(كلام عابر)

درج السودانيون على إقامة كيانات طوعية  في مهاجرهم لمختلف الأغراض الاجتماعية والثقافية  والتعليمية والخيرية والرياضية، تحت مسميات  روابط أو جمعيات أو غير ذلك، وتتخذ في بعض الأحيان مسمى وشكل الجاليات، التي هي كيانات أكبر تضم هذه الروافد. وقد كانت لأبناء شمال السودان  الريادة والسبق في تكوين الجمعيات التي تضم أبناء المنطقة الواحدة، وكانت هذه الجمعيات الجهوية، وما زالت، تمثل حصن الجماعة الحصين الذي يحتمي به الفرد من هجير الغربة وويلات الزمان،وتعوضه نوعا ما عن فقد الدار والعشيرة. شهدت مصر قيام مثل هذه الجمعيات الجهوية  منذ سنوات العشرين من القرن الميلادي الماضي، ثم انتشرت هذه الجمعيات مع انتشار ثقافة الهجرة وتزايد الضغوط الدافعة للهجرة.
زيادة عدد العاملين بالخارج(المغتربين) مع بدايات الأزمات الاقتصادية دفع نظام نميري لإنشاء جهاز رعاية شؤون السودانيين العاملين في الخارج(جهاز المغتربين) ، ليس لرعاية شؤونهم كما يقول اسم الجهاز، ولكن لجباية أكبر قدر  ممكن من دخل المغتربين، ففرضت الضرائب والرسوم المختلفة تحت شتى المسميات،ولمزيد من الاستنزاف، خفضت صلاحية جواز سفر المغترب لسنتين بدلا من خمس سنوات، وربط تجديد الجواز ومنح تاشيرة الخروج من الوطن بسداد المغترب لما فرض عليه من جبايات، وظل جواز السفر السوداني أقصر جوازات السفر عمرا في كل العالم، ولم يزد عمر الجواز شهرا واحدا خلال فترة الديمقراطية الثالثة القصيرة، وظل هذا الوضع قائما حتى فرض المجتمع الدولي جوازات السفر الالكترونية والتي لا تقل صلاحيتها عن خمس سنوات، وبهذه البركة الدولية،دون فضل لأحد على مغترب، انتهى عصر الجواز ذي السنتين.
جهاز المغتربين أو جهاز تنظيم شؤون السودانيين العاملين في الخارج جهة لا تملك صلاحية لمعالجة مشاكل المغتربين في وزارات ومصالح الدولة المختلفة (التربية والتعليم، الإسكان، الجمارك، الجامعات، الخ)،كما يعتقد البعض، ولكنه يقوم بدور الوسيط في أحسن الأحوال، وبالتالي كانت نجاحاته ضئيلة في هذا المجال رغم جهوده المقدرة، وبالتالي اقتصرت  علاقة المغترب بجهاز المغتربين في معظم الأحيان باستخراج تأشيرة الخروج التي يتحصل عليها بعد سداد ما هو مطلوب منه من جبايات،وهي جبايات يتحصلها جهاز المغتربين نيابة عن جهات حكومية أخرى ولا تذهب لخزينة الجهاز. استخراج هذه التاشيرة قد يتطلب وقتا أطول وجهدا أكثر من المغترب في أيام الذروة، ولكن في معظم الأحوال كان تعامل الجهاز مع المغترب مقبولا بمقاييس بلاد لم تستوعب كثيرا ثقافة احترام المواطن.
الجديد في هذه العلاقة بين الجهاز والمغترب أن جهاز المغتربين اتخذ مؤخرا دورا جديدا وهو دور الجهة الاصيلة صاحبة الحق في احتواء وتوجيه كيانات المغتربين  السودانيين الاجتماعية  الطوعية في الخارج. انفتحت شهية جهز المغتربين للقيام بهذا الدور الجديد بسبب تدخل بعض العاملين في بعض السفارات للسيطرة على هذه الكيانات الطوعية ولجوء بعض المغتربين لمطرقة جهاز المغتربين للإحتماء بها من سندان السفارات. وفي الأذهان واقعة تدخل السفارة السودانية في الرياض كطرف في نزاعات  السودانيين في المنطقة الشرقية، وانحيازها لطرف بعينه، مما أدى لانشطار الجالية السودانية هناك إلى ثلاث جاليات،منها جالية السفارة. قانون تنظيم شؤون السودانيين العاملين في الخارج لعام 1998م  يقول بأن السلطة العليا لجهاز المغتربين هو المؤتمر العام للمغتربين الذي يعقد كل 3 سنوات،ويختار خمسة أعضاء لتمثيل المغتربين في مجلس إدارة الجهاز، وهو الجهة التي لها حق اصدار اللوائح المتعلقة بتنظيم  السودانيين في الخارج،وليس الأمين العام. المفارقة الغريبة التي تثبت أن هذا القانون اصبح خارج الشبكة هي أن السيد تاج الدين المهدي الأمين العام الاسبق لجهاز المغتربين، ما زال رئيسا لمجلس إدارة الجهاز(الصوري) الذي يفترض أنه سلطة تعلو على  الأمين العام.
استجارة المغتربين بالجهاز من جنوح بعض العاملين في  السفارات، واندماج حهاز المغتربين في هذا الدور بإقامة ادارة للجاليات ووضع نظام أساسي موحد لكل الجاليات،ثم حل بعض الجاليات وتكوين لجان تسيير لهذه الجاليات، قد يكون حلا مؤقتا،أو أفضل الحلول السيئة المتاحة حاليا، فالأصل أن كيانات المغتربين كيانات طوعية غير ربحية مستقلة لا تتبع للسفارات ولا لجهاز المغتربين.ليس من عمل السفارات التدخل في شؤون المغتربين لأن المغتربين في كل مكان يخضعون لقوانين البلد المضيف مثل أي أجنبي مقيم في بلاد الآخرين، ومن مصلحة السفارات وجهاز المغتربين والمغتربين أنفسهم أن تكون كيانات المغتربين مستقلة عن السفارات وجهاز المغتربين لضمان استمرارية هذه الكيانات وفاعليتها،مثلما كانت في الماضي، بعيدا عن المؤثرات السياسية ومحاولات الاستقطاب التي أدت لتوقف نشاط هذه الكيانات. هناك الكثير الذي يمكن،ويؤمل، أن يقدمه جهاز المغتربين وأن تقدمه السفارات للمواطن السوداني المغترب دون أن تتدخل في تشكيل مزاجه.  دعوا السودانيين في مهاجرهم ينعمون بما تتيحه لهم أنظمة الدول المضيفة من حريات، ودعوهم يعالجون علاقاتهم بأنفسهم بلا وصاية،يرحمكم الله، مثلما كانوا يفعلون منذ أن عرفوا المهاجر،(من يكون وصيا على من؟) فالدائم الثابت الذي يجمع المغتربين،على اختلاف توجهاتهم ومنابعهم السياسية والفكرية والعقائدية والعرقية، أكثر من العابر الذي يفرقهم.
(عبدالله علقم)
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.