(2 من 3)



عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.


نماذج أفريقية وعربية لتنظيم الرعي العابر للحدودالدولية:
في أغلب الأحيان رسمت الحدود الدولية بصورة تقريبية دون مراعاة للسكان وروبطهم ولا للتداخل البيئي ولا لحركة الرعي الضاربة في القدم. لذلك تجد أن هذه الحدود قسمت وفصلت بين المجموعة الواحدة لتصبح في دولتين، كذلك بين نمط الإنتاج الواحد (البداوة) في إطار بيئة طبيعية واحدة. وهذا النموذج من الفصل، والذي يشبه فصل التوأمين السياميين (بعد مؤتمر برلين 1882 بواسطة الإستعمار)، هو تماماً ما تعاني منه دول منطقة القرن الإفريقي وشرق أفريقيا وربما كل أفريقيا منه حتى الآن. إذن من الطبيعي أن لا يعير البدو الرحل إعتباراً لهذه الحدود وكأنها لا تعنيهم، طالما أنهم في الأصل لم يكونوا جزءاً من هذا التقسيم، بل أن قدرهم قد جعلهم ضحايا لذلك التقسيم.
هناك الكثير من التجارب التي تمت في بعض البلدان الإفريقية والعربية لمعالجة إشكاليات الرعي وتنقل المجموعات الرعوية عبر الحدود الدولية، نأخذ منها على سبيل المثال لا الحصر:
تجربة تخطيط وحجر مثلث أليمي للرعي بين حدود الدول (1924) :
مثلث أليمي هو المنطقة التي تلتقي عندها حدود السودان وكينيا وأثيوبيا وتبلغ مساحته حوالي 400 كيلومتر مربع. وفي عام 1924 تم عقد مؤتمر لمناقشة إدارة الموارد في هذا المثلث في كيتقوم (Kitgoum) في يوغندا، حضره الإداريون من الدول الثلاث.
ويمتاز المثلث بوجود رعي مستديم ـ على مدار العام ـ نتيجة لتوافر المياه من نهر تاراش (Tarach) وبعض الأنهار الصغيرة التي تصب في مستنقعات لوتاقيبي (Lotagopi). وقد كان القرار الإداري ـ الإستعماري في الدول الثلاث هو الإبقاء على المثلث (مثلث أليمي) كمنطقة محايدة تقليلاً لإحتكاكات الرعي. وبالتالي أتيحت فرصة الرعي بالتساوي لقبائل التبوسا السودانية، وقبائل الماريل، نياتقاتوم وتيرما الإثيوبية وتركانا الكينية. وتكون إدارة المنطقة الرعوية المحايدة (أليمي) من الإدارة البريطانية في كينيا .
كثير من التحديات قد واجهت تجربة مثلث أليمي نتيجة لتدخلات إستعمارية خارجية مثل الصراع الإيطالي ـ الإثيوبي على المثلث وتأثيرات حركات التمرد لاحقاً في جنوب السودان وشمال يوغندا بعد عشرات السنين من تأسيسه. إلا أن قيمته تكمن في بقائه كمنطقة رعي مشتركة لقبائل بين ثلاثة دول متجاورة وكذلك في كونه سابقة في التصوّر الإطاري وما يتضمنه من رؤية وتعاون، بل وروح إيجابية لحل إشكالية العلاقات البينية والمرعي المتداخل بين دول متجاورة. بالتأكيد أن ذلك يمكن أن يشكل نموذجاً يحتذي ـ على الأقل ـ في إطاره النظري، وفي كونه سابقة إدارية جيدة.
إتفاقية تنظيم الرعي عبر الحدود بين مجموعة دول غرب أفريقيا والساحل (إيكواس ECOWAS):
قدم كل من محمد عبدول وأندا ديابول ورقة بحثية بعنوان: "إدارة حدود السودان وتأمينها"، وقد سلطت الورقة الضوء على إتفاقية "الإيكواس" دون الإقليمية، والتي إشتملت على جوانب قانوينة تعلقت بعمليات الإرتحال الموسمية. حددت الورقة قاعدة القرار حول هذا الموضوع  بشروط نقل الماشية ورعي الحيوانات وإستضافة الماشية. وقد تلخصت هذه الشروط إجمالاً في:
-    حماية الوضع الصحي للقطعان المحلية.
-    توفير المعلومات في مناطق الأستقبال للماشية.
-    الإلتزام بقوانين الدولة المستقبلة للماشية.
-    وضع آليات لتسوية النزاعات تتكون من الرعاة والمزارعين والسلطات المحلية والأطراف المعنية.
وعلى كلٍ، فقد وضعت "الإيكواس" شروط عامة لحركة إرتحال الماشية العابرة للحدود الدولية بغرض تنظيم حركة الرعي.  وإستخلصت إن التطبيق المحتمل في حالة السودان ينبغي أن يبنى على: "... أن تسند إدارة مسألة الإرتحال الموسمي في المناطق الحدودية بين شمال وجنوب السودان على الممارسات المحلية القديمة وآليات إدارة الإرتحال الموسمي التي تعتمد على التوافق الوطني" . أيضاً قدمت الورقة نماذج لحلول إشكاليات الرعي عبر الحدود تمت بين بوركينا فاسو والنيجر، وموريتانيا ومالي، حيث أشار الإتفاق ما بين الدولتين الأخيرتين في شأن تنظيم الرعي عبر الحدود على الآتي:
-    يقوم الرعاة الرحل بتحصين ما شيتهم.
-    أن تكون بحوزة الرعاة شهادات تحصين للماشية.
-    أن تكون بحوزتهم أيضاً شهادات إرتحال عبر الحدود.
-    ضمان وجود حراس أكفاء للماشية،
-    تولي الدولة المضيفة تحديد إشتراطات الدفع الخاصة بالرسوم وغيرها.
الإتفاق بين المملكة العربية السعودية واليمن:
إتفقت الدولتان على ترتيب: "تنظيم حقوق الرعي، وتحديد تموضع القوات المسلحة على جانبي الجزء الثاني من خط الحدود بين البلدين، والمشار إليه في المعاهدة بين البلدين وإستغلال الثروات الطبيعية المشتركة على طول خط الحدود الفاصل"، والذي جاء في الملحق الرابع، حيث وضع الإتفاق المبادئ التالية لتنظيم حركة الرعي بين البلدين:
المادة (1):
(أ‌)    تحدد منطقة الرعي على جانبي الجزء الثاني المشار إليه في المعاهدة بعشرين كيلومتراً.
(ب‌)    يحق للرعاة من البلدين إستخدام مناطق الرعي ومصادر المياه على جانبي هذا الجزء من خط الحدود إستناداً إلى التقاليد والأعراف القبلية السائدة، لمسافة لا تزيد عن 20 كيلومتراً.
(ج) سوف يجري الطرفان المتعاقدان مشاورات سنوية لتحديد نقاط العبور لأغراض الرعي وبناءاً على ظروف وفرص الرعي السائدة.
المادة (2): يخضع للرعاة من مواطني المملكة العربية السعودية ومواطني اليمن إلى الآتي:
-    نظام الإقامة والجوازات، وتصرف لهم بطاقات مرور من السلطات المعنية التي ينتمي إليها هؤلاء الرعاة.
-    الضرائب والرسوم على الأمتعة التي يحملونها والمواد الغذائية والسلع الإستهلاكية التي يحملونها وهذا لا يمنع أياًّ من الطرفين من فرض رسوم جمركية على الحيوانات والبضائع العابرة بغرض المتاجرة.
الماد(3): يحق لأي من الطرفين وضع القيود والضوابط التي يرونها مناسبة لعدد السيارات العابرة مع الرعاة إلى أراضيه، وكذلك نوع الأسلحة النارية المسموح بها شريطة أن يكون مرخصاً لها من السلطات المختصة في البلدين مع تحديد هوية حامليها.
الإتفاق بين اليمن وإرتريا حول السيادة على جزر حنيش وحقوقالصيد:
هذا النموذج الأخير، والذي وعلى الرغم من بعده عن حقل الرعي، غير أنه من حيث الجوهر إستخدم نفس مبدأ تنظيم نشاط الرعي عبر الحدود. ففي الإشكالية التي نشبت ما بين إرتريا واليمن حول حق السيادة على جزر حنيش، والتي وصلت حد النزاع المسلح واللجوء للتحكيم الدولي، وتم الفصل فيها بأحقية اليمن على الجزر، غير أن التحكيم أيضاً راعي الحقوق الطبيعية فيما يتعلق بعملية الصيد (صيد الأسماك)، وأعطي القرار حق الصيد التقليدي للطرفين (الصيادين اليمنيين والإرترين حتى داخل المياه الإقليمية للدولتين، في حدود الصيد التقليدي وغير التجاري). وهو أشبه بحالة الرعي والإرتحال بالماشية من ناحية إستغلال الموارد الطبيعية للمجموعات السكانية التقليدية القاطنة على طرفي حدود دولتين كما في نموذج السودان.
مناقشات حول النماذج الإفريقية والعربية لتنظيم الرعي العابر للحدود الدولية:
إن النماذج التي أوردناها سواء كانت كتلك التي تمت بين موريتانيا ومالي أو اليمن والسعودية، أو كما في قضية إرتريا واليمن حول حقوق الصيد الطبيعي، قد تكون عالجت ـ بهذه الدرجة أو تلك من العمومية أو الخصوصية ـ نزاعات أساسها أحقية الإستفادة من الموارد الطبيعية لمجموعات سكانية مشتركة ما بين حدود دولتين، وأنا على يقين أن ذلك ينطبق بشكل دقيق على أوضاع السودان، وتحديداً على طول الحدود المشتركة بين الدولتين (السودانوالسودان الجنوبي)، على الرغم من خصوصيات الصراع التاريخي الطويل بين الطرفين وتشابكاته الآيديولوجية، الدينية، الثقافية، والسياسية، إضافة لرواسب الثأرات التي خلفتها تلك الحروب.ولكن ما يجعل التعامل مع هذا الملف أمر في غاية الصعوبة، إذا وضعنا في الإعتبار أن القضية لا تنتهي عند أطراف الصراع المحلي (كما في نموذج منطقة أبيي، دينكا نقوك والمسيرية)، أو عند حدود حقوق الرعي، بل ربما تمتد إلى حقوق ملكية الأرض ذاتها. مضافاً إلى ذلك الإشكاليات التي ولدتها درجة التعميم التي عالجت بها إتفاقية السلام الشامل في السودان ــ كما سنرى لاحقاً ـ مسألة حقوق الرعي والإرتحال ومسألة الأرض.
ومع ذلك؛ فإن النماذج التي أشرنا إليها، قد تصبح مدخلاً موضوعياً لوضع أسس أولية لحلول مستقبلية حول هذه الإشكالية، يمكن تطويرها على نفس الأسس التاريخية والإجتماعية التي أشار إليها كلٍ من عبدول و إندا ديابول في الورقة البحثية التي قدمتها كونكورديس مع الوضع في الحسبان السياق السياسي، والتعقيدات الثقافية والدينية والسياسية ما بين دولتي السودان وجنوب السودان. لكن ما يحمد لهذا الوضع، ويجب إستغلاله لصالح حل جذري وشامل لقضية الرعي والترحال عبر الحدود للبدو، هو أنه لقد عاش جنوب السودان وشماله أكثر من 150 عاماً لم تتداخل فيها القوميات والإثنيات المتجاورة جغرافياً فقط، بل تداخلت ثقافياً وإجتماعياً، ليس عبر التزاوجفحسب، بل عبر إنشاء آليات لتمكين وتوطين التعايش بينهما على طول حزام (التماس ـ التواصل)، والذي يمتد لأكثر من 2500 كلم، من أقصى الغرب إلى أقصى الشرق(كما أشرنا سابقاً).
من المؤكد أن مجموعات البدو الرحل كانوا يرتادون هذه المراعي وتلك الفلوات في مناطق السافنا في حزام التواصل ـ التماس بين الشمال والجنوب قبل أن تكون حدوداً دولية على الأرض بين شمال السودان وجنوبه... إن هذه الهجرات البدوية من أجل الماء والكلأ ضاربة الجذور في التاريخ، وبعمر الإنسان الذي يقطن هذه الأرض منذ مئات السنين. من المؤكد أيضاً أن هنالك تداخل في حدود السودان الغربية بين بدو مثل المحاميد وبعض قبائل الأبالة الأخرى في شمال دارفور وغربها عبر حدود السودان الغربية بين دولتي السودان وتشاد، وأحياناً بين النيجر والسودان (عبر تشاد أيضاً)، وحتى داخل الأراضي الليبية في أحيان أخرى. وشرقاً يتداخل بدو الرشايدة والشكرية عبر الحدود الفاصلة بين السودان وإرتريا، وبين السودان وأثيوبيا، وربما فيما بين الدول الثلاثة معاً (السودان ـ أثيوبيا ـ إرتريا)، وكأن الرعاة في مهمة تواصل دبلوماسي شعبي تدعم وتعزز ما تنجح أو تفشل فيه القنوات الدبلوماسية الرسمية بين هذه الدول. وفي الجنوب الغربي من السودان، يعبر بدو البقارة بصورة موسمية وبوتيرة متواصلة الحدود الفاصلة بين السودان وأفريقيا الوسطى منذ مئات السنين. وبالتأكيد فإن النموذج الأقرب والماثل أمامنا إلى وقت قريب هو هجرة قبائل الفولاني التي ترعى بصورة عكسية من الغرب إلى الشرق بطول حزام السافنا الوسيط (حزام البقارة)، في رحلة طويلة تمتد من النيجر ومالي مروراً بتشاد والسودان داخل الأراضي الإثيوبية، وتكون هذه الرحلة (من الغرب إلى الشرق) بصورة عامة متناغمة (زماناً ومكاناً) مع رحلة قبائل البقارة التي تكون من الجنوب إلى الشمال وبالعكس، بحيث لا يحدث تضارب أو إحتكاك بين المجموعتين ولا مع المجموعات الزراعية الفلاحية. كل هذه نماذج لا تنظمها أي إتفاقيات دولية، بل الأعراف المحلية بين المجموعات البدوية المتنقلة والمجتمعات المضيفة من جهة،وغالباً ما تلزم الدولتان المتجاورتان الصمت في قضايا الرعي عبر الحدود.
مأزق البدو الرحل في حزام التواصل ـ التماس السوداني، لعنة الحرب الأهلية والتدهور البيئي:
منذ إندلاع الحرب الأهلية بين شمال وجنوب السودان في أغسطس (1955) وحتى توقيع إتفاقية السلام الشامل في (2005)، وجد البدو أنفسهم بين مطرقة الحرب وسندان الحرب المضادة بين شمال وجنوب السودان، وفي كثير من الأحيان وجدوا أنفسهم في خطوط المواجهة أو الدفاع الأولى. وفي كل الحالات فقد إستعان طرفي الحرب في الشمال والجنوب بالبدو (من الجانبين)، في حروب العصابات التي ميزت طبيعة المواجهة العسكرية. ولتلك الأسباب، كان وجود البدو ـ بالنسبة الطرفين ـ خياراً إستراتيجياً وتكتيكياً، طالما هم الأدرى بتضاريس الأرض وواقعها الإيكولوجي، وبتوزيع سكانها الديمغرافي على الطرف الآخر.
من تداعيات الزج المكثف بالبدو من الشمال في الحرب الأهلية الطويلة في جنوب السودان، هو إضعاف الآليات المحلية والشعبية للتعايش السلمي( بين قبائل الشمال والجنوب)، خاصة خلال العقدين الأخيرين، حيث تحول الصراع من نزاع وتنافس حول الموارد الطبيعية من ماء وكلأ، إلى تنازع حول الآيديولوجيا (الدين والثقافة) والهوية، وأخيراً ملكية الأرض (كما في مأزق أبيي). يضاف إلى كل ذلك إن المجتمعات البدوية خاصة في غرب السودان (ونتيجة للتقارب مع النزاعات الليبية ـ التشادية)، قد أضحت سوقاً كبيراً للسلاح الناري، مما سهّل إمتلاكه للعامة وبإعداد كبيرة. يضاف إلى ذلك أن الدولة لعبت دوراً كبيراً في نشر هذا السلاح وتوزيعه للقبائل البدوية تحت سياسة تجييش الشعب في محاولتهاالتصدي للتمرد خلال حقبة التسعينيات من القرن الماضي وفي بداية الألفية الجديدة (كما في حرب دارفور).إن هذه البندقية لم تغتال فقط أخاً بعيداً في الطرف الآخر، بل تحولت إلى صدر الأخ القريب،فزادت من حدة النزاعات حتى داخل القبيلة الواحدة، والتي غالباً ما تخلّف العشرات إن لم يكن المئات من القتلى، ودوننا من ذلك حروب المسيرية والرزيقات في عام 2008 والتي راح ضحيتها الآلآف.


لعنة البترول على البدو الرحل:
في عام 1978م بدأت شركة شيفرون الأمريكية التنقيب في حوض المجلد الذي تبلغ مساحته 30 ألف كيلومتر مربع. وهو الحوض الذي يحتوى على جل البترول السوداني، وتوقفت الشركة عن التنقيب في عام 1985م لأسباب ليس هنا مكان ذكرها. جاءت حكومة الإنقاذ لتعيد فتح الآبار المغلقة وتفتح مجالات التنقيب أمام الشركات الآسيوية والصينية، وقد أُعيد إنتاج البترول بكميات تجارية كبيرة شكّلت مالا يقل عن 60% من إجمالي الدخل القومي للسودان حسب إحصائيات عام 2006.
إنّ التنقيب والحفريات وحجز الأراضي الواسعة وقطع الغطاء النباتي وإزالته وشق الطرق وإغلاق مجارى الخيران وأفرع الأنهار (ما يعرف محلياً بالرقاب)، أحدثت خللاً بيئياً رهيباً كان مردوده ــ على المستوى القصير والبعيد ــ سيئاً على مجمل النظام البيئي Eco systemوعـلى القطاعين الرعوى والزراعي في تلك المنطقة وعلى طول حزام التواصل الإثنى الذي يشمل قبائل المسيرية والرزيقات والحوازمة والنوبة والدينكا والنوير في شمال بحر الغزال وأعالي النيل وغيرهم. فنتيجة للتدخلات البيئية الضارة، تمت محاصرة قطاعات الثروة الحيوانية الهائلة في حيز رعوى ضيق. وإنقطعت أيضاً وإرتبكت وتيرة الرعى السنوية المتواترة بصورة أخلَّت بالمنطق الرعوى المستمد من التنوع البيئي في المنطقة، والذي تمليه أيضاً الضرورات المناخية، وبدونه تفقد الثروة الحيوانية قدرتها على البقاء في حال الإحتفاظ بها في الجزء الشمالي الجاف، مقارنة بالأجزاء الجنوبية الرطبة حول بحر العرب، حيث تتوافر مراعي التيجان (جمع توج) الخضراء ومياه الشرب المتوفرة من الرقاب (أفرع النهر) في فترة الصيف. والآن إختلت هذه المنظومة التي يرتكز عليها جل نشاط القطاع الرعوى في هذه المنطقة التي تحتوى على الملايين من رؤوس الماشية جيدة النوع، خاصة لإنتاجاللحوم التي تغطى حوالي 80% من إحتياجات السوق السوداني. نتيجة لكل تلك التشوهات البيئية، فقد كثير من الرعاة ثرواتهم الحيوانية وأصبحوا يعيشون الفاقة وبؤس الحال والإضمحلال. أما المزارعون فقد حجزت شركات البترول والدولة على أراضيهم (للصالح العام)، وتبعاً لذلك إنهار الإقتصاد التقليدي. والمزارعون الذين فقدوا أراضيهم مع الرعاة الذين فقدوا ماشيتهم، كونوا طبقة جديدة في المنطقة يمكن أن يطلق عليها (بروليتاريا النفط)، والتي حتما ستكون المصير الطبقي لكل القبائل في  حزام التماس.
إنّ طبقة بروليتاريا النفط هي ليست النتاج الطبيعي الذي يلازم تطور النظام الرأسمالي في شكل التصنيع ذو الحجم الكبير، إنما هي نموذج جديد للتهميش الذي يعني فاقد التنمية وفاقد النمو الإقتصادي والإقصاء الإقتصادي المرتبط بالنفط في ظل التنمية غير المتوازنة تجاه هذه المجموعات السكانية.

مأزق أبيي والبرتوكول الناقص (المعيب) :
إن المعالجة الوحيدة التي طرحت "مبادئ" لحل إشكالية الرعاة والرحل، ويمكن إعتبارها غير مكتملة من نواحي عديدة، جاءت في إتفاقية السلام الشامل CPAوضمن ترتيبات حل النزاع حول أبيي. وقد نصت تلك المبادئ في الفقرات من (1-1) وحتى (1-1-3) والنقطة (6) على التالي:
-    مشيخات دينكا نقوك تفوق التسعة التي حولت إلى كردفان في 1905.
-    تحتفظ المسيرية وغيرها من البدو الرحل بحقوقهم التقليدية برعي ماشيتهم والتحرك عبر أبيي.
-    سكان المنطقة: (6-1):
-    أعضاء مجتمع دينكا نقوك والسودانيون الآخرون المقيمون في المنطقة..
(6-2) تضع لجنة الإستفتاء معايير الإقامة.
والملاحظة الجديرة بالذكر هنا حول هذه المبادئ أنها:
أولاً: خلت من التفاصيل المتعلقة بتحديد إنشطة الرعي ما بين الأطراف التي تقطن منطقة أبيي، ويعود ذلك لإعتبارات إستنتاجية عديدة، أهمها أن الإتفاقية وضعت في إعتبارها أن إحتمال عدم الإنفصال وارد، وفي حال عدم حدوثه، فإن قضايا من هذه الشاكلة تحل في إطار الدولة الموحدة وضمن حدود إنظمتها القانونية والأعراف المحلية المتبعة. غير أن حدوث الإنفصال طرح وضعاً جديداً إذ أن حركة الرعاة لم تعد داخل إطار الدولة الواحدة، وإنما عبر حدود دولية بين قطرين علاقاتهما غير حميمة.
ثانياً: تركزت مسألة حل إشكالية الرعاة فقط حول منطقة أبيي(وبصورة ناقصة كما أشرنا)، ولم تطرح في بروتوكولات المناطق الأخري (جنوب كردفان، والنيل الأزرق)، هذا بالإضافة للمناطق الواقعة في حزام التماس ـ التواصل بين الجنوب الشمال على طول الحزام الأوسط (حزام البقارة). وهي مشكلة ستظل مطروقة بإلحاح، خاصة بعد الإنفصال حينما تطرح القضية بعيداً عن إطارها الإجتماعي التقليدي الذي تنظمه ترتيبات شعبية تقليدية لتنوب عنها بعد الإنفصال كيانين سياسين لدولتين مختلفتين، خاصة وأن هذه الحركة البندولية للرحل (الترحال شمالاً وجنوباً بوتيرة ثابتة) ستبدأ بنهاية موسم الأمطار في أكتوبر نوفمبر من هذا العام (2011) كأول تجربة للرحل من الشمال للهجرة جنوباً في ظل دولة الجنوب حديثة الولادة بحدودها الدولية.
وسوف تظل هذه الإشكالية ـ ضمن إشكاليات أخرى ـ واحدة من أسباب النزاعات التي قد تنشب ما بين الدولتين مستقبلاً، سواء إن كان ذلك في المستويات التقليدية ما بين المجموعات الرعوية في المناطق المختلفة في الجانبين أو إن كان ذلك في المستويات الرسمية حينما تتدخل الدولة ـ لأسباب مختلفة ـ  في السودانين أيضاً، ويتصاعد النزاع ليصل إلى المواجهة المسلحة المحتملة والتي يكون وقودها هذه المجموعات. وبالتالي، فإن التفكير الإستراتيجي يجب أن يستبق بالحلول المنطقية لهذه الأوضاع،وبطرح صيغ تمنع من حدوث مثل هذه النزاعات، لفتح الباب أمام التعايش السلمي ما بين تلك المجموعات مستقبلاً، والتي يمكنها أن تلعب دوراً إيجابياً في تقريب المسافات (النفسية والسياسية) بين طرفي السودان، ولمصلحة إستدامة السلام والجوار الأخوي بين الدولتين.
ثالثاً: إن ما يجب قوله في هذا سياق هو أن ترتيبات أبيي تجاهلت قضية حيوية حينما تعاملت مع مسألة الرعاة كقضية ثانوية في سياق الإتفاقية العام، دون البحث العميق في الجذور التاريخية والثقافية والسياسية للمسألة والإرتباط بالأرض، ليس فقط على حدود المنطقة، وإنما بطول حزام التواصل ـ التماس، وهو ما ترك الباب موارباً أمام إندلاع النزاعات مستقبلاً، سواء تلك التي تتم ما بين الكيانات القاطنة في المنطقة، أو حروب الوكالة التي قد يلجأ  إليها كل طرف من الدولتين، لتحقيق أهدافه الإستراتيجية أو الآنية.
ونواصل (....)

نقلا عن صحيفة السوداني