(كلام عابر)

قال الرسول صلى الله عليه وسلم تأكيدا علي قيمة الشعر "إن من البيان لسحرا" ،وقال " إن من الشعر لحكمة"، وقد اشتهر العرب قديما بالبلاغة والفصاحة، وكان الشاعر عندهم يساوي منظومة إعلامية كاملة بمقاييس هذا العصر، ولكن قلما تجاوز ذلك الشعر حدود الكلام الجميل العاطل من القيم الحقيقية. كان المتنبي أشعر شعراء العرب، على الأقل كما صنفه الطيب صالح ومحمود السعدني، ولكن شعره كان خاليا من مشروع أخلاقي أو إنساني أو قضية وطنية،ولم يتجاوز بكلماته حدود الجزالة اللفظية  وإشباع  الطموح الشخصي. قليلون هم الشعراء الذين وظفوا موهبتهم الربانية لخدمة مشروع جماعي ذي أهداف سامية.

جاء الشريف محجوب شريف ليجمع بين جزالة الكلمة  ونبل المعنى والهدف في مشروع انساني نبيل أشد ما يكون النبل.لم يكن الشعر عنده ترفا لفظيا أو وجاهة اجتماعية أو مشروعا للتكسب، في زمن (الفرسان المولعين بفقه الضرورة والحيض، والسياط على ظهور الأنثيات)، ولكنه كان أداة  لطرح ومعالجة قضايا المسحوقين والمنسيين الذين أسقطهم المجتمع من حساباته، فأعطاهم الأمل. كان شعر محجوب بمفرداته السهلة جدا، الممتنعة جدا،التي تجسد قمة العبقرية والإبداع، يمثل الأمل والحلم بمستقبل أفضل ويشعل روح المقاومة للقهر، فكان يتردد في الأزقة والحواري والشوارع ومدرجات الجامعات وفي كل مكان. لم يكن ترفا ثقافيا، وكان أشد عليهم من وقع السهام في غلس الظلام.

على مر التاريخ وحتى أيامنا هذه كانت المجتمعات تفرز دائما الذين يعطون كل شيء لمجتمعاتهم ولا يأخذون شيئا بالمقابل، وكان يتقدم الصفوف الرجال الشجعان الذين يقولون كلمة لا في وجه الظلم، فيكون مصيرهم القتل أو السجن أو النفي..قائمة هؤلاء الشجعان طويلة .. عمار بن ياسر.. الحسين بن علي .. ديدان كيماثي.. مارتن لوثر كنج..الحلاج..سبارتكس.. محمود محمد طه.. نلسون مانديلا.. نقوقي وا ثيونقو..عبدالله بن محمد،ومحجوب شريف. لو شاء الشريف لاتخذ الى الدعة ونعيم العيش سبيلا..ولو شاء لاتخذ إلى كل متع الدنيا سبيلا.. لكنه يستعصي على الانكسار، يصالح بين ما ينادي به من قيم جميلة وسلوكه الشخصي الذي غلب عليه الزهد في كل الدنيا والنأي عن السقوط.. فكان إماما ليس للمبدعين وحدهم ولكن للشرفاء والزاهدين ولكل المتطلعين للخير والمستقبل. عمر كامل..ثلاثة عشر عاما كاملة أمضاها في سجون الديكتاتوريات العسكرية الثانية والثالثة خلفت آثارها الصحية التي استعصت على المداوين.


قال لي من كان حاضرا المشهد أنه قد جاء إلى داره ذات يوم أحدهم مع مرافقه الذي  يتأبط حقيبة تحمل في جوفها ما يكفي لشراء سيارة جديدة. قال له بثقة غابت عنها الفطنة  إنها عربون صداقة ومحبة، ومشاركة  في تقدير ورعاية مبدع عظيم.غادر الرجل ومرافقه الدار وهما يحملان بضاعتهما التي ردت إليهما بعد أن قبل الزاهد القديس مشروع الصداقة والمحبة وامتنع عن قبول الباقي، وبعد أن ألح عليهما مشاركته وجبة غدائه المكونة من "كسرة" و"مفروكة"،ابتلعا لقماتها على مضض.

كان يحلم بالوطن الجميل الخير الديمقراطي الذي يتسع لكل أبنائه بلا وصاية من أحد:

حنبنيهو البنحلم بيه يوماتي

وطن شامخ وطن خير ديموقراطي

وطن مالك زمام أمرو

ومتوهج لهب جمرو

وطن غالي

ولكنه رأي مشروع عمره  يتداعي أمامه، والوطن قد تشظى، والصواب قد أصبح ملكا حصريا لفئة بعينها من الناس، فرحل وهو أشد ما يكون (خوفا على السودان من جهوية الشهداء وجهوية الأحزان).

غطت خبر رحيله قنوات فضائية عربية مرموقة رغم أن العامية السودانية لا تألفها الأذن العربية ورغم أن الشأن السوداني بخصوصيته المختلفة المعقدة، كثيرا ما يسقط من الذاكرة العربية إن وجدت لها أصلا متسعا أصلا في هذه الذاكرة العربية.. إحدى قنواتنا الفضائية ذكرت خبر رحيله على استحياء واكتفت بوصفه بالمعلم السابق، مما يعيد للأذهان ذات الفجور وذات القبح الذي صاحب إعلان  رحيل الزعيم اسماعيل الأزهري في أجهزة الإعلام السلطوية في أغسطس 1969م عندما أذاعوا نبأ رحيله بذات الإستحياء واكتفوا يومها بوصفه بالمعلم السابق.. جميعهم  ليسوا أفضل حالا ولا أكثر ذكاء  من ذلك الذي يعمد إلى حجب ضوء الشمس بأصابعه، أو من يبصق على السماء فيرتد بصاقه على وجهه القبيح.

كانت كلماته الأخيرة  وهو على سرير مرضه من عبق  ذلك العشق الصوفي  والتشبث بحدقات الوطن إلى النهاية:

من وجدانی.....صحه وعافیه

لکل الشعب السودانی

القاصی والدانی

شکرآ للأرض الجابتنی

والدرب اللیکم ودانی

یا طارف وتالد

یا والد النیل الخالد

واحد من نسلک عدانی

أنت الآول وما بتحول

وتب ما عندی کلام بتأول

أنت الآول...وکل العالم بعدک تانی

على الصعيد الشخصي ينضم محجوب شريف لقائمتي الخاصة جدا من المبدعين الذين أنجبتهم حواء السودانية الولود ..أحببتهم وكم تمنيت أن ينعم الله سبحانه وتعالى عليّ في يوم من الأيام برؤيتهم رأي العين.. محمد المهدي المجذوب.. صلاح أحمد ابراهيم.. الطيب صالح.. محمود عبدالعزيز، فلم تتحقق الأمنية، وسبقوني إلى لقاء الله الكريم.

قبل الختام:

من شعر فضيلي جماع:

يا شريف أمةٍ توشّحت سوادها

وذرفت بحار دمعِها عليكْ!

رحلت مثلما أتيت للحياة..

طاهراً وناضراً

وحبّك الحفاة والجياع

كان كل ما لديك!

رحلت مُعدماً ،

لكنك الغنيٌّ بالعفاف والكفافِ

كنت شامخَ الجبين صامداً

كنخلةِ سامقةِ على الضفاف!

كلمة أخيرة:

طيب الله ثراك وجعل قبرك روضة من رياض الجنة..طبت حيا وميتا..وداعا الشريف محجوب شريف إمام الشرفاء والزاهدين والمبدعين..تداعت جموعهم لوداعك..كلماتك كانت تمثل لهم الأمل والحلم بالمستقبل رغم ظلمات الحاضر..كنت،وستظل إلي أن يرث الله وما عليها، قيمة أخلاقية وإنسانية ضخمة،(فما زلت رغم الأعاصير شمسا تغيب بليل لتشرق حبا وفألا جميلا علينا).إنها أزمنة الحزن والإنكسار..أنت الآول...وکل العالم بعدک تانی.


(عبدالله علقم)

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.