(كلام عابر)

تساءل الكاتب الصحفي جيريمي كنزمان، وهو دبلوماسي كندي متقاعد، وخبير في مساندة الديمقراطيات الحديثة وحقوق الإنسان، تساءل في مقال حديث له إن كانت إزاحة مبارك من الحكم  تسوى كل هذه التكلفة، إذ أن الاستطلاعات الدولية دائما ما تشير،على حد قوله، إلى أن معظم الناس في زمن الأزمات والفوضى  يفضلون السلام والأمن على العدل. أسقط المصريون مبارك بحثا عن العدل ففقدوا الأمن. التخلص من الديكتاتور أسهل نسبيا من بناء الديمقراطية من درجة الصفر، فالديمقراطية  ليست عملية يمكن انجازها في فترة زمنية قصيرة  واستيرادها  من الخارج، ولكنها تعتمد على  السلوك المجتمعي الذي يستغرق بتاؤه سنين طويلة اعتمادا المجتمع المدني، وعادة الأخذ والعطاء. لم تتح للمصريين الفرصة في ظل الدكتاتوريات المتعاقبة بناء  هذه القدرات وهذا هو الذي قادهم لما هم فيه الآن.في الجانب الآخر كان  الغرب يفضل دائما  الاستقرار الظاهري تحت حكم دكتاتور نافع للغرب، ويغلب هذا الاعتبار  على كافة القيم الديموقراطية.
وقياسا بما جرى في البلدان التي تحولت للديمقراطية في أوروبا وأمريكا اللاتينية وأفريقيا، فإن النظام الثوري  نادرا ما يكتسح الانتخابات بأغلبية مريحة وبالتالي تبرز الحاجة لنوع من الاتفاق مع النظام القديم  تجنبا لتدهور الأمور، وبدون هذا الاتفاق تترنح البلاد بين التقدم والتراجع، وتدخل في متاهات النزاعات والمحاور حيث تعيش الديموقراطية جنب إلى جنب مع الديكتاتورية، على حد وصف أناتولي سوشاك عمدة مدينة سانت بيترزبيرج الروسية. جميع المجتمعات تعددية من حيث المبدأ ويجب أن تتسع المؤسسات المجتمعية للجميع، وهذا هو أهم أركان الديموقراطية. أحد أخطاء الغرب أنه كان يعتقد أن الانتخابات الحرة النزيهة تمثل كل مضمون الديموقراطية، لكن في واقع الأمر ما يحدث بعد الانتخابات هو الذي يحدد نجاح أو فشل الديمقراطية. هل سيتصالح الفائزون الذين قد تكون أغلبيتهم عرقية، قبلية أو طائفية، مع الأقليات أم سينظرون إليهم كأعداء سياسيين؟ في مصر غابت عن ذهن الإخوان المسلمين  الحاجة  للتوافق الحقيقي مع أي مجموعة من مجموعات المعارضة،وعوضا عن ذلك  سعوا للإستئثار بكل شيء.  بعد انتخاب محمد مرسي، بذلت السفارة الأمريكية في القاهرة قصارى جهدها لتسويق النظام الجديد لدى إدارة أوباما والكونجرس الأمريكي، وفي نفس الوقت سعت للتأثير علي مرسي  ليكون أكثر تسامحا وتشاركا مع الآخر، وكانت تسعى أيضا لتحييد الجيش المصري  ببذل الوعود بالمساعدات الأمريكية الضخمة القادمة في الطريق، ولكن كل ذلك انهار لأن مرسي لم تكن لديه الخبرة بالتسويات والمساومات الضرورية في الحياة السياسية، ولم يفهم أن فوزه في الانتخابات لا يعطيه الحق  في الاستئثار بكل شيء.
ويلقي الكاتب باللوم على الغرب حينما يقول أن الولايات المتحدة ومعظم الدول الغربية أساؤوا فهم مصر وبلدان أخرى مثل تونس وليبيا وغيرها، مدفوعين برغبتهم في الحصول على حلفاء في (الحرب على الإرهاب) و(عملية السلام) في الشرق الأوسط، وأعمتهم هذه الرغبة عن فهم تطلعات وآمال  الشعوب المسحوقة في هذه البلدان، وما تريده هذه الشعوب لنفسها لا ما يريده لها الغرب. ولم يفهم الغرب أن جميع المصريين،على اختلاف توجهاتهم السياسية، متدينون بدرجات متفاوتة، وأن التدين ليس وقفا على فئة دون غيرها، وأن خلافات المصريين تتمركز حول  درجة التعددية التي تمنحها لهم القوانين والعملية السياسية. وفات على الغرب أيضا  أن التحول الديموقراطي لا بد له بالضرورة من بنية اقتصادية قوية  تسنده.
(عبدالله علقم)
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.