(كلام عابر)

طالعت قبل أيام قليلة إعلانا يكيل  فيه صاحبه المدح لقائمة طويلة من الأسماء ويعتذر عن قيامه بفعل ما لم يذكره الإعلان،ويمتد المدح والإعتذار لزوجته،التي لم يذكر اسمها ويبدو أنها منفصلة عنه،ويطلب إليها أن تعود إليه. وقد احتل ذلك الاعلان مساحة كبيرة من صحيفة يومية، فمن يطلب الحسناء يعط مهرها، وعدو الرجل حمقه ، وصديقه عقله.
والإعلان هو المجاهرة بالشيء مثل الإخبار عن السلع والخدمات والإجراءات، وينبغي فيه تحقيق الممارسة السليمة والتوازن بين هدف المعلن والمتلقي ومصلحة المجتمع بصفة عامة، ولا بد أن يحافظ على الذوق العام في المجتمع ويراعي التركيبة الأخلاقية والتقاليد السائدة في المجتمع، كما يقول خبراء الإعلان. من جهة أخرى، ثقافة الاعتذار أمر طيب من حيث المبدأ، لأنها تحفظ الترابط الأسري والسلام المجتمعي، لكن موضوع ذلك الإعلان بمجمله شأن أسري خاص جدا ما كان يجب إشهاره والمجاهرة به، فذلك أمر غير مألوف وممارسة أو ظاهرة جديدة تجافي الذوق المجتمعي العام.
صاحب الإعلان الغريب ليس غارقا تماما في بحور الوجد والغرام مثل قيس بن الملوح وكثير عزة وجميل بثينة والمحلّق،ولكنه،كما يقول بعضهم، أضطر لنشر ذلك الإعلان خصما على أشياء كثيرة،لأن مصالحه الدنيوية قد أصابها الضرر، ربما عملا بمبدأ قديم جديد يقول بأن المصانعة تيسر الحاجة. قال النعمان بن المنذر "من سأل فوق حقه استحق الحرمان، ومن ألحف في مسألته استحق المطل"، وقال عبيد بن الأبرض: من يسأل الناس يحرموه.. وسائل الله لا يخيب.
لديّ ولدى من يتكرم بقراءة  هذه السطور ما يكفي من مشاغل وأولويات ليس من بينها مثل هذا الإعلان (الفينا مكفينا)، ولكن الإعلان استفزني غاية الإستفزاز رغم خلوه  تماما من كل لفظ أو معنى يجافي الآداب العامة. فكرة الإعلان نفسها وما احتواه الإعلان من إطراء غامض مبالغ فيه،أمر مستفز، يمثل إساءة حقيقية للذوق العام، ويشكل في اعتقادي مظهرا من مظاهر التلوث الثقافي والقيمي ، وظاهرة مجتمعية جديدة، لا تبعث على الإرتياح، تجيء في سياق ظواهر سيئة كثيرة، انتشرت في مجتمعنا بشكل مخيف، وهي وليدة الثراء السهل المفاجيء.
وربنا يكفينا شر القادم.
(عبدالله علقم)
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.