن هذه الحيثيات كفيلة بوضعهم في خانة الخصوصية؟؟ الخصوصية لهم ولتاريخهم ولحضارتهم ولإجتماعهم؟ الإجابة حتماً نعم.

إذن فإن كلمات الإمام عبدالرحمن المهدي لقادة السودان الثلاثة بحضور السياسي الجنوبي ستانسلاوس بيساما في عام 1955 تنطبق تماماً (حذو الحافر) على حالة جبال النوبة، وكأني بذات الشيخ الحكيم يقول الآن لرئيس البلاد ونوابه ولقادة الأحزاب السياسية السودانية في العام 2013 (بعد 58  عاماً من وصيته بشأن الجنوب): "لقد عجز الأتراك العثمانيون على هزيمة النوبة وإخضاعهم تماماً وكذلك الإمام المهدي وخليفته، كما لم يتمكن الإنجليز من دحرهم إلا بصعوبة وبعد إن أخمدوا أكثر من عشرات الثورات في جبال النوبة إن النوبة فقط يريدون أن يحكموا إقليمهم بصورة تطمئنهم وتعبر عن خصوصيتهم في إطار السودان الواحد المتحد، أقروا بخصوصية النوبة وإقليمهم وأعطو النوبة (والعرب من أهل الإقليم) ما يريدون".
…….ونواصل



نقلا عن صحيفة السوداني