(كلام عابر)

ذاعت حكاية الراعي السوداني الذي رفض التصرف الحرام في (حلال) غيره، وانتقلت من مواقع التواصل الاجتماعي لصفحات الصحف والفضائيات، ووجد الرجل التكريم المادي والمعنوي على أمانته من محسنين سعوديين ومن جهات رسمية وشعبية سودانية ممثلة في السفارة والجالية السودانية في الرياض، ووزير ولع بالسفر والسياحة  في بلاد الله الواسعة، تزامن وجوده مع المناسبة السعيدة، أو أنه شد الرحال من الخرطوم للرياض لحضورها. أمر طيب حقا ومشرف للسودانيين في كل مكان،خصوصا المقيمين منهم في السعودية، في وقت تزايدت فيه تصرفات وأفعال البعض التي تخصم من رصيد سمعتهم الطيبة في المهجر، وأصبح الناس يتصيدون  لحظات الفرح على قلتها. أمر طيب هو الآخر أن يجد فعل الراعي العفوي كل هذا التقدير المادي والمعنوي. إلا أن للواقعة  أيضا وجه آخر غاب وسط هذه الاحتفائية.
مصور الفيديو كان في نزهة مع آخرين داخل نفس السيارة التي تم من داخلها التصوير. كانوا في حالة ترويح عن النفس في (البر) أو تلك المنطقة الرعوية، وقادهم الطريق أو الصدفة لمكان الراعي،ولربما كانوا يرغبون فعلا في شراء خروف من خراف الراعي استكمالا لمتطلبات الراحة، وفاجأهم الراعي برفضه البيع، فقام أحدهم بالاتفاق  مع ركاب السيارة بتشغيل الكاميرا ليسجل الحوار بالصوت والصورة،دون علم الراعي، كجزء من الترويح والترفيه عن الذات، كما يتضح من طريقة الحوار والاسئلة الاستدراجية التي كان المحاور يطرحها على الراعي، حتى تيقن المحاور ورفاقه  من صدق الراعي ورفضه المؤكد التصرف في رعيته بالبيع دون إذن أو معرفة مالكها. ربما لو استجاب الراعي لطلبهم ببيع الخروف بعيدا عن عين مالكه،لبقي الفيديو مادة ترفيهية خاصة لا يرون فيها ما يستوجب النشر،ولما تحولت هذه المصادفة التي كان دافعها الهزل إلى واقعة إعلامية ضخمة.
الامر لا يخلو من ثقافة استعلائية عفوية جعلت من الراعي سعيد الحظ مادة ترفيهية في البداية لركاب السيارة في  رحلتهم التي كانت بقصد الترفيه. نفس الثقافة الاستعلائية العفوية جعلتهم لا يجدون في أنفسهم حرجا من أن يضعوا أنفسهم في موضع الحكم على سلوك الآخرين فاصدروا شهادة بحسن السير والسلوك للراعي. تدخل بعد ذلك شعور الإعجاب بالراعي مشاركا لثقافة الاستعلاء وهو ما انعكس في نشر الفيديو في مواقع التواصل الاجتماعي. نشر الفيديو والترويج له تصرف إيجابي ،لكنه في نفس الوقت انتهاك لخصوصية الراعي، وتجاوز لحقه في الموافقة المسبقة على النشر أو الرفض مثلما يحدث في برامج الكاميرا الخفية، وهو حق تكفله النظم والأعراف التي تحكم النشر وتحفظ الخصوصية ، بالرغم افتراض حسن النية في الناشر وبالرغم من العائد المادي والادبي المستحق الذي حصل عليه الراعي الامين.
(عبدالله علقم)
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.