(كلام عابر)


ويبدو أنه لا نهاية للمفاجآت والبدع هذه الأيام. شرع  الوزير الفنان المسكون بحب الثقافة والمعرفة الأستاذ بشير سهل جمعة وزير الثقافة السابق في ولاية القضارف، شرع بمبادرة خيرة منه عام 2004م على هامش الدورة المدرسية التي استضافتها القضارف  في إنشاء مسرح مدرسي  على مساحة من الأرض تقع ضمن مباني مدرسة القضارف الأميرية وهي ذات المدرسة العريقة  التي احتفلت قبل سنتين بمرور مائة عام على إنشائها. وتوقف العمل في المسرح ولم يكتمل بسبب عدم وجود الاعتمادات المالية اللازمة رغم أن هذه الاعتمادات توفرت لمبنى حكومة الولاية الفخم الذي يضاهي في فخامته وفخامة أثاثه المستورد أفخم المباني الحكومية في العواصم الخليجية مما يعني أن المشكلة تكمن في ترتيب الأولويات  وليس في شح الموارد المالية.
 لما طال الانتظار بالمسرح  تفتقت عبقرية بعض ممن يهمهم الأمر، وهم  مدير المدرسة وبعض المسئولين في نقابة المعلمين وإدارة التعليم المعنية،  تفتقت عن فكرة جهنمية لا توفر المال اللازم لتكملة ما بدأه الأستاذ بشير سهل جمعة ولكنها تنسف الموضوع من أساسه. الفكرة العبقرية  التي تعتبر أول سابقة من نوعها هي الاتفاق مع مستثمر تم انتقاؤه بترتيب خاص بنفس طريقة  (لا من شاف ولا من دري) التي أصبحت شائعة كثيرا هذه الأيام. كان المستثمر حسب الاتفاق سيحول المسرح إلى ثلاجة موز يقوم باستئجارها لعدد من السنوات ويذهب العائد  للمدرسة والنقابة وإدارة التعليم.
 رغم كل التكتم انتشر الخبر وكان ذلك مثيرا للرأي العام في المدينة ومثيرا لعدة تساؤلات وتحفظات قانونية كفيلة بنسف الاتفاق من أساسه فتحرك المسئولون في الولاية لوقف هذا الفعل القبيح  و بلغ الأمر الرجل "الحمش" الذي لا يعجبه الحال "المايل" والي الولاية كرم الله عباس فلم يتردد  ووجه على الفور بإيقاف تنفيذ تلك الفكرة الجنونية، فعاد الوضع إلى ما هو عليه. ليت السيد كرم الله يتم  جميله ويوفر المال اللازم لاكتمال هذا المسرح المدرسي ويقوم أيضا بتأهيل مسرح المدينة الوحيد المهجور الذي تداعت مبانيه حتى لا يفكر مسئول "عبقري" في تحويله إلى ثلاجة موز أخرى ولن يعدم ذلك المسئول  في أيامنا هذه "المستثمر" الذي لا يشبع له بطن.
انتهت  الواقعة ولكن لا بد من الوقوف عندها مرات ومرات.. سبحان الله في خلقه.. الجهات التي كانت تقف وراء فكرة تحويل المسرح المدرسي إلى ثلاجة موز وأوشكت بالفعل  على جعل الفكرة أمرا واقعا لولا تدخل الخيرين ، هي  نفس الجهات التي كان من المفترض  أن تكون معنية أكثر من غيرها بالمعرفة والتعليم والثقافة والمسرح، وكان من المفترض أن تكون حامية وراعية للمسرح لا بائعة له في السوق، ففكرة بيع المسرح أو تحويله لثلاجة موز فكرة معيبة في حد ذاتها وتعد   مؤشرا  خطير لاستلاب حضاري حقيقي وحالة تراجع قيمي مخيفة.  
قبل الختام:
التحية للأستاذ بشير جمعة سهل.
(عبدالله علقم)
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.