(كلام عابر)

 

تلاشت  قيم جميلة كثيرة خلال العقدين الماضيين، وظهرت أفعال كنا نحسب أن حدوثها في بلادنا من المستحيلات. فأن يتسابق يافعان أو يافع ويافعة بسيارتيهما مثلما يحدث في بعض البلدان الثرية، وأن يكون السباق في وضح النهار وفي شارع عبيد ختم المزدحم بالناس والسيارات ثم يفقد أحد المتسابقين السيطرة على عجلة القيادة فتقفز سيارته  الفارهة  إلى الجزيرة الفاصلة بين إتجاهي الشارع  وتدهس أما لعدد من الأطفال كانت تنتظر خلو الشارع من السيارات لتعبر للجهة الأخرى وكانت تعتقد أن تحصنها بالجزيرة يكفل لها  الأمان ، أمر يثير الهلع من مستقبل مخيف حقا، رغم أن اليافع المتخم بالثراء  وقع في قبضة العدالة في نهاية المطاف.

 

وأن تقوم طالبة في داخلية جامعية  بغسل وكوي ملابس زميلتها أو زميلاتها في نفس الداخلية  مقابل أجر مادي امر مخيف هو الاخر. المخيف فيه أن تلك الطالبة قد حولتها الحاجة إلى غسالة وأن زميلتها الموسرة التي تقيم معها في نفس الداخلية وتجلس إلى جوارها في نفس المدرجات لا تجد في نفسها حرجا من قبول هذه الخدمة.

 

أن ينتقل "البزنس" إلى المآتم في شكل ظاهرة "الندابة" وهي استئجار باكية مكملة للصيوان والكراسي وخدمة "الكيترنج" لتقوم وفرقتها بالبكاء و"السكلبة" والنواح مسبق الدفع على ميت لا تعرفه بموجب اتفاق يحدد ساعات وأيام تقديم هذه  "الخدمة"، ظاهرة جديدة تماما على مجتمعنا لم نكن نراها إلا في السينما وكنا نعتبرها مجرد نكتة.

 

هذه مجرد نماذج عشوائية توضح المنحدر الخطر الذي تسير فيه مجتمعاتنا وتوضح أن الاخلاق مرتبطة بالإقتصاد، فكلما ضاق الحال واتسع نطاق الحاجة، كلما استلبت الثوابت الخلقية أكثر وأكثر، وهي خسارة كبيرة لا تعوضها أي منجزات، فالإنسان هو دائما  محور كل إنجاز ومشروع.

 

الوجه الآخر من الصورة  يخفف من هول ذلك الاستلاب بلا شك،  مثل ذلك الشاب الذي يعمل محاسبا في شركة كبيرة في مدينة خليجية ، وهو في نهاية سنوات العشرين أو مطلع سنوات الثلاثين وتلقى كل مراحل تعليمه في السودان بكل ما لها وما عليها. أن يحدثك شاب في مثل هذه السن بعمق وعفوية في نفس الوقت  عن ديستوفسكي وباسترناك وكولن ويلسون وفكتور هوجو و همنجواي ونيتشة وتولستوي وغوركي وسوينكا وشينوا اشيبي وسومرست موم وغيرهم مرورا بالعباسي والبنا  والمجذوب وصلاح  والطيب صالح ثم تكتشف أيضا أنه قد نهل من مناهل طه حسين والعقاد وتوفيق الحكيم ونجيب محفوظ وأنيس منصور ويوسف إدريس وصلاح عبدالصبور وشوقي وحافظ والبارودي وإيليا ابوماضي والسياب  وكثيرين غيرهم، دون أن يكون مقصده استعراض معلوماته أو "التعالم" أمر يثير الإعجاب الشديد ويدفع على التفاؤل بمستقبل يتحدى الأزمنة الرديئة .

 

وعندما تشاهد هذا الكم من المبدعين الشباب على قناة النيل الأزرق في برنامج "نجوم الغد"، يدخلك شيء من اليقين بأن الدنيا ما زالت بخيرها  وأن الكلمة الأخيرة ليست للقبح في كل مرة وأن حواءنا لم يقهرها الإفقار المنظم وما زالت تلد المبدعين.

  

(عبدالله علقم)

 عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.