(نُقُد في راكوبة المهيدي)


عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

(1)
أخي الحبيب كمال الجزولي
أهلنا في بادية كردفان يقولون: "البِسْرُب ما بِلْحقْ البِدغِّش".. والذي (يسْرُب) (سربة) هو الذي يبدأ المسير عصراً (بعد زوال الشمس). والذي يدَغّش (دغشاً) هو الذي يبدأ المسير قبل شروق الشمس.. وشتان مابين الميقاتين (قبل الشروق وبعد الزوال) ... وبإعتبار أن السرعة واحدة للإثنين كما دائماً يفترض المنظرون الإقتصاديون (other things remaining equal ) فلا يمكن جزماً قاطعاً أن يلحق الذي يبدأ مشواره بعد الزوال بالذي يبدأ مسيرته قبل شروق الشمس... قد يلتقيان، لكن فقط في الدار الآخرة.. ورمزية البكور أو (البدار) أو (الدَّغش) هنا لا تعني المسير الحسي ، لكنها تعني المسير في سبيل بناء المجد  والتصدي للشأن العام باكراً  قبل الآخرين.

هذا حال العظماء أمثال الراحل محمد إبراهيم نقد الذي بدأ المسير دغَشَاً (داغِشاً) في سبيل الوطن ونهضته وفقرائه: زُراعاً وعُمالاً وما بينهما... وما بينهما هذه: هي طبقة جديدة برزت في ريف وحضر السودان تتكون من عدة شرائح في دارفور يطلق عليها أهلنا هناك (جيم جاباه) أو (جيم جابو) وأحياناً تنطق ككلمة واحدة (جيمجابا) حتى أوشكت من شدة رسوخها في الواقع الإجتماعي أن تصبح قبيلة تضاف إلى قبائل حزام السافنا ..وبالعربي الفصيح تعني العبارة من أتي بهم سلاح جيم (3) أي من أتى بهم كنازحين فارين من ديارهم أزيز السلاح ومخاطره التي ولدت حالة من عدم الإستقرار والأمن بما فيه الأمن الغذائي حتى أضحت الحالة في الريف هي حالة أم كواكية (وتعني منتهى حالة الفوضي وعدم الوجود الفاعل للدولة). هذه الشريحة هم ضحايا الحروب والنزاعات المسلحة التي نتجت من إنتشار السلاح وتفشي الآيديولوجية الداعمة له وللفوضي الخلاقة في الريف كإحدي الادوات الغير مباشرة للادارة.

وهنال شريحة أخرى إنضمت إلى الاولي هي شريحة جفاف جابا (أي جفاف جابو أو جابو الجفاف) واللتان أصبحتا في طول حزام السافنا والساحل حتى وصلتا إلى مشارف الخرطوم وأصبحتا في كل بقاع السودان حتى طوقتا الخرطوم بمدن الصفيح والكرتون في زقلونا، جبرونا... وأنقولا... وزندية ومانديلا على نقيض الرياض والطائف والدوحة والشارقة.. أنظر بالله عليك كيف تستهتر مصلحة تخطيط المدن والإدارات المحلية على أفريقيتنا.. على إنتمائنا السوداني .. وعلى ذاتنا الأبنوسية؟؟ الذي لا يحترم أمه أو خؤولته في قريتنا في الحاجز يطلقون عليه لفظة مطموس .. وللبنت مطموسة.. وبهذا تصبح ثقافتنا التي تحط من قدر أفريقيتنا مطموسة ويكون وعينا مطموس ويصبح الجميع مطاميس .. كما يبدو.

وهناك شريحة أخرى ظهرت في الريف هي شريحة الناجعين والذين تطلق عليهم الدولة (النازحين) إنهم نازحون داخل الريف وتكون غالبيتهم من الرعاة الذين فقدوا مواشيهم لا بسبب الجفاف بل بسبب إنسداد المنافذ للرعي في الأطراف الجنوبية من الوطن (حدود الجنوب القديم وتخوم الجنوب الجديد) وهؤلاء لا يمكن أن نسميهم جفاف جابا. وهذه الشريحة تتكون من الرعاة الذين فقدوا مواشيهم بسبب إحكام شركات البترول السيطرة على أراضيهم ومراعيهم وإغلاق المنافذ والمعابر إلى مصادر المياه الموسمية التي يسمونها (الرقاب ومفردتها رقبة) وهي خيران ووديان ومجاري مائية موسمية ذات صلة وإتصال ببحر العرب طالما أنها تقع في إطار حوضه وجزء من نظامه المائي... إنهم من أطلقنا عليهم في مكان آخر توصيف برولتاريا النفط، ولكن يمكن وصفهم بـــــــ (بترول جابا) أو (جابو البترول) .. أو (البترول جابو)  وهم حقيقة كذلك.

كل هذه الشرائح المكونة للطبقة الجديدة ـــ المعذبون في الأرض ـــ هم من أتت بهم سياسات الدولة (بقصد) أو (بجهل)، وبالتالي يمكن إجمالهم جميعاً تحت مسمى (حكومة جابا) أو (الحكومة جابو) طالما إنهم ضحايا السياسات الحكومية الخاطئة .. هل ياترى ستقبل الحكومة بهذه المسئولية أم تلقي بها بعيداً... وتقول ... (الله جابا) أو الله جابو!!!!

(2)
لقد كان آخر عهد التلاقي معك يا أستاذ كمال الجزولي قبل ثلاثة أشهر أمام قبر الفنان الراحل سرور في مدينة أسمرا، والتي مات ودفن فيها إبان الحرب العالمية الثانية (قبل منتصف الأربعينيات بقليل) فصاح أحدهم أمام القبر مداعباً (لكنها حقيقة بالمناسبة)، "بالمناسبة سرور ده كان أنصاري وحزب أمة وبحب الإمام (حتى قبل أن يكون إمام كمان)" .. وضحكنا حينها (تبسماً) أمام ضريح الفن السوداني من أعلى قمة الهضبة الإرترية (لا داعي للفظ الإثيوبية هنا طالما إن جرح الحرب بين الشقيقيتين (1998 – 2000) لم يندمل بعد، خاصة مع إصرار إثيوبيا على عدم الإلتزام بقرار المحكمة الدولية بتسليم بادمي لأهلها والسلام). وأذكر في تلك الأثناء إقتراحي بأن نكتب مقالاً نطالب فيه ونقترح على وزارة الثقافة السودانية و على الصديق الأستاذ ماجد يوسف (سفير السودان بأسمرا) بأن ينقلوا رفات الفنان سرور إلى السودان ... وحينما نظرت أنت إلى المقبرة ثانيةً وكيف أنها نظيفة وجميلة ومعتني بها، وعليها مشرف حسن الهندام، رددت علىّ قائلاً: عليك الله ما تكتب أي حاجة في الخصوص ده، خلي سرور يرتاح في المكان النضيف ده.. حرام عليك توديه أحمد شرفي أو مقابر بري المهملة ... فصمتنا وحزنا ثانية أن سرور لن يصل السودان حياً أو ميتاً، لكن يظل شدوه يطرب السودان والسودانيين .. فترحمنا على روح سرور والتي حتماً في جنات الخلد: خارج إطار المكان .. في سرمدية .. حول أسمرا.

(3)
لقد حضرت من أسمرا معزياً في الراحل الأستاذ محمد إبراهيم نقد، قابلت أخاه وأصدقاءه وقيادات الحزب وكثيراً من النخب السودانية، وقابلت الدكتور الشفيع خضر وكان معي ود المهيدي الذي قال في العزاء: " إن الموت عزَّال .. الموت زي الهمباتي (الحرامي) بيعزل من كل تيران الزريبة (المراح ــ القطيع) الثور الكلالي .. وهو أجمل الثيران وأرفعها مكانة وأكبرها قدراً عند البقارة .. وبرضو في دار الريح  والبطانة (الشكرية) وأهلنا في دار حامد والمجانين والكبابيش والكواهلة) يقولون الحرامي (الهمباتي) بعزّل الجمل الأصهب... الجمل الأبيض، السابق والأصيل وهو الجمل البشاري، لقد كان نقد تور كِلالي .. و جمل بُشاري. وأهلنا الدنيكا يصفون الرجل العظيم مثل الأستاذ نقد بـــ (تور كبير).

(4)
بعد العزاء في نقد (ختفت رجلي) بسرعة لكردفان لتفقد الأهل من جراء الحرب التي أصبح يستعر أوراها في تخوم منطقتنا وقريتنا .. حرب أنا سميتها حرب الغشيم، حيث يحارب الشخص أخاه من الطرف الآخر غير آبهين بحميمية وجدلية الروابط وأزليتها بين إثنيات المنطقة (النوبة والعرب) إنها حرب إفتقد فيها الجميع للذكاء العاطفي الذي يهدي صاحبه إلى: من يحارب؟ ولماذا يحارب؟ ومتى يحارب؟ وكيف يحارب؟ وإلى أي درجة يحارب: " ُمش دُواس بلا جيهة ساكِت".

وصلنا إلى القرية (الحاجز) مساءاً، وعند الصباح جلسنا في الراكوبة وقد حضر جميع رجال القرية وشبابها كل يحمل صينية الشاي وعليها براد كبير وبجواره صحن اللقيمات، وتبادلنا أطراف الحديث الذي تتخلله رنات كبايات القزاز حينما تعانق بعضها البعض.. لقد ضحكنا ثم وجمنا حيناً. ومن فرط دهشتي سألني أبكر ود الرقيّق وقال لي: حكومتنا في الخرطوم لسع ما قاعدة تحترم حقوق الإنسان زي ما قالوا الخواجات ولا شنو ؟. فرددت عليه وقلت ليهو: والله الحكومة قالت هي محترمة حقوق الإنسان كويس والخواجات ساكت شايلين حالها... ورد على أبكر بسرعة وقال لي: والله حكومتنا كضابة ... لو بتحترم حقوق الإنسان كان رطل السكر بقي عندنا بجنيهين ونصف وملوة الفتريتة بقت بسبعة جنيه .. الدنيا ده بالله ياجماعة ـــ هنا في الحاجز ـــ فيها شنو بلا الفتريتة والشاي. (أبكر ود الرقيّق عامل يومية يجلب الحطب وأعواد البناء من على بعد 20 كيلومتراً جنوب الحاجز من إقليم فيه بقايا أشجار .. ولكن تتحرك نحوه الصحراء كتحرك الحكومة نحو الريف). تجاهل الجميع سؤال أبكر ود الرقيّق المشروع عن حقوق الإنسان لا إستهتاراً في الأمر لكن لأن الكلام في الحكومة كالحرث في البحر .. و لأن أضان الحامل طرشا.....

(5)
سألني جميع من في الراكوبة (بطريقة متناغمة) عن رحلتي من أسمرا حتى قريتي الحاجز في كردفان وعمّا يدور في الخرطوم. فضمن إفاداتي المطولة ذكرت لهم بأنني غشيت أديت الفاتحة في نُقُد، سكرتير الحزب الشيوعي السوداني في الخرطوم.
فكي أحمد أبوكرش: فاتحة شنو القريتا في الشيوعي دا ياولدي؟
-    الفاتحو الواحدة دي يافكي أحمد.
فكي أحمد أبوكرش: لكن الشويعي ده مِسلم زينا كي (كِده) كمان؟
عم ماهل: والله بكون مسلم أكتر مننا ذاتو .... وبكون مِسلم أكتر من جماعتك ديل كتلونا بالجوع وبالعطش وبالدواس (الحروب) الما بتكمل ده.. وزاد قائلاً: إنت يافكي أبوكرش الإسلام ده جبة وسروال ولا شغل بكون في قلب الزول جوه؟ ثم أخذ الإبريق وإنصرف إلى مكان غير معلوم...
جادين الوهابي: لا حول ولاقوة إلا بالله .. إنحن زمان قلنا الدجال بمرق (بظهر) من جهة رفاعة وودمدني لكن الدجال ده بمرق لينا من الحاجز دي ...من بلدنا دي .. إستغفر الله وخرج جادين دون أن يحمل الإبريق....
الفضيل: لكن نُقد ده ياجماعة ماجابوهو في التلفزيون في برنامج وقال ما قاعد يصلي .. قال الكلام ده بخشمو.
حسن خميس: وهسع ود العريبي ده قاعد يصلي؟ أها ود العريبي ده مِسلم ولا مِسلم ؟
عم ماهل (من على البعد) وهو يربط في (تكة) السروال: ياخي خلي ود العريبي العمدة ود سليمان أبوطاقية ذاتو صلاتو ماشادة حيلها .. وسبحتو بشيلها يوم يجو الجماعة (أبان دقون) بتاعين الخرطوم... ويوم يجو بتاعين المعتمدية للحلة. ياخي العمدة (سورة الحمدو) ما حافظها كويس، خلي السور الصعبات الفيهن الكلام داخل ومارق زي سورة الكافرون...
أستاذ إبراهيم: صحيح نقد سأله واحد في التلفزيون ما بعرف إسمو منو لكن خشمو طرين وزي متلقي حجج كِدا.. نقد زعل من السؤال ذاتو ورد عليهو رد زول زعلان لانو ما داير يتعامل مع واحد يعمل فيها متحري بالإنابة عن رب العالمين. أنا القاعد قدامك ده كان سألوني السؤال ده كان قلت ليهو إنت مالك ومالي.. ويمكن قلت ليهو انت مالك ومال صلاتي.
سعدالله: إنتو ياجماعة نقد ده جنسو شنو؟
أستاذ إبراهيم: جنسو شنو ؟ جنسو زول نافع .. زول فوقو فايدة وجنسو زول نضيف وعفيف، هسع مانديلا ده في زول عارف جنسو شنو .. زول فوقو فايدة والسلام.
سعد الله: والله كلامك صحي .. ترى الجنس ده مرات زي جبة الحديد .. بِكتِّف الزول محل واحد .. نُقُد الله يرحمه شكرتو شديد والله.
فكي الصادق: نعم "ألسِنة الخلق أقلام الرب".. شكرتوه شديد والله .. الله يرحمه.
سعدالله: إنتو ياجماعة نقد وقت مات خلي كم وليد وبنية؟
-    لا ماعندو .. الله ما قسم ليهو .
عم ماهل: و خلي كم من العوين في حبالو؟؟
-  ولا واحدة.. ما إتزوج لانو وقتو كلو كان مسجون .. المسكين.
سعدالله: طيب ترك كم عمارة في الخرطوم وكم طرمبة بنزين وكم عربية سفنجة؟
- ماخلي ولا حاجة .. بس هدومو الكان لابسها.
جميع الحضور بقيادة الفكي أحمد أبوكروش: سبحان الله طيب ياجماعة ما تقولوا النصيحة الزول ده راجل صالح عديل كي(كده).
ود المهيدي: آي والله .. غايتو في الدنيا ده في ناس الدين بشيلهم (يعني هم يبقوا جزء منه) والناس بقولوا ليك فلان الدين شالو .. وفي ناس كمان هم بشيلو الدين .. بشيليهو في كتوفهم وبمشوا بيهو سوق الله أكبر .. غايتو ديل معروفين وديل معروفين و"عيال ام فسيسية دنقرهم واحد".
الفاتحة ياجماعة 11 مرة لنقد ... شيل الفاتحة يافكي أحمد.
والفاتحة للمهيدي كمان.
سبحان الله...
الموت عزّال .. زي الحرامي من كل المراح بعزل التور الكلالي وزي الهمباتي بشيل الجمل البشاري.

نقلا عن صحيفة السوداني


Hamid ElBashir [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]