(كلام عابر)

أضاف الكاتب والباحث المصري محمد فتحي يونس اضافة كبيرة وثرية للمكتبة العربية بكتابه القيم "صناعة الديكتاتور – دراسة في أساليب الدعاية للقادة السياسيين"،الصادر عن الهيئة العامة لقصور الثقافة المصرية. فالكتاب في مجمله دراسة علمية ممنهجة لمراحل نشأة الدكتاتور الفرد والاساليب التي يستخدمها في السيطرة على عقول عامة الناس، مع ذكر أمثلة كثيرة تبدأ بنيرون مرورا بالدولتين الأموية والعباسية وهتلر وموسوليني وتشرشل ولينين، وانتهاء بهذا الزمان.ورغم أن الكتاب فيما يبدو  مبني على الحالة المصرية بصفة خاصة،إلا أن هذه الحالة المصرية التي ركز عليها المؤلف متكررة الحدوث في كثير من بلدان العالم الثالث.
بعد قرون من صناعة آلهة من الوهم،عندما كان العرب قبل الاسلام يصنعون آلهة من حجارة أو عجوة، يتبركون بها ثم يأكلونها، وبعد قرون من صناعة عجل بني اسرائيل،أدرك الانسان أن بامكانه هو أيضا أن يصبح إلها،فتوقف صنع الآلهة المتخيلة، وقامت بمرور الزمن صناعة متخصصة في صنع تلك الآلهة البشرية من الحكام والقادة السياسيين. وتستند هذه الآلهة الزائفة إلى مفهوم الزعامة في المجتمع العربي، وهذه الزعامة مرتبطة  هي الأخرى بمصطلح ومفهوم "الكاريزما"، الذي كان يعني في بداية استخدامه "الهبة الإلهية" أو"القيمة السماوية"، ثم انفصل المصطلح عن مدلوله الديني فيما بعد ليعرفه البعض بأنه(صفة معينة في شخصية الفرد، وقوة استثنائية خارقة لا يمكن للإنسان العادي الوصول لها). أجهزة الدعاية تعمل على أن تسوق للناس وترسخ في نفوسهم صورة الزعيم الخارق صاحب القدرات الاستثنائية التي لا تتوفر للانسان العادي، وأن هذه القدرات الاستثنائية المزعومة توفر الحلول لكل مشاكل الناس وتحقق تطلعاتهم، لكن (عناصر القيادة الكاريزيمة لا تتم إلا بعدة عناصر مجتمعة هي الموقف الاجتماعي المتأزم، والسياق الثقافي،ووجود الأتباع) المنتفعين الذين يمكنون القائد من الاستمرار فترة أطول في السلطة.
(ولا يصبح الإله إلها ولا الساحر ساحرا، الا بالاعتماد على بوق دعائي) يعرف  بأدوات الساحر.وفي هذا الصدد  يرصد المؤلف بتفصيل شديد عدة أساليب دعائية تستخدم في ترسيخ مفهوم الزعيم الكاريزمي الدكتاتور، مثل الشائعات وذلك باطلاق الشائعة والشائعة المضادة، والنكتة، واطلاق الدعاية بصورة يومية مستمرة من الباب إلى الباب تلاحق المتلقي في منزله وفي مكان عمله وفي طريقه إلى مكان عمله،ونهج أسلوب التخويف للإقناع بوجود خطر وعدو على الأبواب وايهام الفرد بأن الخلاص لا يأتي إلا علي يد الزعيم. يستخدم أيضا أسلوب العدوى واستغلال غريزة القطيع وسط الجماهير،وأسلوب اثارة الكراهية تجاه الخصوم، مثلما فعل نيرون الذي حمل المسحيين وزر إحراق روما بعد أن قام باحراقها هو بنفسه. كما تستخدم ماكينة الدعاية أيضا أسلوب التلميع والتبرير والتعميم البراق للزعيم باستخدام عبارات معممة حمالة أوجه مثل "الصالح العام" و"الكرامة الوطنية"، وانتهاء باسلوب التحدث بلغة البسطاء ليظهر الدكتاتور بصورة الزعيم الشعبي الذي يتخاطب بكلمات عامة الناس، القريب من الناس، حتى لو كان ذلك القرب من الناس مجرد  قرب لفظي.
يتطرق الكاتب لممارسة استغلال المشاعر الدينية وسط الناس حينما تبرز الحاجة لذلك، مستغلا في ذلك طبيعة التدين السائدة في المجتمع،ويضرب مثلا لذلك بخلفاء بني أمية وخلفاء بني العباس،ويستشهد بعبارات من جمال عبدالناصر والسادات وصدام حسين وغيرهم وقت الأزمات.كما يستعرض الكاتب القاموس السحري الذي كان يستخدمه حسني مبارك باستمرار لاستكمال صورة الفرعون، مثل "الضربة الجوية"،"الاصلاح الاقتصادي"، "عنق الزجاجة"،"محدودو الدخل"،"الدعم"،"المشكلة السكانية"، "الفكر الجديد"،"المحظورة" ،وغيرها وانتهاء بمصطلح"السيدة الفاضلة" الذي التصق بزوجة الرئيس في كل المطبوعات الرسمية في مصر.
أدوات الساحر،أي أساليب وأدوات الدعاية، التي رصدها المؤلف، تفلح في النهاية في صنع  الدكتاتور الصنم،كامل الدسم،الذي يتمتع بالصفات الخارقة أقلها الذكاء الشديد، والذي ترتبط باسمه مسميات وألقاب الزعيم الملهم، والقائد الذي تجمع عليه الأمة، والأب المنقذ الذي يدفع عن ابنائه كل خطر ويمضي بهم قدما نحو المستقبل الجميل.
ومن ثم يطول ليل الشعوب،ويتواصل تخلفها واخفاقها الدائم في اللحاق بروح العصر.
(عبدالله علقم)
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.