(كلام عابر)

التقدم الكبير المتواصل الذي حققه ويحققه العلم كل يوم في تقنية الإتصالات إنعكس إيجابا على حركة النشر والتواصل الاجتماعي بين الناس وساعد علي جعل معرفة الحدث أو المعلومة  متاحة لكل البشر الذين يستطيعون الوصول إلى وسائط هذه التقنية، لكن الإنسان في العالم المتقدم الذي يعود إليه الفضل في اختراع هذه الوسائط وتحقيق هذا التقدم يظل دائما صاحب الحظ الأوفر من بركات هذا التقدم التقني وأيضا لعناته. أتاحت المواقع الإلكترونية فرصا واسعة وفورية للنشر لا تقف أمامها قيود وحدود الصحافة ووسائل النشر الورقية. معظم ما نطالعه اليوم يدخل تحت تصنيف أو مسمى النشر الإلكتروني،وليس الصحافة الإلكترونية،فالصحافة الإلكترونية لها قواعدها المهنية مثلما لها ضوابطها الأخلاقية.النشر الإلكتروني لا يخضع في معظم الأحيان لهذه القواعد المهنية والضوابط الأخلاقية،فهو ممارسة سهلة،متاحة، وخالية من الإلتزام والتبعات.
لم يتخلف السودانيون عن مواكبة التطور فظهرت للوجود مواقع إلكترونية سودانية كثيرة في السنوات الأخيرة،أغلبها وأكثرها إنتشارا يصدر من خارج السودان بحكم توفر ظروف أفضل للصدور لا تتوفر في السودان أو لا تتوفر بنفس القدر. قليل من المعرفة باستخدام جهاز الكمبيوتر ولوحة المفاتيح والإلمام  بشيء من القراءة والكتابة، يمكن الشخص من الوصول للموقع والمشاركة بالنشر فيه وأحيانا نشر صورته دونما شروط أو متطلبات تأهيلية ولو بحدها الأدنى. الجانب الإيجابي إشاعة المعرفة والمعلومة والتواصل بين مختلف الناس بأقل تكلفة مادية؛ الجوانب السلبية كثيرة.. بعضهم لا يقرأون بأعينهم، ولا يفهمون بعقولهم ما يقرأونه، ولا يضغطون على لوحة مفاتيح الحروف بأصابعهم، فينشرون الروائح النتنة في  فضاءات الله الواسعة وهم متخفين بأسماء مستعارة، بمنجى من حساب أو مواجهة مع أحد. ولا يسلم الجميع من هذا الخبث، ويظل الفاعل مجهولا إلا لنفسه. أحيانا يصيبني شيء من هذا الخبث مجهول الفاعل، لكن زادت الجرعة عندما كتبت مؤخرا عن صلاح أحد إدريس في مناسبة تبرئته من محكمة الاستئناف في جدة، المملكة العربية السعودية، وقلت إن الرجل قد ظلم حينما انطلقت نحوه السهام تذبح فيه ذبحا وتهلل لإدانته في فجور ولؤم في الوقت الذي كانت أوراق قضيته تأخذ دورتها الطبيعية بين المحكمة الإبتدائية ومحكمة الاستئناف في جدة. منهم من تساءل كم كان ثمن مقالي، ومنهم من قال أن المقال سيكون سبيلي لكسب ود الرجل والفوز بجوائزه، ومنهم من قالها صراحة  أني قد ظهرت على حقيقتي، وإلي غير ذلك من ساقط الكلام. كل إنسان يعطي مما عنده، كما قال السيد المسيح عليه السلام، وقد أعطي كل منهم مما عنده،وما عنده لم يتجاوز واقع خلفيتة الاجتماعية والأخلاقية والأسرية والمعرفية. وعلي الجانب الاخر، يبدو أن أعداء السيد صلاح إدريس كثر،عزّ عليهم أن تبرئه محكمة الاستئناف،ولكنه فيما أعلم أقدر على خوض وإدارة معاركه بنفسه، وهي معارك لا تعنيني في شيء،وهو ليس في حاجة لقلمي بكل تأكيد. وتأكيدا للتأكيد أكرر القول هنا بأنني لم أتشرف بعلاقة شخصية تربطني  بالسيد صلاح إدريس لا قبل ولا بعد كتابة مقالي المذكور، ولم أره رأي العين،ولكن كل ذلك التأكيد المسبق لم يشفع لي عند صراصير الأسافير. لا يتاح لي عمليا الوقت للإطلاع بنفسي على جميع المواقع التي تنشر مقالاتي، ولكن علي حد علمي  إقتصر هذا الفعل النتن على موقعين إلكترونيين فقط.
التواصل عبر البريد الإلكتروني أكثر خصوصية. بريدي الإلكتروني الذي أذيل به مقالاتي لتسهيل التواصل مع القاريء لا يخلو أحيانا من رسائل ساقطة، مجهولة المصدر كعادتهم،تثير الضحك والاشمئزاز في آن واحد.
الفيسبوك أداة تواصل إجتماعي سهلة فعالة،تتيح لك في الغالب الأعم أن تتخير الشخص الذي تتواصل معه،لكن الإنفلات والتستر وراء أسماء مستعارة وارد أيضا. بعث لي أحدهم بطلب للصداقة،وهي في الواقع ليست صداقة بالمعنى الحرفي للكلمة لكنها  مجرد عملية إضافة صاحب الطلب لقائمة مراسلاتك والتواصل معه فيما بعد. تتلقى طلبات صداقة من هذا النوع مثلما ترسل طلباتك لآخرين،أي أنها عملية تواصل متبادل. حدث ذات مرة أن أضفت شخصا لقائمة أصدقائي بعد التحري المتاح عن هويته في نفس صفحات الفيسبوك، وكانت المعلومة المنشورة عنه أنه في سن أبنائي، علما بأن كثيرا من الملعومات المنشورة في سيرة الشخص (البروفايل) قد تكون غير صحيحة، وقد تكون نوايا مقدم الطلب سيئة. على كل، كانت أول رسالة تلقيتها من هذا (الصديق) سؤالا واحدا .."إنت مالك مكشر في الصورة؟".كانت  بداية مقيتة لم أستطع وصفها إلا بالفقر المتجذر في قواعد الأدب والسلوك،ولم تترك لي خيارا سوى حذف الشخص من قائمتي(أصدقائي)، وحمدت الله أنها (جات على قدر كدا).  
هذه الكائنات البشرية التي يفرزها هذا التطور التقني يطلق عليها إسم "صراصير الأسافير" .. لا أدري بالتحديد من إبتكر هذا الإسم، ولكنهم على كل حال أعراض جانبية  تصاحب التطور،لا يجب التوقف عندها.
(عبدالله علقم)
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.