(كلام عابر)

زاملت الأستاذ مهدي ابراهيم، الذي تقلب  في المناصب العامة في زماننا هذا ما هيأه له إقبال حظه وذهاب حظ غيره، سفيرا ووزيرا ومستشارا،حتى انتهى به المطاف رئيسا لمجلس شورى الحزب الحاكم، زاملته في أيام الطلب في جامعة الخرطوم، وأشهد له بأنه كان  سمح التعامل مع الآخرين، بشوشا باسما،يختار دائما الكلمات الجميلة في الخطاب، وكان لا يستثني من خطابه الجميل الذين يختلفون معه في الرأي. كان هذا هو الانطباع الطيب الذي تركه في نفسي رغم أن علاقتي به لم تكن تتجاوز إطار الزمالة البعيدة،لا سيما وأن كلا منا كان يدرس في معارف مختلفة، ولا أذكر أني تشرفت بلقائه  عقب  سنوات الدراسة إلا مرة أو مرتين. حتى في زمن الانحدار اللفظي وانفلات الخطاب، لم يؤخذ على  مهدي ابراهيم في يوم من الأيام أن اجتذبته،مثل آخرين، موجة هذا الانحدار والإنفلات،وظل محتفظا بذات الكلام الجميل والإتزان، ولهذا دهشت حد الدهشة أن يصدر منه التعليق الذي نقلته عنه الوسائط الإعلامية في معرض حديثه عن الرفض الشعبي لرفع الدعم الحكومي على السلع الحياتية وتدني الأحوال المعيشية لعامة الناس، فقد نقل عن  مهدي قوله (إن رفع الدعم كان يجب تطبيقه قبل 11 عاما ، ولكننا صبرنا)، ليس ذلك فحسب ولكنه أضاف قائلا(ان اهل السودان نسوا انهم تمتعوا باوضاع جيدة ومعتدلة فى السنوات الماضية ، ونحن آثرنا ان نصبر على ذلك).  
لغة،للأسف، تكشف ستر مخزون خفي لا ينضب من التعالي، تعالي على نفس الناس أو على ابنائهم وأحفادهم الذين كفلوا لمهدي،مثلما كفلوا لغيره، وفي مراحل مختلفة من الحياة، مجانية التعليم والداخليات التي توفر السكن والإعاشة، والتي لولاها لكان كثيرون اليوم  نسيا منسيا، وكفلوا له فوق ذلك رغد العيش في سويسرا وأمريكا والعودة بأطنان ضخمة من الاثاث الفاخر المحمول في بطون السابحات في الجو، والتعليم باهظ التكلفة  لأولاده. والحال كذلك، فإن  أقل رد أخلاقي  لجميل  هؤلاء الناس هو ألا يتعالوا عليهم لا أن(يصبروا عليهم)، بعد أن بدل الله الأحوال من حال إلى حال، ودوام الحال من المحال،فلا دائم إلا وجه الله الكريم.
ولاية الحاكم على شعبة ليست مطلقة بل هى مقيدة، وهناك قاعدة فقهية مشهورة تقول (التصرف على الرعية منوط بالمصلحة)، وهذه القاعدة مستمدة من قول الرسول صلى الله عليه وسلم: (من ولى من أمور أمتى شيئا ثم لم يجتهد ولم ينصح فالجنة عليه حرام).
ويقول الشافعى: (منزلة الإمام من الرعية منزل الولى من اليتيم)، وهذه العبارة فى أصلها مأثورة عن سيدنا عمر بن الخطاب، حيث قال بعد أن تولى خلافة المسلمين: (إنى أنزلت نفسى من مال الله منزلة والى اليتيم إن احتجت أخذت فإذا أيسرت رددته، فإن استغنيت استعففت). ويؤكد الدكتور لطفى عفيفى أنه لا يجوز أن يتصرف الحاكم تبعا لهواه بما يفوت المنفعة لشعبه ورعيته، فهى سلطة مقيدة بالمصلحة وجلب الخير ودرء المفسدة.
لعل الأستاذ مهدي ابراهيم يستلهم،وهو في القرن الحادي والعشرين، قول أبي جعفر المنصور في مكة،رغم اختلاف الزمان والمكان (إنما أنا سلطان الله في أرضه،أسوسكم بتوفيقه وتسديده وتأييده، وحارسه على ماله،أعمل فيه بمشيئته وإرادته وأعطيه بإذنه، فقد جعلني عليه قفلا إذ شاء أن يفتحني فتحني لإعطائكم، وقسم أرزاقكم،وإن شاء أن يقفلني عليها أقفلني،فارقبوا إلى الله واسألوه أن يوفقني للرشاد والصواب وأن يلهمني الرأفة بكم والإحسان إليكم)،أو زياد بن أبيه حينما قال (إنا أصبحنا لكم ساسة وعنكم زاده نسوسكم بسلطان الله الذى أعطانا ونذود عنكم بفيء الله الذى خولنا فلنا عليكم السمع والطاعة …وأيّم الله إن لى فيكم لصرعى كثيرة فليحذر كل امرئ منكم أن يكون من صرعاي).
ولاية السيد مهدي ابراهيم ورهطه على رقاب الناس ليست ولاية مطلقة، يصبرون فيها عليهم، وينعمون عليهم،ويصبون نيران غضبهم عليهم، وقتما وكيفما وأينما شاؤوا،ربما بذات  التفويض الإلهي القديم الذي كان لمعاوية ويزيد وعبدالملك والحجاج وزياد والسفاح والمنصور والرشيد والمتوكل، فقد اختلف الزمان والمكان وتبدلت الرؤى والقواعد،وأصبح من حق الرعايا أن يرفضوا ويحتجوا ويختاروا ويشاركوا.
لا شك أن السيد مهدي ابراهيم يعرف بثقافته الواسعة أن نظرية أو تسلسل ابراهام ماسلو الهرمي للإحتياجات الإنسانية تتدرج من أسفل الهرم، بدءا بالحاجات الفسيولوجية الأساسية  التي تقوم عليها حياة الإنسان وهي التنفس والطعام والنوم والجنس والتوازن والإخراج، ثم ترتقي لحاجات الأمان  وهي السلامة الجسدية والأمن الوظيفي وأمن الموارد والأمن الاسري والأمن الصحي وأمن الممتلكات، ثم يصعد الهرم  إلى مرحلة الحاجات الإجتماعية ثم الحاجة للتقدير، حتى تبلغ النظرية قمة الهرم وهي حاجة الإنسان لتحقيق الذات التي  تتلخص في الابتكار وحل المشاكل وتقبل الحقائق. يقول بعض العلماء إن الفرد الذي يعاني من عدم إشباع حاجاته الفيسيولوجية الأساسية حسب هرم ماسلو، في مرحلة مبكرة من حياته، غالبا ما يسعى لإشباع هذه الحاجات في المستقبل عندما يصبح قادرا على إشباعها،ولكن يكون هذا الإشباع بإفراط شديد في بعض الأحيان، كأنما هو ثأر من الماضي. بعضهم يظل أسيرا  رغما عنه لهذا الشعورالذي قد ينقلب لعدوانية أو حالة من الشر تصيب من حوله. الإنسان السوداني افتقد الحاجات الأساسية التي كانت متاحة له قبل 30يونيو1989م بلا من أو أذى. الإنسان السوداني الذي فقد كثيرا من  حاجاته الفيسيولوجية  وحاجات الأمان هو الذي صبر في واقع الأمر على النظام، وعلى ما يلقاه من خوف وجوع ونقص في الأنفس والأموال، وليس العكس كما يطرح السيد مهدي ويبدي برمه وضيقه من نكران الناس لجميل  النظام وأفضاله عليهم.
تصريح السيد مهدي ابراهيم لا يخلو من روح استبدادية،لا تتوافق مع الإنطباع الطيب الجميل الذي تركه في نفسي في سنوات الطلب، وقد عرف الشيخ حسن الراضي الاستبداد بأنه (التفرد بالشيء وعدم السماح للآخرين بالمشاركة فيما لهم من حقوق شرعية أو إنسانية وأخلاقية)، وقال الشيخ العلامة الراضي أيضا(والاستبداد من أجلى مظاهر الظلم والعدوان واستلاب حقوق الآخرين فردية كانت أو جماعية).
قبل الختام:
قال إمام المتقين كرم الله وجهه: ( قَدْ خَاطَرَ مَنِ اسْتَغْنَى بِرَأْيِه).
(عبدالله علقم)
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.