كلام عابر

أثار منظر الفنان كثير الإبداع محمود عبدالعزيز عندما ظهر لمحبيه في برنامج الأستاذ السر قدور الشهير "أغاني وأغاني" في شهر رمضان الماضي، أثار عدة مشاعر وتساؤلات لأن المشهد كان حزينا شديد المأساوية ، وصفه الدكتور حيدر ابراهيم  أشبه بطينة بؤس إدريس جماع. وقال الدكتور حيدر "لقد تجمع كل قهر ورعب وذل وقمع وتشويه وحيونة العقدين السابقين في إنسان واحد" ، ويقول "إن الذاكرة لن تغيب عنها "صورته في تلك الحلقة من برنامج السر قدور الرمضاني وقد رمى برأسه بعيدا خلفه وكأنه ليس ملكه وهو يحاول الغناء" ويخلص إلى أن محمودا يتمثل فيه قهر الدولةوسوءات النظام ويجسد حالة من الهدر الإنساني" وأن محمودا "لا يحتاج لعلاج أو مصحة ولكن من يحتاج للمصحة هو مجتمعنا ودولتنا ،وفي هذه الحالة يشفى وغيره كثر في الظل".

لقد حاول الدكتور حيدر تشخيص حالة الفنان محمود عبدالعزيز  من موقف أكاديمي شديد الترف لا يتفاعل كثيرا مع الحالة نفسها إلا بقدر  ما تثبته من نظريات  فقد قال "أراحتني حالة محمود كثيرا من البحث عن نموذج واقعي وملموس للإنسان المهدور" في  ظل "ثقافة التدين الاستهلاكي المعولم" ، وربما تكون الحالة المشخصة والتشخيص جانبا من المشكلة لكنه ليس كل المشكلة ليس علينا أن ننتظر  إلى أن ينصلح حال الدولة والمجتمع، لأننا نقف أمام حالة أجمل صوت غنائي  أنجبته حواء السودانية على مدى نصف قرن من الزمان تتجسد مأساته، أو قدر كبير منها، في الحلقة الضيقة التي تحيط به وتضع حاجزا من العزلة والصمت بينه وبين المجتمع من حوله وتحجب عنه  الخيرين البنائين الذين يعرفون قدره وقيمته الإبداعية الضخمة وهم كثر .. كتاب ومثقفون وصحافيون ومعلمون وموسيقيون وأكاديميون وكل عيون المجتمع. تتجاوز هذه الحلقة حي المزاد في بحري حيث يسكن، ويحبه أهل الحي. هم جماعات من المتعطلين والمتكسبين الذين يستغلون كرم الرجل وإحسانه الذي لم يقتصر على  المرضى والمحتاجين في حي المزاد وحده. هو محاط بالكثيرين ، كما تقول النظرية، ولكن لا يجد من يتعاطف معه، تعاطفا حقيقيا

محمود عبدالعزيز إنسان مبدع يحتاج لتعاطف كل المحبين الذين يدركون قيمته الإبداعية الكبيرة ويحتاج اليوم لدعمهم المعنوي المباشر بدلا من الإكتفاء بترف التشخيص الأكاديمي، وليتهم، ومن بينهم العالم الجليل الدكتور حيدر ابراهيم نفسه،  يعملون على  اختراق تلك الحلقة الجهنمية اليوم وليس غدا واحتوائه في بيئة أكثر عافية  حتى لا يتسرب محمود من بين أيدينا في هذه الأزمنة البخيلة التي قلما تنتج مبدعا حقيقيا وحتى لا يطول انتظار حواء السودانية  لنصف قرن آخر من الزمان لتهب الوطن محمودا آخر.
(عبدالله علقم)
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.