(كلام عابر)

  

في شهر أغسطس 1969م رحل الزعيم اسماعيل الأزهري، رئيس مجلس السيادة ورئيس الحزب الاتحادي الديموقراطي  بعد شهرين من وقوع انقلاب 25 مايو 1969م  بقيادة جعفر نميري بعد أن أمضى شهرين سجينا في سجن كوبر وأمضى الساعات الأخيرة من حياته في مستشفى الخرطوم الذي نقلوه له بسبب حالته الصحية التي ساءت بفعل ظروف الإعتقال لرجل في مثل سنه وحالته الصحية. ثم أذيع خبر وفاته باقتضاب مخل اكتفوا فيه  بإطلاق صفة المعلم السابق عليه  إمعانا في الفجور في الخصومة مع إن الرجل قد هجر مهنة التدريس منذ مطلع شبابه  وانصرف ليهب كل عمره للعمل الوطني. لم يذكر الخبر آخر منصب كان يشغله وهو رئيس مجلس السيادة وهو رأس الدولة بأكملها وتذكر كتب التاريخ أنه كان رئيس أول حكومة عشية وبعد الاستقلال وهو الذي رفع العلم الوطني. ورغم جو التوتر والإرهاب واستعراض القوة الذي كان سائدا فقد خرجت الناس بتلقائية وعفوية يبكون زعيمهم المظلوم.  خرجوا بأعداد لم تشهدها أم درمان من قبل  رغم  غياب التشييع الرسمي والعسكري. تكررت هذه  الحشود بعفوية مماثلة في ديسمبر 1983م حينما خرجت أم درمان لوداع إمامها العابد مولانا الشيخ عوض عمر الإمام المقريء الذي طالما ارتبط بوجدان الناس وعطر حياتهم بكلمات الله البينات وهو يتلوها بصوته الندي . ثم عادت الحياة سيرتها الاولى وعاد معها الأزهري  يحتل مكانه من التاريخ لأن اسمه يستعصي على النسيان ومحاولات  المصادرة.

 

الموت والحياة وجهان لعملة واحدة، فكل حياة يعقبها موت  وقد ورد الموت في السياق القرآني قبل الحياة(الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُور)، والأجل مقدر في داخل الخلية الحية  ويدركنا جميعا حتى لو كنا في بروج مشيدة، يستوي في ذلك الحاكم والسجين، والجلاد والضحية، والثري والمعدم، والظالم والمظلوم، والطيب والشرير ، فكلنا ماض للقاء ربه والوقوف بين يديه في يوم الحساب،والحياة قصيرة في النهاية مهما طالت. ورحل الرئيس الأسبق (لا المخلوع ولا القائد) جعفر محمد نميري إلى رحاب الله في الذكرى الأربعين لصعوده للحكم ، وخرج الناس لوداعه بمن فيهم من تعالوا على مراراتهم،فجلال الموت يطفيء غل القلوب وضغائن النفوس. ولا أحد ينكر أن  لنميري مثل نظامه حسنات وسيئات، ولم يكن نظامه كله شرا ولم يكن كله خيرا  لكن الشعب اسوداني قال كلمته واختار في النهاية زوال ذلك النظام ، و أصبحت الحقبة المايوية ونميري جزءا مهما من تاريخ السودان.

 

(عبدالله علقم)

 عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.