(كلام عابر)

حب الاستحواز صفة غريزية تلازم الطفل منذ عامه الأول وتستمر معه حتى عمر الخامسة، ثم تتحول هذه الصفة إلى الطمع حينما يكبر الطفل في السن في غياب التربية المنزلية كما يقول فقهاء علم النفس التربوي.لكن المجتمع والطفل، وليس البيت والطفل، أو المدرسة والطفل هما طرفا العملية التربوية بشكل غالب. المجتمع أكثر تاثيرا على الطفل ويمكنه أن يغرس فيه مفاهيم ايجابية أو سالبة.المجتمع مدرسة كبيرة يتلقى فيها الطفل والفرد عموما دروسا عملية كثيرة قد لا يتيسر له أن يتلقاها في حياته علي مقاعد الدراسة العادية، ومن المجتمع يكتسب الفرد ما لديه من سلوك. 

هذه المقدمة القصيرة مدخل للنظر في واقعتين،مجرد نموذجين، لقيا حظهما من الاهتمام الاعلامي، ومن المحتمل، إن لم يكن من المؤكد، أن تكون هنالك عشرات أو مئات من النماذج المماثلة التي تحدث هنا وهناك. الواقعة الأولى تتعلق بفريق البراعم أو الأطفال الذي مثل السودان في منافسة دولية لكرة القدم نظمتها دولة قطر العام الماضي، وفاز أطفال السودان بكأس البطولة بعد أن تغلبوا على منافسيهم من أطفال الدول المشاركة،وكانوا مثار اعجاب الجميع لا سيما في مدرجات المشجعين السودانيين في الدوحة بأجوائها المشتعلة بالحماسة والانتماء. هذه السنة كرر السودان المشاركة في نفس البطولة ولكن ليس بنفس الفريق البطل،كما كان متوقعا وكما يقول منطق الاشياء، ولا بنفس طاقم الادارة والتدريب، فقد وصل الفساد والتمكين إلى هذا النشاط فدفعوا بلاعبين جدد للسفر لم يتم اختيارهم بناء على قدراتهم ومهاراتهم، فاثبتوا في الدوحة أنهم لا علاقة لهم اصلا بلعبة كرة القدم، وكانت النتائج فضيحة كبيرة وسلسلة من الهزائم ، اشدها قسوة الهزيمة من اطفال الكويت بنتيجة 11 – صفر، وعاد أطفالنا ومرافقوهم للخرطوم بعد رحلة سياحية لدولة قطر وكأن شيئا لم يحدث،ولم يخضع أحد للمساءلة.
الواقعة الثانية هي اختيار عشرة اطفال للمشاركة في يوم الطفل التركي بدعوة من الحكومة التركية التي تتكفل بتذاكر الطيران والاقامة. اختاروا أبناء المسؤولين دون سواهم،أبناء المدير والوزير وسكرتيرة الوزير ومسؤول التنظيم،الخ في ظل غياب معايير للاختيار واضحة والتنافس الشريف. ليس ذلك فحسب لكنهم خصصوا مبالغ مالية كبيرة من المال العام لذلك الوفد السياحي الذي تقرر أن يسافر إلى تركيا.
هذه الأفعال المجتمعية السالبة،التي تتم بلا حياء وبمأمن من العقاب، وفي ظل غياب تام للقيم الطيبة، وهذا التمكين المبكر إفساد لهؤلاء الأطفال وتشويه لمستقبل حياتهم،إلا من رحم ربي منهم. فقطعا سيدخل في روع هؤلاء الأطفال،ولهم كل العذر، أنهم فعلا أفضل من زملائهم الذين تخطاهم الاختيار للسفر، وانهم اختيروا للسفر، لقطر أو لتركيا، بسبب تمتعهم بمزايا ومؤهلات لا تتوفر لدى غيرهم، ثم ينقلب هذا الوهم إلى قناعة كاذبة بالتميز والتفوق ليس فقط على زملائهم الذين تخطاهم الاختيار للسفر انما على الجميع. الخطورة المحتملة أن يؤدي هذا الفعل غير الموفق إلى تضخم غريزة حب الاستحواز والطمع لدى اولئك الاطفال، وغرس مبكر لمفاهيم خاطئة في نفوسهم قابلة للتضخم مع تقدمهم في السن.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
////////////////////