(كلام عابر)

 

والجلاد المعني هو الجلاد الرمزي الأسطوري الذي يلعب دورا أساسيا في حدوث عمليات التعذيب والقتلأيا كان الجلاد... سواء كان ديكتاتورا على رأس دولة أو قائد مجموعة متطرفة، ومرد ذلك التعاطف مع الجلاد،وهو تعاطف يشمل شريحة كبيرة من المجتمع مع هذه الشخصيات، هو أن التبرير والانحياز صفتان ملازمتان للمجتمعات المتخلفة، وتجعل هذه المجتمعات تغض الطرف عن بحر شاخص في الدماء بسبب الفشل في التخلص من تأثير تعاطف طاريء لا يقوم على واقع حقيقي،كما يقول الكاتب حسنين السراج في كتابه"التعذيب باسم المقدس" الصادر من رواق للنشر والتوزيع.

في اللحظة التي يسمع فيها هذا النمط من الناس خبر مقتل أو موت الزعيم الدموي، سيأخذ اهتمامه وتعاطفه مع ضحايا الزعيم في التراجع التدريجي إلى أن ينعدم. حين أعلن عن مقتل اسامة بن لادن، انفجر في عقول هذه الفئة من الناس، وهي فئى كبيرة لا يستهان بها، انفجر في عقولهم حزام ناسف من التعاطف مع أسامة بن لادن بعد أن رفضوا أفكاره  الانتحارية. لو قلت أن عددا كبيرا من الابرياء فقدوا حياتهم بسبب الزعيم الجلاد، ستجد من يرد بأن أمريكا قتلت الآلاف في هيروشيما وفيتنام والعراق، وأن فرنسا قتلت مثلهم في الجزائر، وهلمجرا. اذا قال أحدهم أن صدام جر بلاده لحروب غير مبررة وغير عقلانية، فلن تعدم من يقول لك أنه رجل واجه الإيرانيين والأمريكان. تبرير بائس ربما جره سوء الوضع الذي يعقب اختفاء الجلاد من الحياة،وهو ليس مبررا عقلانيا.ظاهرة تعاطف البعض مع نميري مثلا،مرورا فوق جنازير دباباته التي قبرت العزل أحياء، ومقابره الجماعية، مردها حالة اليأس التام، ليس من الحاضر فقط، ولكن من المستقبل أيضا.

حين نتعاطف بسبب طبيعتنا مع صورة عابرة يظهر فيها جلاد يحتضر أو يشعر بالألم او كانت نهايته بشعة أو مأساوية مثل نهاية القذافي وتشومبي وموبوتو وتولبرت وهيلاسيلاسيوشاوشيسكو  وضياء الحق وماركوس وغيرهم من قائمة منظومة الطغاة الطويلة على امتداد الكرة الأرضية وإن تركزوا أساسا في العالم الثالث، يجب أن نستحضر صورة ضحايا الجلادالذين لم يرف له جفن حين قتلهم أو دعا إلى قتلهم. إن الضحايا،وليس الجلاد،هم الأولى بالتعاطف، ولهم يجب أن ترتفع صيحات الألم، وينحاز القلب والعقل. يقول الكاتب حسين السراج "حين يكون مقياس الشعوب في التعاطف والاحتفاء هو دماء الأبرياء  الذين قتلوا دون وجه حق، فستكون شعوبا في طريقها إلى التطور وتستحق كل ذرة هواء وكل قطرة ماء تستهلكها"، أما الشعوب التي يتحول فيها القاتل إلى ضحية، فهي شعوب مزاجية تحكمها العاطفة ولا تحترم دماء أبنائها.

رفض الظلم يجب أن يكون رفضا مطلقا أينما وكيفما ومتي ما يقع. رفض لكل جلاد، محليا كان أم أجنبيا،بلا تبرير للجلاد المحلي. 

قبل الختام:

ربما يجب أن نتوقف قليلا مع فرويد  حينما قال "إننا ننحدر من سلسلة لا متناهية من أجيال آباء مارسوا القتل، والذين كانوا-كما نحن ربما- يعشقون الموت في وسط الدماء".

(عبدالله علقم)

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.