(كلام عابر)

كانت تلك العاصمة الأفريقية الجميلة،وما زالت، ملتقى لخطوط الطيران داخل وخارج القارة الأفريقية، وقد اعتاد القادمون من الخرطوم على التوقف فيها (ترانزت) قبل مواصلة رحلاتهم لشرق وجنوب وغرب القارة الأفريقية. في مطلع سنوات الثمانين من القرن الميلادي الماضي توقف مسؤول بدرجة وزير في تلك العاصمة الأفريقية وهو في طريقه من الخرطوم إلى عاصمة في غرب في شأن رسمي. وصل فجر الأحد واستقر في أحد الفنادق في انتظار مواصلة سفره لوجهته صباح اليوم التالي. كان السفير السوداني حينها خارج البلد وكان على رأس السفارة دبلوماسي شاب من الاقليم الجنوبي، وهو الاسم الذي كانت تعرف به دولة جنوب السودان آنذاك. كان من المفترض أن تخصص السفارة،وهي بالطبع على علم مسبق بتفاصيل وصول وسفر الوزير، سيارة لاستخدام الوزير طوال فترة وجوده في تلك العاصمة التي لا تتجاوز اليوم الواحد. الدبلوماسي المذكور لم يستقبل الوزير في المطار ولم يزره في الفندق ولم يرسل له سيارة السفارة مع سائقها. عوضا عن ذلك انصرف لشأنه مستمتعا بعطلة نهاية الاسبوع،ولكن لما كان كلبه يشكو من وعكة طارئة ألمت به، كلف السائق الذي كان من المفترض أن يذهب للوزير، كلفه بالذهاب بالكلب للعيادة البيطرية بنفس السيارة التي كانت ستخصص لوزير، فيما انصرف هو لشؤون يومه. انشغل السائق مع الكلب فذهب به للعيادة ثم أعاده لمنزل الدبلوماسي الشاب بعد تلقي العلاج، ثم أوقف السيارة في موقفها ومضى إلي بيته.
شغل الدبلوماسي الشاب سيارتين في وقت واحد.. سيارة السفارة المخصصة له والتي كان يقودها بنفسه، وسيارة السفارة الأخرى التي آثر بها كلبه بدلا من الوزير، ثم ذهب في المساء في زيارة خاطفة للوزير في جناحه الفندقي. وقف عند مدخل الجناح، وهو في قمة النشوة، وحيا الحاضرين..الوزير وعدد قليل من زائريه أو مرافقيه دون أن يمد يده ليصافح أيا منهم،ثم وجه إليهم السؤال وهو ما يزال واقفا عند المدخل بكامل هدوئه ونشوته وأناقته:من منكم الوزير؟ كان السؤال وكل تصرف الدبلوماسي مثيرا للدهشة ومثيرا للحرج.. حاول بعض الحاضرين،وهم لا تخلو منهم المجتمعات في جميع الأزمنة والأمكنة، حاولوا أن يداروا على الحرج والكسوف المخيم علي المكان بتصنع الابتسام والترحيب بالدبلوماسي وتعريفه إلى الوزير،وتجاوز الموقف بأي شكل كان، ولكن الدبلوماسي لم يمهلهم ولم يسمح لشيء كان أن يفسد عليه بهجة يومه، فلم يكلف نفسه عناء سماع الإجابة على سؤاله، واستدار راجعا وهو يقول بنفس الهدوء وبثقة مفرطة.. نميري كل يوم يجيب وزير ويشيل وزير.. بقينا ما نعرفكم. ثم خرج دون أن يدلف إلى داخل الجناح. ربما لغرض حفظ ما تبقى من ماء الوجه، الذي لم يبق منه الدبلوماسي ولا كلبه إلا القليل، توعد الوزير الدبلوماسي الجنوبي ،بعد خروجه طبعا، بالويل والثبور فور رجوعه،أي رجوع الوزير،للخرطوم. ولكن مرت الايام والسنين ولم يحدث شيئ من ذلك، فقد كانت اتفاقية أديس ابابا آنذاك ما تزال في عنفوانها،وإن بدت عليها بعض الشروخ، وما من سبيل لتنفيذ وعيد الوزير في دبلوماسي أو أي مسؤول من الاقليم الجنوبي.
انتقل ذلك الدبلوماسي إلى رحمة الله. كان هادئا، وديعا، طيب المعشر رغم ما فعله بالوزير. لا أدري لو أمتد به العمر إلى أيامنا هذه إن كان سيخصص كل سيارات السفارة، وليس سيارة واحدة فقط، للكلاب.

(عبدالله علقم)
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.