أضاف الدكتور محمود اسماعيل، المفكر والمؤرخ المصري، للمكتبة العربية كتابا قيما بعنوان"المهمشون في التاريخ الاسلامي"،قامت بنشره رؤية للنشر والتوزيع، ويقع الكتاب متوسط القطع في 208 صفحة،ويستهله الكاتب بقوله أن دراسته لا تهدف لتقديم تاريخ شامل للعوام المهمشين في التاريخ الاسلامي بقدر ما تصبو إلى تصوير رؤية جادة منصفة لهذه الجماعات التي شوهها تاريخها مؤرخو البلاط ومن نحا نحوهم. ونسبة لأن الحوليات التاريخية انشغلت بتواريخ الحكام وظل تاريخ العامة في اطار المسكوت عنه أو اللامفكر فيه، فقد اعتمد المؤلف ،كما قال، على كتب الخراج والفقه والحسبة والنوازل والجغرافيا والطبقات والأدب والديارات والحرف والفلاحة والتجارة والطبيخ. يحدث هذا الشح البين في المصادر رغم أنه (لم يحظ عصر من عصور التاريخ بوفرة المعلومات وتنوعها كما حظي التاريخ الاسلامي).ورغم وفرة وتنوع المعلومات،(لا يزال التاريخ الاسلامي يلفه الغموض والابهام وتتوالى الدعوات إلى المطالبة بإعادة درسه وبحثه وتدوينه) بسبب اشكالية المنهج والرؤية. وفي ظل هذه الظروف، نستطيع أن نتفهم الجهد الكبير الذي بذله المؤلف للحصول على المعلومة التى أهملها التاريخ.   لا تتسع هذه السطور بالتأكيد لذكر ما فصله  المؤلف عن الحركات التي تناولها في كتابه، ولكن يمكن أن القول اجمالا أنه قد سلط الضوء على ثورة الزنج الأولى في العراق، ثورة الخشبية في العراق، ثورة الحدادين في الأندلس، ثورة الزنج الثانية في العراق، دولة القرامطة في البحرين والعراق، ثورة عمر بن حفصون في الأندلس، ثورة حميم المفتري في المغرب الأقصى، حركات العيارين في العراق، حركات الأحداث في الشام، حركات الحرافيش في مصر،حركات الفتاك في آسيا الوسطى، حركات الصقورة في الأندلس، دولة الحرفيين "الصفارية" في سجستان، وحرافيش مصر والنضال باللسان والنكتة، وما زال مثل هذا النوعالأخير من النضال موروثا اجتماعيا سائدا في مصر وما تزال النكتة سلاحا متوارثا في مصر يعبر عن الرفض.   ونقف قليلا عند  ثورة "الخشبية" في العراق بزعامة المختار بن أبي عبيد الثقفي في خلافة عبد الملك بن مروان، فقد حفلت بالكثير من التناقضات والمفارقات. كان قائد الثورة، التي كان عمادها النجارين، من طبقة الأرستقراطية العربية يدفعه الطموح الشخصي.بدأ معارضا للأمويين ثم متعاطفا مع الشيعة ثم انتقل للخوارج لينتهي به المطاف زعيما لهبة الحرفيين الذين كانوا قوام النهضة العمرانية. اللافت للنظر هو تحالف بين أمية (الارستقراطية السفيانية) وعبدالله بن الزبير (الأرستقراطية الثيوقراطية)، رغم ما بين الفريقين من عداء وحروب، لمواجهة حركة الحرفيين التي تهدد الإثنين معا.   امتدت هذه الحركات والثورات من بداية العصر الأموي في سائر أقاليم"دار الاسلام" مشرقا ومغربا، حتى عصر المماليك والعصور الحديثة. وكانت دولة الحرفيين(الصفارين) في اقليم سجستان أنجح هذه الحركات إذا أفلحت في تحقيق استقرار سياسي ورخاء اقتصادي وتجانس اجتماعي خلال عصر سادته الاقطاعية العسكرية. القاسم المشترك بين جميع هذه الثورات والحركات هي رفضها للظلم الاجتماعي والتمييز الطبقي الذي بدأ صراحة  بقيام الدولة الأموية وخلخلتها البناء الطبقي واعادة صياغته لصالح الارستقراطية، والوقوف ضد نظم ثيوقراطية واقطاعية عسكرية. ولكن القاسم المشترك الآخر هو أن جميع هذه الحركات اندحرت في النهاية بفعل عدو خارجي يمتلك كل وسائل القوة ومقومات النصر، أو بفعل تفتت وانهزام داخلي في هذه الحركات، رغم أن بعضها قد نجح إلى حد الاستيلاء على السلطة وتأسيس كيانات سياسية أشبه ما تكون بالجمهوريات الشعبية، كما يصفها المؤلف.   يقول المؤلف (إن العوام والمهمشين الذين صنعوا التاريخ الاسلامي قد همشوا من قبل الحكامالذين "سرقوا" هذا التاريخ ونسبوه إلى أنفسهم،بفضل "مؤرخي البلاط")، ومن بين مؤرخي البلاط ابن بطوطة وابن خلدون والطبري وغيرهم.كلهم تناولوا هذ الحركات وفق رؤية دونية،فاعتبروها فتنا ومروقا على "ولي الأمر"، بمثلما اعتبروا القائمين عليها رعاعا وسوقة وسفلة.ووصم ابن خلدون  أخلاقهم بالمماحكة والفجور والبعد عن المروءة، والحقوا بهم صفة الزندقة والاباحية، مستغلين في ذلك بعض الأفكار الغريبة التي صاحبت بعض هذه الحركات. ولكن من جانب آخر أن فقهاء مستنيرين كانوا في قيادة عدد من هذه الحركات. ولكن من الصعب وصف كل هذه الهبات والانتفاضات بانها "ثورات" لافتقار كثير منها  إلى الاعداد والتنظيم، فكانت أشبه بحركات تلقائية عفوية، يعوزها في معظم الأحيان التنظيم والوعي الطبقي والعمق السياسي. يقول المؤلف(عبرت "مراهقة" المعارضة في التاريخ الاسلامي عن خلل دائم ومستمر في بنية هذا المجتمع، لا زالت أصداؤه قائمة إلى الآن، مما أكسب "السلطات الحاكمة" القدرة على البقاء والاستمرار، وحكم على حركات المعارضة بالشلل والعجز والقصور.) "المهمشون في التاريخ الاسلامي" كتاب يستوجب الوقوف عند طويلا لأنه كتاب جريء ودراسة متخصصة بلغة سلسة مبسطة تعنى بأحوال هؤلاء المهمشين، برؤية مغايرة للمتواتر المألوف،غلبت عليها الرؤية الماركسية للتاريخ.هذا هو الكتاب الوحيد الذي يتناول المهمشين في التاريخ الإسلامي، الذي اطلعت عليه، وربما تكون هناك كتب أخرى متخصصة تتناول نفس الموضوع،ولكني أعتقد أن هذا الكتاب قد يفتح شهية متخصصين آخرين للمضي في ازالة الغبار عن تاريخ المهمشين. (عبدالله علقم) عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.