(كلام عابر)

بعضهم يحسن الظن كثيرا بقدراتي المالية، فيحسبني من أصحاب الثروات ويهيأ له أنه يمكن أن يعول على ما أكتنزه من مال في تحقيق بعض طموحاته .تتجاوز هذه الطموحات العاطلة أحيانا سقف المعقول إلى درجات مختلفة من الخيال.ربما للصورة الوردية للمغترب التي ما تزال  تعيش في أذهان البعض،أثر في ذلك .أرسل لي أحدهم من الخرطوم يطلب،بلا مقدمات،أن أشتري له جهاز موبايل (هدية طبعا)، فوعدته خيرا على أمل أن أشتري له ما يتيسر من الأجهزة، ووعدته كذلك بإرسال الجهاز مع صديق قادم من الدمام للخرطوم،وكنت على وشك أن أوفي بوعدي لولا أنه أن ألحق بطلبه مواصفات متطورة يشترطها  في نفس الجهاز، وظل يحدث هذه المواصفات  رسالة إثر رسالة على نفس موقع التواصل الاجتماعي الإسفيري الذي جمعنا معا. بمراجعة المحلات المتخصصة في بيع هذه الأجهزة في أسواق مدينة الدمام، وجدت أن سعر الجهاز أضعاف ما توقعت وما أستطيع أن أخصصه، فرأيت أن أؤجل الأمر لأيام قادمة، ولكنه بلغ به التنوق في الحاجة أن  يطلب أن أبعث له الجهاز بعد شرائه بالدي إتش إل، وكأنه دواء منقذ للحياة.الدي اتش إل وسيلة نقل سريعة ومضمونة، لا شك في ذلك، لكن تكلفتها تعادل كل الميزانية التي كنت قد خصصتها في وقت سابق لشراء الجهاز الهدية.عند هذا الحد قدرت أن تلبية مثل هذا الطلب ليست ضرورية أو ليست بذات أولوية التزامات أخرى، رغم قناعتي أن النفس مولعة بطبعها بحب العاجل، مما يجعل المطلوب بين حاذف وقاذف. أسفت في نفس الوقت على خيبة الأمل الكبيرة التي ستحل بالرجل. سطر جديد.
اضطررت لشراء جهاز موبايل جديد بعد أن خارت قوى جهازي القديم، وحملته فرحا أتباهي به أمام مجموعة من الاصدقاء، وكان سعر الجهاز الجديد لا يتجاوز السبعين ريالا. ورغم أن  قدرة الجهاز على التواصل مع الجديد في العالم من حولنا لا تتجاوز ما تتيحه هذه الريالات السبعين من تقنية، إلا أن  ذلك كافيا لمتطلباتي.أحدهم لم يشاركني الفرحة،وأسرها في نفسه ليعود بعد يومين وهو يحمل لي  هدية ثمينة .. جهاز موبايل جديد، أحدث ما انتجته عائلة سامسونج الشهيرة. هو أيضا بما فطر عليه من نبل يحسن بي الظن كثيرا، ولكن  بطريقة مختلفة وإيجابية. قال لي إن الصحافي أو الكاتب (حتى لو كان من منازلهم مثل حالتي) لابد له من مثل هذه التقنية لكي يتواصل مع الكون من حوله بأسلوب عملي يجمع كل متطلبات الحداثة. لم أجد حتى هذه اللحظة كلمات مناسبة تعبر عن شكري للصديق الكريم، لكن الأمر استغرق مني أياما طويلة حتى تمكنت من فك بعض شفرات الجهاز الثمين والغوص في أسراره والتعامل معه،إلى حد ما، مثلما يتعامل معه أبناؤنا ومجايلوهم. نسيت أن أقول أن الهدية كانت مشروطة. الشرط الوحيد أن أستخلص الهدية لنفسي ولا أتخلى عنها لأحد كان،مثلما حدث في مرات سابقة.
حالتان أو ثقافتان متباينتان وقفت  عندهما كثيرا في الأيام الماضية.
(عبدالله علقم)
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.