(كلام عابر)

يرى كثيرون أن الأستاذ محمد حسنين هيكل،الذي رحل إلى جوار ربه الكريم يوم الأربعاء17 فبراير2016،هو بلا منازع ملك الصحافة والصحافي الأول في العالم من حيث مهارة الحرفة وبهاء الصنعة وخبرة الصحافة والسياسة. مهما تبانيت الآراء حول طروحاته فإن هناك ثوابت في مسيرته الثرية قد لا يختلف حولها الكثيرون مثل اختلافهم حول شخصيته المثيرة للجدل.
1)    كان يكتب بأسلوب متميز ولغة رصينة فيها كل فنون البلاغة السهلة ليعطيك أفضل ما تعطيه العربي من تعبير وبيان.(اتفق حول هذه الرؤية بعض رموزنا الكبار،عليهم رحمة الله ورضوانه، الذين جمعهم مجلس نادر قبل نحو ثلاثة عقود من الزمان تناولوا فيه كتابات هيكل، وهم محمد عمر بشير، صلاح المليك، فتحي حسن المصري، وجعفر كرار فضل، مع حفظ الألقاب والمقامات).
2)    انتقل بالصحافة العربية والقاريء العربي  لعالم "تحليل الحدث" بدلا من الاكتفاء بالسرد ونشر الخبر مصحوبا بتعليق مختزل في كثير من الأحيان.
3)    سبق العالم العربي كله بانشائه عدد من "المراكز التخصصية للدراسات الاستراتيجية والصحفية الختلفة في صحيفة الأهرام تعتبر اليوم من المراكز العالمية المتخصصة المرموقة. هيكل قفز بصحيفة الاهرام نفسها في فترة رئاسته لها لتصبح واحدة من أهم عشر صحف في العالم.
4)    يعتمد دائما في كتاباته على المستندات والوثائق وعلى مذكراته التي اعتاد تدوينها كل يوم،مما يكسب ما يكتب صدقية نادرة.
5)    مهما اختلف الناس في تقويم تجربة عبدالناصر فإن موقف هيكل من تلك التجربة  وثباته على خياراته رغم المياه الكثيرة التي انهمرت تحت الجسور،أمر يستحق الاحترام. هو تماما كما قال عن نفسه"لست رجلا لكل العصور". وفاء نادر أن يتحدث عن جمال عبدالناصر فيقول "صلة الود،التي كانت، وما زالت، تربطني بجمال عبدالناصر".بلاغة وجزالة لفظية في التعبير عن موقف. الوفاء والثبات على المواقف سلعة نادرة وكثيرا ما تكون باهظة التكلفة.
6)    أثرى المكتبة العربية (وغير العربية) بعدد ضخم من المؤلفات القيمة، نشرت بعدة لغات بجانب العربية، وتصلح كمراجع للدراسات والبحوث لأجيال قادمة، وتحول منذ منتصف سنوات السبعين من القرن الملادي الماضي إلى مؤسسة للدراسات السياسية والاستراتيجية تستفيد من خدماتها المعرفية العديد من الدول والمنظمات والهيئات،وهو أمر غير مسبوق في العالم العربي.
محمد حسنين هيكل له بصمته بشكل أو بآخر في كل من يمارسون الكتابة العربية،هواة أم محترفين، خصوصا الجادين منهم الممارسين في الحقل الاعلامي،بغض النظر عن الطرح.كانت،وما زالت، طريقته في تطويع الحروف والمعاني،وانسياب الأفكار في غير تنافر، والكم الهائل من المعلومات، مدرسة مفتوحة  لجميع الأعمار،جاذبة لكبار الكتاب وصغارهم،من منظور جمالي وابداعي بحت،وفي نفس الوقت كان هدفا لكل أعداء التجربة الناصرية وضحاياها،وهم كثر، ولكنه بقي حيث هو شديد الوفاء لثوابته. كان نتاجا طبيعيا لظروف اجتماعية وسياسية بعينها،  لم يعتمد على موهبته وحدها،بل حفر طريقه بالنحت الشاق بالأظافر على كافة الصخور،وراكم معارفه عبر الأحداث العالمية والحروب التي غطاها في أوروبا وفلسطين وكوريا وايران وفلسطين وحول مشاهداته ومعايشاته لكتب قيمة، وحصد خلال مسيرته الطويلة نفوذا سياسيا واسعا، من صنع قلمه المتفرد وذكائه المهني، واختلفت حوله الرؤي دائما ما بين معجب وحاسد،وفي جميع الأحوال سيكون من الصعب،صعوبة تقارب المستحيل،استنساخ تجربة هيكل،فهي ابنة بيئتها ومجتمعها وظرفها الزماني والمكاني وأدواتها المعرفية المتاحة.
رحم الله أستاذنا محمد حسنين هيكل.
(عبدالله علقم)
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.