(كلام عابر)

أخيرا صدر بيان من اللجنة التي شكلتها  وزارة الخارجية للتحقيق في شكوى  المواطن السوداني المهندس أسعد التاي التي يتهم فيها  بعض مسؤولي القنصلية السودانية  في جدة  بالاعتداء عليه باللفظ والضرب حينما جاءها ليستخرج الرقم الوطني والجواز الالكتروني. البيان أكد وقوع الإعتداء اللفظي والبدني على الشاكي وأوصى بمعاقبة المعتدين وتحسين سلوك وأداء العاملين في القنصلية،وذكر أيضا أن مبنى القنصلية نفسه لا يتسع لاستقبال مراجعيها، ووعد السيد وزير الخارجية بتنفيذ توصيات اللجنة. وكانت بعض  الأسافير قد تدوالت من قبل بيانا نسب للجنة التحقيق يبريء المعتدين ويدين الشاكي، وقد اتضح بصدور بيان لجنة التحقيق المذكور وتعقيب وزير الخارجية عليه أن البيان السابق،أيا كان مصدره غير صحيح. المهم في الأمر أن تكوين مثل هذه اللجنة، أيا كانت الدوافع أو الخفايا،ومزاولتها عملها واصدارها مثل هذ البيان مسلك متحضر جديد يعني احترام المواطن والحرص على الانضباط السلوكي وسط ممثلي جمهورية السودان، على الأقل من حيث المظهر،وربما يكون ذلك تأسيس لثقافة جديدة. ويستحق السيد وزير الخارجية الشكر والتقدير.
أما كيف بلغت الأمور مثل هذا السوء والإنفلات ليحدث في القنصلية السودانية في جدة هذا الفعل الذي لا يحدث في مقر دبلوماسي آخر في جدة أو في أي مكان في العالم، فهو ما يتوجب الوقوف عنده طويلا متجاوزين الفعل وصولا للأسباب. فبعد انقلاب 30يونيو1989م أصبح الاختيار لوظائف الخدمة المدنية أو العسكرية يتم على أساس الولاء للنظام وليس المؤهل العلمي أو المهني أو الخلقي، وبالمقابل فقد الآلاف وظائفهم بسبب عدم ولائهم للنظام، فشغل الوظائف من لا يحمل من مؤهلاتها إلا قربه من النظام، وغاب المؤهلون في الشوارع والمهاجر أو في مهن هامشية، وبالتالي انفتحت أبواب الخدمة المدنية،بما فيها وزارة الخارجية، على مصراعيها للمتردية والنطيحة من كل حدب وصوب. شاغل المنصب يعلم أنه لا فضل لمؤهل أو أحد عليه في بلوغ منصبه إلا القرب من النظام الذي جاء وبقي بالقوة المحضة فغاب المواطن وغابت ثقافة احترام المواطن، وانتقلت ألفاظ  "لحس الكوع" ومثيلاتها من ساقط القول من الأعلى للأسفل، ولذلك لم يكن مستغربا ما حدث في قنصلية جدة، فهو حصاد سنوات طويلة من سياسات احتكار الوطن واقصاء الغير حتى لو كان الغير هو الأغلبية.
مررت بتجربة التعامل القبيح. في عام 1997  ذهب ابني محمد للسفارة السودانية في الرياض  لأول مرة ليستخرج شهادة الجنسية وجواز السفر. يبدو أنه لم يستطع الإجابة على بعض الأسئلة التي طرحوها عليه بالطريقة التي يريدونها.تكرم مسؤول الجوازات بالاتصال بي هاتفيا ليقول لي ان ابني(ما عارف حاجة).. لا يعرف إلى أي قبيلة ينتمي، فقلت له إننا علمناه منذ صغره أنه سوداني  فقط ولم نذكر له مجموعة عرقية بعينها، وهو نفس ما نعلمه لإخوته الأصغر منه سنا.الخطأ من عندنا وليس من عند الولد،وهو خطأ نصر على ارتكابه كل مرة. طرح على  محدثي بعض الأسئلة التي تطرح في هذه الحاللات عن موطني أجدادي كما يتطلب التحري لاستخراج شهادة الجنسية، وكان تخاطبه مؤدبا نوعا ما. حولت الموقف لمقال نشرته في صحيفة "الخرطوم" بعنوان(أنا سوداني) استدعيت فيه ما أوردته الكاتبة اليابانية الدكتورة يوشيكو كوريتا في كتابها عن على عبداللطيف وثورة 1924، عن تعرض أبطال الثورة للجلد في سجن كوبر لما كان كل واحد يصر على الإجابة بأنه سوداني حينما يسألونه عن جنسيته. بعد نحو سنتين من نشر مقالي، جاءت بعثة القنصلية السودانية لمدينة الدمام واستقرت في أحد الفنادق، وذهبت مرافقا لابني هشام لاستخراج جنسيته وجواز سفره وجلست مستظلا بإحدى الأشجار خارج المكان وذهب هو للقيام بإجراءاته، ولكنه ما لبث أن اقبل علي يخطرني بأن مسؤول الجوازات يود أن يطرح علي بعض الاسئلة، وما إن ظهرت أمام ذلك المسؤول،حتى انطلقت من فمه عبارات السباب القبيحة التي اختلطت بالبصاق المتطاير من فمه والشرر المتطاير من العينين، بطريقة(الردح) و(فرش الملايات) التي نشاهدها في المسلسلات الهابطة. عرفت حينها أنه نفس محدثي السابق على الهاتف، وأنه قرأ(ولم يستوعب) ما كتبت، فقاده ضيق الأفق وسوء الظن لذلك التصرف. هرعت أشكو لرئيس البعثة الذي كان يشاهد ويسمع ما يجري، وهو من الدبلوماسيين القلائل الذين أبقى عليهم نهج(الصالح العام) و(التمكين)، فهمس لي بخنوع مثير للشفقة  (ياخي دا مسؤول الجوازات في السفارة.. مشي حالك معاه). لحسن الحظ هدأت ثائرة مسؤول الجوازات، ربما استوعب مؤخرا ما شرحته له عن مقالي، ثم قدم لي اعتذارا هامسا خجولا لم يسمعه غيري(يشتمني في شارع ويعتذر لي في زقاق)، فأكبرت فيه ذلك الاعتذار الهامس لأنه أقصى ما يستطيع فعله، و(كل إنسان يعطي مما عنده) كما قال السيد المسيح عليه السلام.ثم فاجأني تماما وأصابني بالحزن الشديد حينما ذكر لي أنه من نفس مدينة القضارف التي شهدت صرخة ميلادي الأولى وضم ثراها ابي وأمي، وذكر لي أسماء بعض أبناء إخوتي الذين زاملهم في المدراس، ولكني غسلت ذلك الحزن حينما علمت لاحقا أن علاقته بالقضارف كانت علاقة عابرة بحكم عمل والده هناك لفترة من الزمن، ويبدو أنها كانت قصيرة لم تمكن الإبن من التشبع بروح القضارف وتقاليد أهلها. على العموم مثل هذه المواقف ضريبة قد يتعين على من يتعاطى الكتابة في الشأن العام أن يدفعها أحيانا،لكن الجديد في الامر وقوع الفعل السيء هذه المرة في منطقة دبلوماسية يفترض أن يتوفر فيها قدر من المعايير والضوابط السلوكية.
قبل عدة سنوات أبعد دبلوماسي شاب يعمل  في سفارة سودانية في إحدي العواصم العربية، أبعد كشخص غير مرغوب فيه في البلد المضيف، وبوقائع سوء سلوك بحتة لا علاقة لها بالسياسة.إبعاد الدبلوماسي من بلد ما كشخص غير مرغوب فيه إجراء قلما تلجأ إليه الدول إلا في حالات نادرة (الشديد القوي)، ومخالفات مثبتة للقواعد والضوابط التي تحكم العمل البدلوماسي وتضبط  إقامة الدبلوماسيين في بلاد الآخرين.كان يقود سيارته أحيانا لوسط المدينة ليشتبك باللفظ البذيء أحيانا وبالأيدي أحيانا أخرى مع بعض المتعاملين في تجارة  العملة من السودانيين، ويتوعدهم بإبعادهم من ذلك البلد،رغم أن مثل هذه الأمور لا تعالج بتلك السوقية، ورغم أنهم كلهم ضيوف ، الدبلوماسي المطرود والمواطنون السودانيون المقيمون في ذلك البلد العربي. هم يحملون جوازات سفر عادية،وهو يحمل جواز سفر دبلوماسي، ولكنهم جميعهم ينطبق عليهم مبدأ احترام أنظمة البلد المضيف.حمل الجواز الدبلوماسي له تبعاته واستحقاقاته ولا يعفي من احترام أنظمة البلد المضيف. الرجل  من فئة الذين أقحمهم التمكين في العمل الدبلوماسي، لكن إبعاده من تلك الدولة كان فاتحة خير عليه،فواصل القفز بعدة أعمدة فوق الرقاب، مترقيا لأعلى الدرجات،وكأن شيئا لم يكن. في الأنظمة الشمولية، عادة ما يكون  مسؤول الحزب هو الرجل الأول الخفي في السفارة حتى لو كان  سكرتيرا ثالثا أو عامل هاتف في السفارة، كما كان الحال في الاتحاد السوفيتي. مسؤول اللجنة الشعبية في ليبيا القذافي كان يحتل مقعده في مجلس إدارة الجامعة حتى لو كان حظه من المعرفة لم يتجاوز (فك الخط) ويتلاعب بأقدار العلماء ويوجه العملية التعليمية في الجامعة. أنظمة كانت تحمل في باطنها بذور الفناء.
جنون القوة وإقبال حظهم مع ذهاب حظوظ الكرام كثيرا ما يدفع بعضهم أن يهدد الآخرين في صلف جاهل بالابعاد من البلد المضيف.الذين اعتدوا على المهندس أسعد التاي هددوه بالإبعاد من المملكة العربية السعودية، ونسوا أنهم وأسعد التاي كلهم ضيوف على المملكة وأن سلطاتها المختصة هي وحدها التي تملك حق السماح لمن تشاء  بالإقامة في اراضيها وحق إبعاده،بلا إملاء من أحد. وزير ولائي جاء في زيارة خاصة  للمملكة العربية السعودية التقى خلالها مواطنا سودانيا مقيما هناك، على خلاف معه لأسباب اجتماعية وعائلية،تعود جذورها للسودان.. هدد الوزير الولائي ذلك المواطن السوداني بإرجاعه للسودان مصفدا بالقيود..كثيرا ما يطلق بعضهم هذه التهديدات المضحكة.
المملكة العربية السعودية تستضيف اكبر تجمع للسودانيين في الخارج من فئة دافعي الضرائب والزكاة والاتاوات، رغم أنها تجيء ثانيا بعد مصر من حيث أعداد السودانيين المقيمين فيها. هذه الأعداد الكبيرة من دافعي الأتاوات كانت تستوجب وجود ملحق عمالي أو مستشار قانوني،لمعالجة ومتابعة شؤون ومشاكل المغتربين العمالية،  مثل سفارات كل البلدان المصدرة للعمالة للمملكة، وهذا تقصير مزمن لم يدر ببال المسؤولين معالجته في يوم من الايام، ربما انطلاقا من نفس ثقافة عدم احترام المواطن البائسة. السفارة نفسها أدمنت التطفل على تجمعات المغتربين الاجتماعية الطوعية، مثل الجاليات والروابط الرياضية،بدلا من الالتفات لمهامها الأساسية، ودرجت على التدخل في أدق تفاصيل نشاط هذه الكيانات من منطلق الاحتواء والاقصاء. وقد أدى هذا التطفل لإحداث وتعميق الخلافات وسط مجتمعات المغتربين وتعطيل نشاطات هذه الكيانات الخيرة. تدخل مسؤول بعينه في السفارة بنقله برا بعض الاشخاص من الدمام شرق المملكة ليجتمعوا في دار السفارة بدلا من الدمام،حيث تعذر اجتماعهم، وتكوين جالية للسودانيين في المنطقة الشرقية،أمر عبثي يخصم من رصيد السفارة من الاحترام لدى مواطنيها، وهو رصيد أوشك على النفاذ. نتيجة هذا التطفل قامت ثلاث لجان يفترض أنها لثلاث جاليات سودانية في المنطقة الشرقية، لجنة السفارة، ولجنة التسيير، واللجنة التمهيدية. و(الحسابة بتحسب).
درجت السفارة السودانية في الرياض وقنصليتها في جدة على تحصيل مبالغ مالية مع كل معاملة تخص مراجعيها المغتربين، ورغم ضآلة المبلغ الذي يتحصل من المغترب في كل مرة،إلا أن الحصيلة التراكمية بلغت بمرور السنين عشرات الملايين من الريالات السعودية قيل أنها تحصلت أصلا لمعالجة الاحتياجات الانسانية وسط المغتربين في المملكة. الآن لا أحد يعلم حجم هذه الأموال وأوجه صرفها والمتبقي منها والجهة الشرعية المسؤولة عنها،والأمر كله يتطلب التحقيق النزيه الشفاف، وقد قدم هذا الطلب من جديد مع واقعة الاعتداء على المهندس أسعد. معرفة مصير هذه الأموال العامة (السائبة) أمر ضروري،ويدرأ شبهة السرقة عن القائمين على هذه الأموال.
بعد شيوع ثقافة الرقم الوطني وشيوع استخدام تقنية جواز السفر الالكتروني، درجوا في الخرطوم على ارسال (خبراء) للرياض لتشغيل الأجهزة الخاصة بتسجيل البيانات والتصوير لاستخراج الرقم الوطني والجواز الالكتروني، ويتقاضى (الخبير) بدل سفر يومي يقال أنه يتجاوز الأربعمائة يورو، ويمكث هؤلاء في السفارة بقدر ما تسمح لهم به نظم الإقامة في السعودية، ثم يعودون للخرطوم ليأتون مجددا أو يأتي (خبراء) آخرون غيرهم ليعم الخير على الجميع. اذا افترضنا أن الواحد منهم يتقاضى ثلاثمائة  يورو يوميا،وليس خمسمائة كما يقال، وأن عددهم ثلاثة (خبراء) وليس أربعة أو ستة،فإنهم يكلفون خزينة الدولة المنهكة تسعمائة  يورو يوميا بخلاف مصاريف السفر الجوي والسكن وغير ذلك. عشر هذه التكلفة أو أقل  كفيلة بتعيين موظفين محليين دائمين،أي من السودانيين المقيمين في السعودية، بعد تدريبهم على استخدام هذه التقنية مثلما يستخدمها هؤلاء (الخبراء)، وهي تقنية سهلة يحسنها كل من يحسن تشغيل الكمبيوتر، فتتوفر بذلك  ساعات عمل أطول، بسلاسة اكثر وتكلفة اقل. ولا غضاضة في أن يكون هؤلاء الموظفون المعينون محليا في الرياض من فئات المتمكنين أو من المقربين للمتمكنين( يعني هي بقت علي ديل بس؟). لا غضاضة في أن تكون كل أطقم السفارات من ذات الفئات، فهم في النهاية سودانيون يمثلون السودان وشعب السودان، واحترامهم فرض عين على كل سوداني مهما كانت قدراتهم وتصرفاتهم، المأمول فقط أن يتوفر فيهم قدر معقول  من الكياسة  وثقافة احترام المواطن السوداني بوصفهم خداما له لا سادة عليه، وهي كلها متطلبات سهلة تتوفر، إن شاء الله، في كثيرين من الذين يقتصر عليهم الاختيار لهذه الوظائف.
هناك من جهة أخرى كثير من المآخذ على مسلك  بعض المغتربين. هناك سلبية شائعة وسطهم من مظاهرها المظهر غير اللائق والملابس المتسخة التي يرتديها بعضهم عندما يرتادون السفارة أو القنصلية. المظهر النظيف المرتب فيه احترام للذات نفسها. سبحان الله.. يلاحظ أن مواطني كل البلدان يذهبون لسفاراتهم وهم في كامل زينتهم أو على الأقل يبدون بمظهر نظيف لائق إلا في سفارتنا.. هل هو غياب لثقافة النظافة أم هو امتداد لحالة السلبية؟ هذه السلبية جعلت مراجعي القنصلية يكتفون بالفرجة على المهندس أسعد وهو يعتدى عليه، مثلما فعل مراجعو بعثة القنصلية السودانية في الدمام في واقعة اعتداء أخرى لم يبلغ عنها ولم تنشرها الصحف ولا الاسافير مع انها تزامنت مع واقعة جدة.
ليس ذلك فحسب، بل هناك نموذج ممعن في السوء.. شخص (يتطوع) لمساعدة المحتجزين السودانيين المخالفين لنظم الإقامة في المملكة المنتظرين استخراج وثائق سفرهم الاضطرارية، ويكون في غياب الملحقية العمالية صلة الوصل بينهم وبين السفارة لاستكمال اجراءات استخراج هذه الوثائق لإعادتهم لوطنهم. كان هذا (المتطوع) أو (فاعل الخير) المفوض من السفارة،يفرض إتاوات على المحتجزين، أو على أقربائهم وأصدقائهم خارج محابسهم، يدعي أنها تذهب لآخرين لتسهيل انهاء معاملات تسفيرهم(ميتة وخراب ديار)،وهو إدعاء كاذب مسيء لسلطات البلد المضيف ومسيء بنفس القدر للسفارة السودانية. تفرغ الرجل تماما وبلاء حياء لهذه المهنة المعيبة والمربحة، بجرأة من أمن العقاب، وأصبح لا يزاول عملا غيرها.يقال أنه منع مؤخرا، كما علمت، من تقديم خدماته.ليت هذا الفعل لا يتكرر بظهور (متطوع) أو (فاعل خير) آخر.
سنتوقف في مرة قادمة،إذا مد الله في الآجال، عند محطة مشروع وصاية جهاز المغتربين على كيانات المغتربين الاجتماعية الطوعية ومحاولاته الممنهجة لاحتوائها.
(عبدالله علقم)
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.