(كلام عابر)

في بدايات حياتي العملية، عملت في مجلس بلدية بورتسودان لفترة قصيرة من أواخر 1970 إلى 1971 . مساعدا لكبير الضباط ،وهو مسمى الوظيفة تلك الأيام، وكنت أصغر ضباط المجلس وظيفة وسنا، فكانت تسند إلي المهام التي يري رؤسائي في العمل أنها تتناسب مع  ضآلة معرفتي وقلة خبرتي. كانت دار التوزيع (الحكومية) تتولي توزيع كل المطبوعات المحلية  والخارجية، وكان توزيع الصحف اليومية(صحيفتي الأيام والصحافة الحكوميتين) يشكل هاجسا لمديرها (س) انعكس في مراسلاته إلي كبير ضباط البلدية، ولم يكن لكبير الضباط متسعا من الوقت ليخصصه لمشاكل الصحف وتوزيعها، فهو أمر  يقع نظريا خارج اختصاص المجلس، فوجد الملف طريق إليّ. استهواني الموضوع  فعكفت عدة أيام علي إجراء دراسة مكتبية وميدانية استطلعت فيها آراء أصحاب المكتبات وباعة الصحف المتجولين وبعض القراء من مختلف الفئات والشرائح.لم يكن مجرد أداء واجب ولكني وجدت متعة شخصية في هذا العمل، وفي النهاية أعددت تقريرا مطولا ضمنته نتائج الدراسة وطرحت بعض المقترحات وأرسلت كل ذلك للسيد(س) مدير دار التوزيع، وتتابعت رسائله ومحادثاته الهاتفية لعدة شهور. أثني  السيد (س)  على الدراسة التي أجريتها أكثر من مرة في مراسلاته ومكالماته الهاتفية، ونمت بيننا علاقة ودودة عبر الهاتف والمكاتبات، وكان في كل مرة لا يتردد في أن يطلب مني خدمة أو معلومة تتعلق بتوزيع الصحف،وكنت ألبي طلبه على الفور،ولم يكن يبخل علي بكلمات الشكر المطولة  في كل مرة.
ثم دارت الأيام التي لا تبقى على حال واحد، وفصلت من عملي،فانطلقت في شوارع الخرطوم،بعيدا عن بورتسودان، أبحث عن وظيفة ما. كان غول الصالح العام في تلك الأيام أكثر رحمة  ولا يلاحقك في كل مكان،ويسد عليك مصادر الرزق،وإن كان الظلم هو الظلم مهما كانت نكهته. دلني أحد الاصدقاء علي صحيفة انجليزية صدرت حديثا فيها بعض الوظائف الشاغرة،حسبت نفسي أهلا لواحدة منها، وشجعني كثيرا على تقديم طلب للعمل فيها.فرحت كثيرا لما علمت أن السيد (س) نفسه قد أصبح على رأس هذه الاصدارة الجديدة. هناك بعض المواقف تظل راسخة في الوعي الباطني،تستعصي علي عربدة السنين، وعلى كل  محاولات الاستئصال من الذاكرة.أذكر ذلك الموقف جيدا بكل تفاصيله الصغيرة وأستعيده أمامي كشريط سينمائي. ذهبت لمكتب(س) فأحسن الرجل استقبالي لما عرفته بنفسي، وكرر نفس كلمات الشكر القديمة التي كان يرددها علي مسامعي،فاستبشرت خيرا بتلك البداية التي حسبتها طيبة (غرضي مقضي ان شاء الله)،والرجل يواصل السؤال  عن الحال  والأحوال ويشيع أجواء من الود من حوله، حتى فاجأته بحقيقة أني لم أعد ضابطا في بلدية بورتسودان ولا موظفا في حكومة السودان أو موظفا في أي مكان آخر وأني جئته طالبا مساعدته للحصول على وظيفة.لا أعتقد أنه قد سمع كل حديثي. سبحان الله في خلقه.. تغيرت ملامح وجهه في لحظة واحدة واختفت تلك الابتسامة التي كانت ودودة، وقاطعني  بصوت مرتفع غاضب أن لا وظائف لديه وأن الوزير(وزير الإعلام) قد وجه بعدم استيعاب موظفين جدد حاليا،ولم أكن في حاجة بالطبع لمعرفة هذه التفاصيل وتوجيهات الوزير.. ثم أردف ذلك بنبرة طاردة قبيحة عاطلة من الكياسة أقرب إلي الصياح..(دايرني أكسر كلام الوزير؟) .. رغم وقع المفاجأة عليّ،إلا أنني قررت أن أسرع بمغادرة المكتب (بمزاجي) قبل أن أغادره مطرودا، فنهضت واقفا وشكرته علي حسن استقباله، وهو فعلا كان قد أحسن استقبالي أول الأمر، ومددت يدي مودعا، فمد لي،غفر الله له، يدا فاترة متثاقلة غابت عن صاحبها الحكمة، وغادرت المكان وأنا أحمد الله على اللطف في قضائه، وأنها (جات علي قدر كدا).
هو أيضا،رغم كل الحرص والإنبطاح،لم يسلم من غول الصالح العام،أو التطهير كما كان يسمى آنذاك.التهمه بعد فترة قصيرة من تلك المقابلة. الفرق بيننا أنني لم يكن لدي وقتها الكثير مثله لأخسره، ولا الكثير الذي أحلم به.
يرحمنا ويرحمه الله.
(عبدالله علقم)
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.