(كلام عابر)

صالح ولد حننّا هو عسكري سابق ورئيس ما يعرف بحزب الاتحاد والتغيير في موريتانيا، وسبق له أن قاد ثلاث محاولات انقلابية فاشلة ضد الرئيس العسكري معاوية ولد سيدي أحمد الطائع الذي سقط حكمه أخيرا بمحاولة انقلابية ناجحة. والمعروف أن موريتانيا ظلت تعيش في  سلسلة طويلة من الانقلابات العسكرية المتتالية منذ مطلع استقلالها،  وكان أول ضحايا هذه الانقلابات  الرئيس المختار ولد دادة أول رئيس موريتاني بعد الاستقلال. شاهدت صدفة هذا الولد حننّا في قناة الجزيرة مع محاوره المذيع اللامع أحمد منصور في برنامجه المعروف(شاهد على العصر)، وهو نفس البرنامج  الذي استضاف الشيخ حسن الترابي في حلقات أثارت كثيرا من اللغط والجدل قبل موعد بثها الذي قيل أنه سيتم في الأيام القادمة.
لفت انتباهي أن السيد حننّا كان يكثر في شهادته الإشارة للمواطنين الموريتانيين ذوي اللون الداكن والذين تعود أصولهم في معظمها للسنغال وقامبيا المجاورتين لموريتانيا، ويصفهم بعفوية  بمصطلح "الإخوة الزنوج" في استعلاء عنصري زنجي لا تخطئه أذن، واستفزني تماما سكوت قناة الجزيرة ومذيعها المتأسلم على هذه المفردة النتنة لا  سيما وأن شهادة ولد حننّا لا تبث على الهواء مباشرة ولكنها حلقات مسجلة تخضع قبل بثها للمراجعة، وتخضع أحيان للقص واللزق اذا لزم الأمر. وكلمة زنجي تعبير عنصري يشير به البعض للإنسان ذي البشرة الداكنة أو السوداء، وتعكس بلا شك صورة من صور الاستعلاء العرقي.هذا الاستعلاء العرقي  قد يكون مهلكا مثلما حدث في جزيرة زنزبار أو زنجبار التي تقع في مواجهة الساحل الشرقي للقارة الأفريقية. و"زنجبار" كلمة سواحيلية قبيحة الأصل  وتعني بر أو شط الزنوج. كانت الجزيرة تحت حكم المستوطنين  العرب  لبضع قرون وكانوا خلالها يحتكرون السلطة والمال ويمارسون بشكل أو بآخر الاستعلاء العرقي، حتى اجتاحتهم  مجزرة عام 1964 وراح ضحية هذه المجزرة آلاف منهم، وفر آلاف آخرون ، وبقيت قلة قليلة في الجزيرة، مثلما  بقيت آثار أسواق العبيد التي ارتبطت تاريخيا بالعرب في هذا الجزء من العالم تحديدا.(هذا لا يتجاوز ولا يسقط من ذاكرة التاريخ  ما مارسته أوروبا من تجارة رقيق في أفريقيا وملايين  الضحايا على مدى أربعة  قرون في زمن سابق لتجارة الرقيق العربية في زنزبار)، لكن موريتانيا بتكوينها الديموغرافي وموقعها الجغرافي وخلفيتها التاريخية  وحيزها الزماني والمكاني ليست زنزبار وبالتالي فإن تكرار تجربة زنزبار في موريتانيا غير ورادة.
موريتانيا هي البلد الوحيد في العالم الذي ما زال يعيش خارج العصر، ومازال يمارس الرق بصورة أو بأخرى،  رغم صدور عدة قوانين لتقييد وإلغاء الرق كان آخرها قانون صدر عام 1981،ولكن  رغم هذه القوانين الورقية والانكار الرسمي المتكرر لوجود الرق، فقد ظل الرق ثقافة مجتمعية ومؤسسة متمكنة تتحدى كل الدنيا ومنظمات حقوق الانسان في العالم، وتجد أحيانا من يدعمها بالأسانيد الدينية، وانعكست هذه الثقافة المجتمعية المتخلفة على لسان هذا الولد حننّا الذي سانده متأسلمو موريتانيا حينما خاض انتخابات رئاسة الجمهورية مرتين.
 موريتانيا بلد المليون شاعر، كما تطلق على نفسها، هي أيضا بلد نصف المليون عبد، أي بمعدل شاعرين مقابل كل عبد،فقد  أكدت منظمة حقوقية دولية أن عدد الرقيق في موريتانيا نحو ستمائة ألفا (600,000 ) وهو رقم يعادل 17% من جملة سكان موريتانيا الذين يقل عددهم عن الأربعة ملايين، وبالطبع يشمل هذا العدد من السكان تلك الشريحة الكبيرة من المواطنين التي أطلق عليها ولد حننّا مصطلح (الإخوة الزنوج)، دون أن يجد في نفسه حرجا. هذا العنصري كان سيحكم موريتانيا لو كتب الله النجاح لواحدة من مغامراته الانقلابية الثلاث، ولكنه في نهاية الأمر ليس حالة استثنائية شاذة بل يجسد ثقافة مجتمعية موريتانية راسخة الجذور لا تعوزها المرجعية الدينية.
(عبدالله علقم)
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.